مقدّمة
للتعرّف على رجالات الأُمّة، هنالك موازين شرعيّة وقيم سماويّة ومؤشرّات دينيّة ترسم لنا صورةً للشخصيّة المطلوب التعرّف عليها. ونحن إذ نحاول معرفة أهل البيت عليهم السّلام وهم أهلُ بيتِ النبوّة ومَهبِطِ الوحي.. لابدّ أن نُنصتَ إلى ما قاله فيهم صاحب البيت، وهو رسول الله صلّى الله عليه وآله، النبيّ الصادق المعصوم، أمين الله وحُجّته على خَلْقه، الذي شأنه الحقّ والصدق والرفق، ورأيه علم، وحُكمه حتم.
وها نحن نُقبل على المصطفى صلّى الله عليه وآله نسأله عن سبطه الحسين بن عليّ وابن فاطمة سلام ربّنا عليهم، لنستمع إلى جوابه وهو المعبّر عن جواب الله تبارك وتعالى، إذ لا يصدر من رسول الله صلّى الله عليه وآله إلاّ ما يرتضيه الله، حيث لا ينطق عن الهوى. فماذا يُجيبُنا حبيبُ الله في الإمام الحسين عليه السّلام ؟
منزلة الحسين عليه السّلام ومقامه
• بإسنادٍ طويل ينتهي إلى عبدالرحمان بن سابط، روى الخوارزميّ عنه أنّه قال: كنت مع جابر الأنصاريّ فدخل الحسين بن عليّ، فقال جابر: مَن سرّه أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنّة، فلْينظُرْ إلى هذا.. فأشهَدُ لسمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله يقوله.
• وكتب محمّد الصبّان: روى ابن حبّان وابن سعد وأبو يعلى وابن عساكر، عن جابر بن عبدالله الأنصاريّ قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: مَن سرّه أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنّة ـ وفي لفظ: سيّد شباب أهل الجنّة ـ فلْينظُر إلى الحسين بن عليّ.
• وأخبر الحاكم النيسابوريّ في كتابه ( معرفة علوم الحديث ) بسندٍ ينتهي إلى أبي هريرة حيث قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يأخذ بيد الحسين بن عليّ فيرفعه على باطن قدمَيه، فيقول: حَزِقّه حَزِقّه، تَرقَّ عينَ بقّه. اللهمّ إنّي أُحبّه، فأحبَّه، وأحبَّ مَن يُحبّه.
• وعن أبي هريرة أيضاً رُوي أنّه قال: سمِعتْ أُذُناي رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وهو آخذ بكفَّيِ الحسين وقدماه على قدمَي رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو يقول: ترقَّ عين بقّة. فرقى الغلام حتّى وضع قدميه على صدر رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: افتح فاك.. ثمّ قبّله ثمّ قال: اللهمّ إنّي أُحبُّه، فأحبَّه.
• وروى الحافظ الطبرانيّ في ( المعجم الكبير ) بسندٍ آخِره: عن عليٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله للحسين بن عليّ: مَن أحبَ هذا، فقد أحبّني.
• وفي ( مشارق الأنوار ) روى الصغّانيّ عن أبي هريرة قولَه: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله يمتصّ لُعابَ الحسين، كما يمتصّ الرجل التمرة.
• وفيما روى جابر الأنصاريّ قال: كنّا مع النبيّ صلّى الله عليه وآله ومعه الحسين بن عليّ، فطلب له النبيُّ ماءً فلم يجده، فأعطاه لسانه فمصَّه حتّى رُوي.
• وروى سبط ابن الجوزيّ عن ابن عباس: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يحبّ الحسينَ ويحمله على كتفَيه، ويقبّل شفتَيه وثناياه، قال: ودخل عليه يوماً جبرئيل وهو يقبّله، قال: أتُحبّه ؟ قال صلّى الله عليه وآله: نعم. قال: إنّ أُمّتك ستقتله!
• وفي ( غاية السَّؤول ) للحنبليّ.. روى بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: كنتُ عند النبيّ صلّى الله عليه وآله وعلى فَخِذه الأيمن الحسين، وعلى فخذه الأيسر ابنُه إبراهيم، وهو يقبّل هذا تارةً وذاك أُخرى.. إذ هبط جبرئيل عليه السّلام فقال: يا محمّد، إنّ الله يقرأ عليك السلامَ وهو يقول: لستُ أجمعُهما لك، فافْدِ أحدَهما لصاحبه.
فنظر النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى ابنه إبراهيم فبكى، فنظر إلى الحسين وبكى، ثمّ قال: إنّ إبراهيم، إنّه إذا مات لم يحزن عليه غيري، وأمّ الحسين فاطمة وأبوه عليّ بن أبي طالب وابن عمّي ولحمي ودمي، ومتى مات حزنت عليه ابنتي وحزن ابن عمّي وحزنتُ أنا، أُؤثر حزني على حزنهما. فقُبض إبراهيم بعد ثلاث، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله إذا رأى الحسينَ مُقْبِلاً قبّله وضمّه إلى صدره وشفّ ثناياه وقال: فديتُه مَن فديتُه بابني إبراهيم.
فإذا كان الحسين سلام الله عليه على هذه المنزلة عند رسول الله صلّى الله عليه وآله، وهو سيّد الأوّلين والآخرين.. فما سيكون مآل قاتل الحسين عليه السّلام، وكيف سيكون عذابه ؟!
قاتل الحسين عليه السّلام
• روى الحافظ أبو بكر البغدادي الخطيب في ( تاريخ بغداد ) هذا الخبر مسنداً عن الصحابيّ جابر بن عبدالله الأنصاريّ، أنّه قال: رأيت رسول الله.. وهو يقول ( للحسين عليه السّلام ): لعَنَ اللهُ قاتلَك. قال جابر: فقلت: يا رسول الله، ومَن قاتلُه ؟! قال: رجلٌ مِن أُمّتي، يبغض عترتي، لا تنالُه شفاعتي! كأنّي بنفسه بين أطباق النيران.. يرسب تارةً ويطفو أخرى..
• وروى المتّقي الهنديّ في ( منتخب كنز العمّال ـ طبعة الميمنيّة ) قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: يزيد! لا بارك الله في يزيد الطعّان اللعّان، أمَا إنّه نُعيَ إليّ حبيبي.. حسين، أُتيتُ بتربته ورأيت قاتلَه، أما إنّه لا يُقتَل بين ظهرانَي قومٍ فلا ينصرونه إلاّ عمّهمُ الله بعقاب!
• وذكر المحدّث الحافظ محمّد خان بن رستم خان المعتمد البدخشيّ، عن الطبرانيّ، عن مُعاذ بن جبل، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: يزيد، لا بارك الله في يزيد! نُعيَ إليّ الحسين وأُتيتُ بتربته وأُخبِرتُ بقاتله. والذي نفسي بيده، لا يُقتَل بين ظهراني قومٍ لا يمنعوه إلاّ خالف اللهُ بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم وألبسَهم شِيَعاً!.
• وروى الحافظ السيوطيّ، بسندٍ ينتهي إلى شرحبيل بن شفعة، عن طلحة أنّه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول:
إنّ موسى بن عمران سأل ربَّه قال: يا ربّ، إنّ أخي هارون مات فاغفر له. فأوحى الله إليه: يا موسى، لو سألتَني في الأوّلين والآخِرين لأجبتُك، ما خلا قاتلَ الحسينِ بنِ عليّ بن أبي طالب، فإنّي أنتقم له منه.
• وحدّث الخوارزميّ في ( مقتل الحسين عليه السّلام 87:2 ـ طبعة الغريّ ) بسندٍ ينتهي إلى ابن الهيعة الذي قال: كنت أطوف بالبيت.. إذا أنا برجلٍ يقول: اللهمّ اغفرْ لي، وما أراك فاعلا! فقلت له: يا عبدالله، اتّقِ الله.. لا تقلْ مِثْلَ هذا؛ فإنّ ذنوبك لو كانت مِثْلَ قطر الأمطار وورقِ الأشجار، واستغفرتَ اللهَ غفرها لك؛ فإنّه غفورٌ رحيم، فقال لي: تعالَ حتّى أُخبرك بقصّتي. فأتيتُه فقال:
إعلمْ أنّا كنّا خمسين نفراً حين قُتل الحسين بن عليّ وسُلِّم إلينا رأسُه لنحملَه إلى يزيد بالشام، فكنّا إذا أمسينا نزلنا وادياً ووضَعنا الرأسَ في تابوت وشرِبنا الخمور حوالَيِ التابوت إلى الصباح، فشرب أصحابي ليلةً حتّى سكروا، ولم أشرب معهم.. فلمّا جنّ الليل سمعت رعداً وبرقاً، وإذا أبواب السماء قد فُتحت، فنزل آدم ونوح وإبراهيم وإسحاق وإسماعيل ونبيُّنا محمّد، ومعهم جبرئيل وخَلْق من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت فأخرج الرأس وقبّله وضمّه، ثمّ فعلَ الأنبياء كذلك، ثمّ بكى النبيّ محمّدٌ على رأس الحسين، فعزّاه الأنبياء وقال له جبرئيلٍ: يا محمّد، إنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن أُطيعك في أُمّتك، فإن أمرتَني زلزلت بهم الأرضَ وجعلتُ عاليَها سافلَها، كما فعلتُ بقوم لوط، فقال النبيّ: لا يا جبرئيل؛ فإنّ لهم معي موقفاً بين يدَي الله عزّوجلّ يوم القيامة.
قال: ثمّ صلَّوا عليه.. ثمّ أتى قوم من الملائكة فقالوا: إنّ الله تعالى أمرنا بقتل الخمسين، فقال لهم النبيّ: شأنكم بهم. قال: فجعلوا يضربونهم بالحربات، وقصدني واحد منهم بحربته ليضربني فصحتُ: الأمانَ الأمانَ يا رسول الله، فقال لي: إذهبْ فلا غفر الله لك! قال: فلمّا أصبحتُ رأيتُ أصحابي جاثمينَ رمادا !!
• ثمّ ماذا عن قاتل الإمام الحسين حبيبِ رسول الله صلّى الله عليه وآله ؟
كتب الخوارزميّ: أخبرنا الشيخ الثقة العدل الحافظ أبو بكر محمّد بن عبدالله الزاغونيّ بمدينة السّلام منصرفي عن السفرة الحجازيّة، أخبرنا الشيخ أبو الحسن محمّد بن إسحاق بن الساهوجيّ، أخبرنا الحسين بن الحسن بن عليّ بن بندار، أخبرنا أبو بكر محمّد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان البزّاز، أخبرنا أبو القاسم عبدالله بن أحمد ببغداد في باب المحول، حدّثني أبي أحمدُ بن عامر الطائيّ، حدّثني أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا، حدّثني أبي موسى بنُ جعفر، حدّثني أبي جعفرُ بن محمّد، حدّثني أبي محمّد بن عليّ، حدّثني أبي عليُّ بن الحسين، حدّثني أبي الحسينُ بن عليّ، حدّثني أبي عليُّ بن أبي طالب عليهم السّلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ قاتل الحسين في تابوتٍ من نار، عليه نصفُ عذاب أهل النار! وقد شُدّ يداه ورجلاه بسلاسل من نار، يُنَكّس في النار.. حتّى يقع في قعر جهنّم، وله ريحٌ يتعوّذ أهل النار إلى ربّهم عزّوجلّ من شدّة نتنها! وهو فيها خالدٌ ذائقُ العذاب الأليم، كلّما نضجت جلودهم تُبدَّل عليهم الجلود؛ ليذوقوا ذلك العذب الأليم.
الشكوى والاحتكام إلى الله تعالى
• روى الموفّق الخوارزميّ.. عن ابن عبّاس قال: حضرتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله عند وفاته وهو يجود بنفسه وقد ضمَّ الحسينَ إلى صدره وهو يقول: هذا من أطائب أُرومتي، وأبرارِ عترتي، وخيارِ ذريّتي، لا بارك الله فيمن لم يَحفظْه بعدي.
قال ابن عبّاس: ثمّ أُغميَ على رسول الله ساعة، ثمّ أفاق فقال: يا حسين، إنّ لي ولقاتلك يوم القيامة مقاماً بين يدي ربّي وخصومة، وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصماً لمَن قاتلك يوم القيامة يا بُنيّ.
• وفي خبرٍ يتّصل سنده بالسلسلة الذهبيّة، عن الإمام الرضا عليه السّلام يتسلسل إلى الإمام عليّ عليه السّلام حيث قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: تُحشَر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثيابٌ مصبوغة بالدَّم! فتتعلّق بقائمةٍ من قوائم العرش فتقول: يا عدل، احكُمْ بيني وبين قاتل وَلَدي.
قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: فيحكم لابنتي وربِّ الكعبة.
• وروى الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ بالسند نفسه، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال:
إذا كان يومُ القيامة نادى مُنادٍ مِن بطنان العرش: يا أهل القيامة، أغمِضُوا أبصارَكم لتجوزَ فاطمة بنت محمّد.. مع قميصٍ مخضوبٍ بدم الحسين! فتحتوي على ساق العرش فتقول: أنت الجبّارُ العدل، إقضِ بيني وبين مَن قتلَ وَلَدي. فيقضي الله لبِنْتي وربِّ الكعبة. ثمّ تقول: اللهمّ اشفعْني فيمَن بكى على مصيبته. فيشفّعها الله فيهم.
اللهمّ اجعلنا من الباكين على مصيبة سيّد الشهداء
واجعلنا من أهل الولاية والوفاء
واكتُبْنا في شفعاء سيّدة النساء فاطمة الزهراء.
تحياتي للجمييييييييييييييييع