السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
أ.د. ابراهيم اسماعيل كتبي
حال العمل في رمضان لا يسر، والدوام دائما في خبر كان، ويبدو ان هذه الحال تسر العاملين أو أكثرهم وهي خفيفة على قلوبهم وعيونهم الساهرة حتى الصباح كل ليلة من ليالي الشهر الكريم والنتيجة: لا عمل ينجز، ولا عاملين، وفي الدراسة لا استيعاب ولا تحصيل.. فالكل سهران مع أحوال الدنيا، والأسواق والمحلات حتى الثالثة صباحا، ومراكز التسوق على مدار 24 ساعة. هل رأيتم بلدا في العالم لا تفتح المكاتب عملها الا في العاشرة صباحا وما بعدها، وتبدل نظام النهار والليل حتى سرنا عكس سنن الحياة في قوله تعالى: (وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا) فلا أصبح ليلنا لباسا ولا نهارنا معاشا كما يجب، وأظن في كل بلاد المسلمين لا يوجد ما نطبقه نحن في مسألة الدوام.. فالحياة هناك عادية.. بل هكذا كان مجتمعنا، الناس تشتغل وتكد في نهار رمضان ولم يكن لديهم مكيفات ولا حتى مراوح تجفف عرق التعب الجميل، وفي الليل يؤدون صلاة التراويح. من صادف ان زار بلادا مسلمة أخرى في رمضان لن يجد تغيرا يذكر في مسألة الدوام تحديدا، فمواعيد المدارس كما هي وان تأخرت فربما ساعة بالكثير.. أيضا في بلاد الغرب حيث الأقلية المسلمة جزء من تلك المجتمعات لا يجعلون لأنفسهم ما نسميه عندنا (دوام رمضان) وتجدهم على مكاتبهم وفي محلاتهم كبقية الأيام. وهنا أحصر المسألة في الدوام بعيدا عن تفريعات اختلقناها بعادات حياتية مستجدة في مظاهر الطعام والشراب، والتناقض لدى الكثيرين في أجواء الصيام نهارا والترف والسهر ليلا. المشكلة تبدو واضحة في أمرين محددين: المدارس.. وجهات العمل من مصالح حكومية نهارا، والمؤسسات الخاصة التي يمتد دوامها الليلي إلى ما بعد الواحدة.. ولنأخذ الحالة الأولى وهي الدوام التعليمي في المدارس والجامعات ونحسبها معا: القائمون على التعليم (التدريس) هم من (الربع) ومعظمهم ومعظمهن يقضون ليل رمضان كغيرهم، والدارسون أطفالا وشبابا وبناتا في نفس الدائرة التي لا تنتهى من السهر، لان البيت سهران مع أجواء يراها مناسبة له (مع الخيل يا شقرا). لا شك ان الدنيا تغيرت والفضائيات قلبت المعايير وضبطت الساعة البيولوجية للناس على نظام آخر، والمؤسف انه وسط هذا التنوع من برامج السهر والدردشات والمشاهدات قليلا ما تجد ارتباطا بين الطالب وكتابه، وبالكاد يؤدي واجباته، لان النفس مشدودة لمشاركة بقية الأسرة جلساتها والتمتع بما جعلناه عادة. وعندما يكون هذا حال المعلمين والطلاب والطالبات فلا يعني الا ضعف تركيز في الحصة وضعفا في الجهد وضعفا في التحصيل والمحصلة سلبية قياسا بما يجب، أضف إليه الاقرار الداخلي بقناعة خاطئة بعدم التركيز في نهار رمضان. نأتي إلى موضوع العمل وما إدراك ما العمل في نهار رمضان.. وهي حكاية ونكرر الحديث عنها في مثل هذه الأيام من كل عام: دوام يبدأ من العاشرة، هكذا هو الموعد الرسمي، أما الحضور الفعلي فحدث ولا حرج عن الفوضى، فالكثيرون لديهم أبناء في المدارس وتتقارب مواعيدها مع مواعيد العمل، والبداية تكون بالتوصيل للمدارس، وما يحدث من ازدحام مروري في الصباح (غير الباكر) أيام رمضان، فلا تكفى نصف ساعة للتوصيل للمدارس، ثم العودة مباشرة إلى العمل، ناهيك عن ان الجميع يغالبهم النوم، لانه لم ينم سوى ثلاث ساعات بالكثير بعد صلاة الفجر. أعود إلى (اللوحة السريالية) لدوام الموظفين، عادة تأخير ساعة عن الدوام، وبعد مثلها يبدأ الاستعداد لصلاة الظهر وتأخذ المسألة نصف ساعة، وبالكاد يمضى وقت غير طويل تحل مواعيد العودة من المدارس، ولا بد لأخينا ان ينهض إلى أبنائه أو زوجته إذا كانت تعمل، وخذ عند ساعة، إذن ماذا بقي من وقت للوظيفة وللمراجعين.. ساعتين أو ثلاث غير منتظمات. لا بد وان يسأل سائل: وما الحل؟! أقول يا إخوان: الحل بسيط في فكرته، شامل في تطبيقه، لكنه ليس مستحيلا، فقط لننظم العملية ونحسبها صح، ونعرف من أين نبدأ، لان الحل ليس لدى المدارس أو الجامعات فقط أو جهات العمل ولا عند الموظفين، وانما بنظام يجعل المجتمع كله في سياق واحد، ولا حل لذلك سوى استمرار الدوام في رمضان كما هو في غير رمضان، وعلى المتضرر النوم مبكرا.! السهر على شكله وبوضعه الحالى ليس من الدين في شيء، ولا يمت لصلة بالعبادة، فالتراويح على مدى ثلثي رمضان تنتهي في التاسعة والنصف تقريبا، ولو أمضى الفرد ساعتين مع أسرته وفي برنامجه الحياتي بعد ذلك، الا يكفي ذلك لينام في وقت مبكر نسبيا إذا ما وجد نفسه مضطرا للدوام المبكر كالمعتاد قبل رمضان وبعده، وإذا ما اختل النظام ليوم أو اثنين سيعود على ما اعتاد عليه كما هو الحال في كل الدنيا، والا فليس أمامنا الا انصاف الحلول أو الاستمرار في الواقع الحالى الذي يظلم التنمية واقتصاد الوطن والأجيال أيضا عندما نكرس هذا التراخي في العمل والفهم الخاطئ لمعاني العمل وموجبات العبادة التي عمل بها السلف الصالح والاسبقون في شهر الصوم والصبر والتقوى، حيث انتصرت الأمة ونشرت حضارتها عندما انتصرت على نفسها أولا وقدمت القدوة للعالم، فماذا بقي من ذلك.. للحديث بقية إن شاء الله
جريدة المدينة