وهناك بعض الحقائق الأساسية في هذا الموضوع : -
1- زيادة نسبة ظهور الأمراض الوراثية في الذرية الناتجة من العوامل الوراثية المتنحية من كلا الأبوين .. ليست معتمدة على زواج الأقارب في كل الأحوال ولكنها تعتمد أساسا على مدى انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي بين أفراد المجتمع ككل .
2- فإذا كان منتشرا بنسبة أكثر من 1 : 8 في المجتمع فإن زواج الأباعد لا يكون ضمانا لإنجاب أصحاء وراثيا .
نفهم من ذلك أن ظهور بعض الأمراض الوراثية في الذرية في المجتمعات التي تنتشر بين أفرادها العوامل الوراثية المرضية المتنحية انتشارا نحو 1 :8 تتساوى نسبة ظهورها في الذرية في زواج الأقارب وزواج الأباعد على سواء .
وهناك فرض آخر إذا كانت نسبة انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي في المجتمع أكثر من 12 % وكانت أسرة في هذا المجتمع نقية وراثيا في هذه الحالة فإن الزواج بين الأقارب في هذه الأسرة أفضل كثيرا وأكثر ضمانا من زواج الأباعد .
ومن أمثلة تلك الأمراض - مرض الأنيميا المنجلية :-
إذا كان العامل الوراثي المتنحي منحصرا في أفراد أسرة معينة أكثر مما هو في أفراد المجتمع من حولهم فإن زواج الأباعد يكون أفضل من زواج الأقارب .. أما إذا كان العكس هو الصحيح وكان أفراد الأسرة أنقياء وراثيا وأفراد المجتمع من حولهم ينتشر فيهم العامل الوراثي المتنحي ففي هذه الحالة يكون زواج الأقارب أكثر ضمانا وأمنا من زواج الأباعد فمثلا في بعض مناطق إيطاليا وصقلية يوجد العامل الوراثي المتنحي لمرض الأنيميا المنجلية منتشرا في أفراد المجتمع بنسبة تصل 10% والنسبة أعلى في مجتمعات أخرى مثل بعض مناطق كينيا حيث تصل النسبة إلى 40% في أفراد المجتمع فإذا افترضنا أن أسرة هاجرت إلي هناك وكان أفرادها أنقياء وراثيا من هذا العامل الوراثي .. أفلا يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد ؟ .
مثل آخر مرضى الفاقة البحرية .. ويوجد هذا المرض في منطقة كبيرة من العالم تمتد من جنوب شرق آسيا وغربا حتى جنوب أوروبا وتشمل كل جنوب شرق أسيا والهند والباكستان وإيران وأفغانستان وشمال الجزيرة العربية وكل حوض البحر الأبيض المتوسط .
وفى بعض مناطق إيطاليا قد تصل نسبة انتشار هذا العامل الوراثي المرضي المتنحي الى 20% فلو عاشت أسرة نقية وراثيا في هذا المجتمع فإن زواج الأقارب يكون أفضل من زواج الأباعد .
2- هناك من الأمراض الوراثية الناتجة من عاملين وراثيين متنحيين أيضا ويندر وجودهما في أي مجتمع .. في هذه الحالة فإن زواج الأقارب قد يسبب ذرية بها تلك الأمراض أكثر من زواج الأباعد فكلما كانت نسبة انتشار العامل الوراثي المرضى المتنحي قليلة في المجتمع كلما كان زواج الأقارب يسبب نسبة أعلى في تلك الأمراض الوراثية المحدودة والمعينة من زواج الأباعد .
3- إن ظهور الأمراض الوراثية المتسببة من جينات متنحية في زواج الأقارب ليست بالكثرة التي يظنها البعض فقد أظهرت الدراسات التي أجريت بالكويت أن ظهور تلك الأمراض الوراثية ذات الجينات المتنحية كان أقل متوقعا وفي القبائل العربية التي يتحتم فيها أن يتزوج الرجل من ابنة عمه لم تظهر في تلك القبائل نسبة غير عادية من المعوقين أو المرضي .
4- كثير من الأمراض الوراثية تنتقل بعامل وراثي سائد واحد من الأب أو الأم فهي تحدث في زواج الأقارب والأباعد على سواء ومن أمثلة هذه الأمراض .
نقص التعظيم الغضروفي
مرض الحويصلات المتعددة بالكلية
مرض زيادة الحديد بالدم
مرض عدم اكتمال التكون العظمي
التليف ذو الحدبات
تناذر ديوبين جونسون
مرض ضمور عضلات الوجه والكتفين
مرض جيلبرت
أمراض الدم الوراثية
كوريا هند نجكتون أوداء الرقص
تناذر مارفان
مرض التوتر العضلي الخلقي
داء الأورام العصبية اليفية
داء الغرفيرين الحاد المتقطع
5- وهناك أمراض وراثية ليس لها علاقة بزواج الأقارب مثلا الأمراض الناتجة من اختلاف عامل روسوس بين الزوجين والطفل المغولي ومرض تيرنر ومرض كلا ينفلتر وأمراض أخرى .
6- وهناك أمراض وراثية مثل مرض النزف الدموي ( الهيموفيليا ) ومرض عمى الألوان هي أمراض وراثية تحدث في الذرية ومرتبطة بالجنس بمعنى أن الأم سواء كانت قريبة للزوج أو غير قريبة -لا فرق تحمل المرض ولكنها لا تعاني منه وتنقله الى اولادها الذكور فيظهر عليهم المرض أما بناته فيحملن المرض ولا يظهر عليهن وهذه الامراض ايضا ممكن الوقاية منها بالتخير الوراثي ونعنى به الاستشارة الوراثية قبل الزواج وتوجد مجموعة من الامراض التي تظهر نتيجة تجمع مجموعة من العوامل الوراثية ويطلق على هذه المجموعة اسم الامراض المتعددة الأسباب مثل مرض السكر وارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة وتصلب الشرايين .. الخ .
6- وترتفع نسبة ظهور هذه الامراض فى الذرية الناتجة من زواج الأقارب المرضى بهذه الامراض على نسبتها في زواج الاباعد غير المرضى بها فاذا كان بالأسرة مرض وراثي ما ناتج من جينات متنحية فلا يفضل زواج الأقارب على زواج الأباعد في هذه الحالات أكثر أمنا .
7- لا يجوز أن ننسى أن زواج الأقارب له جوانب إيجابية :
أ - اذا كان بالأسرة عوامل وراثية مرغوبة ليست في غيرها من الأسر مثل صفات الجمال والذكاء والقوة .. أو طول العمر وغيرها ، حينئذ يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد شريطة ألا يستمر الزواج بين الأقارب جيلا حتى لا تتحول الأسر إلى مجتمعات صغيرة مغلقة وهو ماثبت وراثيا أنه مضر .
وهكذا تتساوى الاحتمالات فى زواج الأقارب والأباعد في هذه الحالات وسواء كان هذا أو ذاك فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتخير إذ قال " تخيروا لنطفكم " والتخير في عصرنا الحاضر أساسه الاستشارة الوراثية ، فمن الممكن الاحتفاظ بالجينات الصحية الممتازة بين أفراد العائلة لجيل أو اثنين أم اذا استمر زواج الأقارب لا جيال متعاقبة فإنه لا يمكن تجنب الامراض التي قد تحدث نتيجة العوامل المتعددة كما لا يمكن تجنب تواجد الجينات المتنحية المميتة مما يؤدى الى وفاة بعض الأبناء .
ب - الجانب الإيجابي الأخر فى زواج الأقارب هو عدم التضحية بجيل من أجل جيل آخر ولشرح هذه النقطة نفترض أن في مجتمع ما صار الزواج بين أقرباء فقط فى هذه الحالة نجد أن نسبة تواجد الجينات المرضية في هذا المجتمع ستزداد في ذرية هذا الجيل نتيجة عدم التخلص من هذه الجينات المرضية اذ أن التقاءها في حالة مزدوجة أم نادر الحدوث والنتيجة أنه بمرور الأجيال سترتفع نسبة تواجد هذه الجينات المرضية في المجتمع وهذا يودي إلى زيادة مطرودة في ظهور الامراض الوراثية المحكومة بهذه الجينات في الأجيال القادمة مثل مرض تليف البنكرياس نخرج من هذا بنتيجة هامة وهي أن زواج الأقارب قد يضحي بالجيل الحاضر من أجل الأجيال القادمة ,ان زواج الأباعد قد يضحى بالأجيال القادمة من أجل الجيل الحاضر وهكذا نجد في النهاية حتى فى الامراض المحكومة بجينات متنحية لا تفضيل لزواج الأقارب على زواج الأباعد ولا لزواج الأباعد على زواج الأقارب .
قصص حول هذا الموضوع:
-تقول سهى جبر طالبة في احدى الجامعات، امي هي ابنة خال والدي ولله الحمد لم تحدث اي مشاكل صحية لي او لاخوتي من جراء هذه القرابة، لكن المشكلة بدأت عندما تزوجت اختي بابن عمتي دون اجراء اي فحوصات للتأكد من سلامة هذا الزواج المتشابك فكتب عليها ان ترزق بطفل (منغولي) ومع ان المعاناة كبيرة الا انها صابرة ومحتسبة فهو قضاء الله.
- تحكي (س.ع) موظفة عن مأساتها فتقول، ارتبطت انا واحد زملائي في الجامعة بعلاقة امتدت طوال سنوات الدراسة وعندما تقدم لخطبتي واجهه اهلي بالرفض لاعتبارات اجتماعية ورغبة منهم بتزويجي لاحد اقاربي وبعد محاولات متواصلة تمت الموافقة على مضض فلم تسعنا الفرحة الى ان اقترح علينا احد الاصدقاء ان نجري الفحوصات الروتينية التي تسبق الزواج وكانت النتيجة سلبية تؤكد وجود خطر على اطفالنا في المستقبل ووجدنا انفسنا امام اصعب قرار في حياتنا اما المخاطرة والدخول في سلسلة المعاناة او التفكير بواقعية والانفصال واخترنا الحل الثاني فلا يحق لنا ان نسعد بحبنا ونشقي اطفالنا ونحن مثقفون وواعون للخطورة.
- وعلق المواطن صالح محمد قائلا : جهلنا جعلنا ندمر حياة ابنائنا وكنت حاملا لمرض تكسر الدم الوراثي وزوجتي كانت حاملة ايضا ولم نعلم عن انفسنا اننا حاملين الا عندما انجبنا اولادا مصابين بالمرض اللعين ولدي ثلاثة اولاد يعانون من مرض تكسر الدم الوراثي ويتعين عليهم نقل دم شهريا وحقيقة انا متعب جدا معهم نفسيا حيث أتألم لألم اولادي حيث انهم لم ينعموا بحيوية الحياة كبقية الاطفال كذلك انا موظف وكل فترة استأذن من عملي لكي آخذهم لمستشفى ليتم نقل الدم.. ونصيحتي لاخواني المقبلين على الزواج ان يقوموا بالفحص الطبي قبل الزواج لكي يبتعدوا عن المآسي ولندع خزعبلات العادات جانبا فابناؤنا اهم من كل شيء واناشد الجهات المسؤولة للتدخل بتطبيق قرار الفحص على جميع راغبي الزواج بصفة رسمية وعدم توثيق عقد القران الا بعد الحصول على تقرير طبي حماية للطفولة في بلادي.
- وتحدث عبد الله محمد 25 عاما قائلا: انا مصاب بتكسر الدم المنجلي وعند تفكيري في الزواج لم اسمع نصيحة الاطباء بضرورة التأكد من سلامة زوجتي من المرض حتى نتحاشى انجاب اطفال مصابين بهذا المرض ولكن لم اعط هذا الموضوع اية اهمية بعد نصيحة احد زملائي بعدم التفكير في هذا الموضوع لا سيما ان والد الفتاة سيرفض طلبي هذا واستطرد قائلا بتحسر: ليتني لم اسمع النصيحة حيث تم زفاقي على احدى قريباتي وسارت الامور على خير ما يرام ولكن فوجئت اثناء حملها بتعرضها لالام مبرحة توقعت في البداية انها ربما كانت من آثار الحمل وكم كانت المفاجأة قاسية لي عندما ابلغني الطبيب المعالج بان زوجتي مصابة بتكسر الدم المنجلي وبعد معرفته باصابتي بنفس المرض لم يخف علي ان اطفالي سيحملون نفس المرض.. تحاملت على نفسي كثيرا وبعد ولادة زوجتي ومضى عامين اتضح لي مدى الخطأ الذي ارتكبته بحق نفسي وزوجتي وطفلي.واضطررت مكرها للطلاق خشية انجاب اطفال آخرين يشاركونني نفس المعاناة .
والذي ننتهى إليه ،أن التغريب في الزواج ممدوح ومحمود لا من باب الأحكام الشرعية ، بل من باب الحكمة الاجتماعية لتوسيع دائرة الآصرة الإنسانية ، أما من ناحية الأحكام الشرعية فالراجح أن الأصل في زواج الأقارب هو الاباحة ، وإن القول بالكراهية على الاطلاق غير صحيح ، الا اذا ظهر عرق دساس من الصفات المتنحية ، أو كانت الاسرة ضاوية في نسلها ، أو بها عيب وراثي ظاهر ،فلا بأس في التغريب بل هو الصواب. وهو مذهب الحنفية والمالكية .والله تعالى أعلم
*****************************