اللهم صل على محمد وال محمد
كثيرا هم أولياء الله الصالحين الذين سجلوا مواقفهم الخالدة اتجاه الدفاع عن الدين الإسلامي و الرسول الأعضم ( ص ) و أهل بيته ( ع ) من بعده فنالوا بذلك رضوان الله و الفوز بالجنة ، فمنهم من قضا نحبه شهيدا مدافعا في جبهات القتال و منهم من مات سجينا أو منفيا عن أهله و محبيه لعدم تغاطيه عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي وصا به الدين الحنيف المؤمنين لخدمة مجتمعاتهم الإسلامية فنالوا الشهادة و الفوز بالأخرة مع الصديقين و الأنبياء ، مصداقا لقول الأمام علي ( ع ) الجهاد على أربع شعب " الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و الصدق في المواطن ، و شنأن الفاسقين " .
و هذا القول الكريم ينطبق على أحد الرموز الإسلامية التي أنجبتها هذه الأرض الطيبة البحرين بلد العلم و العلماء و الدين الإسلامي الحنيف ، فهو مخضرم بين الجاهلية و الإسلام و من أخلص أصحاب علي ( ع ) و شهد مواقعه كلها ، كان مثالا للرسالى الصامد في وجه التحديات ، كان بليغ اللسان يمتاز بالفصاحة و حسن الخطابة واجه التحديات حتى أرغم على مغادرة دار سكناه ليعود مرة أخرى كي يكمل مسيرة الجهاد و العطاء ، فيكرس في أبناء وطنه الولاء الخالص لآل البيت ( ع ) حتى وفاته أنه الصحابي الجليل صعصعة بن صوحان العبدي ( رضي الله عنه ) …
مزار صعصعة بن صوحان في عسكر
مولده :
ولد صعصعة بن صوحان في ( دارين ) قرب القطيف سنة 24 قبل الهجرة الشريفة .
نسبه :
هو صعصعة بن صوحان بن الحارث بن الهجرس بن صبرة بن حدرجان بن عساس بن ليث بن حداد بن ظالم بن دحل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أقصي بن عبد القيس العبدي بن دعمي بن جديعة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان .
و آل صوحان من أسرة تنتمي إلى قبيلة ( عبد القيس ) من ( ربيعة ) التي عرفت بولائها الخالص لأمير المؤمنين ( ع ) ، أما رأس هذه الأسرة ( صوحان ) والد الصحابي الجليل صعصعة كان سيدا مطاعا في قومه ، و رئيسا نافذ القول فيهم كما قالت عنه عائشة أم المؤمنين ( رض ) أنه كان رأسا في الجاهلية و سيدا في الإسلام .
و لصعصعة إخوان كرام وهم : زيد و سيحان وقيل هو نفسه عبد الله ، أما زيد فكان من الأبدال وقد أستشهد مع أمير المؤمنين ( ع ) في موقعة الجمل عام ( 36 هجرية ) و أستشهد معه أخوه سيحان ( رض ) في نفس الواقعة مدافعين بذلك عن الإسلام و تحت لواء علي ( ع ) ، و قد وصف ( عقيل بن أبي طالب ) زيد و أخيه فقال فيهم : " و أما زيد و عبد الله فانهما نهران جاريان ، يصب فيهما الخلجان ، و يغاث بهما اللهفان ، رجلا جد لا لعب معه … … " .
ولاؤه الخالص لأمير المؤمنين ( ع ) :
جاء عن الإمام الصادق ( ع ) أنه قال ( وما كان مع أمير المؤمنين ( ع ) من يعرف حقه إلا صعصعة و أصحابه ) .
فقد شهد مع الإمام علي ( ع ) مواقعه كلها ، فقد جرح في الجمل ، و كانت له مناورات مشهورة بأحقية أمير المؤمنين (ع ) قال ( رض ) : في الإمام علي ( ع ) " كان فينا كأحدنا ، لين الجانب ، و شدة تواضع ، و سهولة قياد ، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف فوق رأسه " .
و وقف ( رض ) يوم بيعة الإمام علي ( ع ) يخاطبه " يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك و رفعتها وما رفعتك ، وهي إليك أحوج منك إليها " .
كما ذكر أبو الفرج الاصبهاني ( إن صعصعة بن صوحان أستأذن على علي ( ع ) وقد أتاه عائدا لما ضربه أبن ملجم ، فلم يكن عليه إذن ، فقال صعصعة للآذن : قل له يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا و ميتا ، فقد كان الله في صدرك عظيما ، و لقد كنت بذات الله عليما . فأبلغه الآذن ذلك فقال : و أنت يرحمك الله فقد كنت خفيف المؤونة ، كثير المعونة " .
رثائه للأمام علي ( ع ) :
لقد عرف عن صعصعة بحسن بلاغة و شعره و خطابة فكان أبن عباس حبر الأمة إذا ما أراد أن يستمع إلى البلاغة و الحكم و سداد الرأي وما عفا من أخبار العرب يجالس صعصعة و يسائله و يرتوي من فيض نبعه ، كما أختاره وفد المصريين لرئاسة جماعة منهم عند دخولهم على الخليفة عثمان لطلب الإصلاح ، و لصعصعة شعر جميل يرثي به الإمام علي ( ع ) فيقول :
هل خبر القبر سائليه أم قر عينا بزائريه
أم هل تراه أحاط علما بالجسد المستكين فيه
لو علم القبر من يواري تاه على كل من يليه
ياموت ماذا أردت مني حققت ما كنت أتقيه
ياموت لو تقبل افتداء لكنت بالروح افتديه
دهر رماني بفقد ألفي أذم دهري واشتكيه
وله في هجو معاوية فيقول :
تمنيك نفسك مالا يكون جهلا معاوية لا تأثم
وله في عتاب المنذر بن الجارود فيقول :
هلا سألت بني الجارود أي فتى عند الشفاعة و البان ابن صوحانا
كنا وكانوا كأم أرضعت ولدا عق ولم نجز بالاحسان إحسانا
لا تأمنن على سوء فتى دهرا يجزي المودة من ذي الود كفرانا
مع ولاة عصره :
عاش صعصعة فترة عظيمة من فترات التاريخ البشري و عاصر أناسا عظام نقشوا في ذاكرة التاريخ بخطوط عريضة زاهية لا تنمحي ، فقد عايش جزءا من حياة الرسول الأعظم ( ص ) و تربى في ظل دولته الكريمة و عاصر حياة الخلفاء الراشدين و عايش الأحداث المهمة و المؤلمة منها و المفرحة - البيعة - الردة - الفتوحات الإسلامية و انحدار المسلمين التدريجي من المجد الإيماني إلى بناء المجد الشخصي … ) ليرى صعصعة نفسه وجها لوجه يصطدم مع سلاطين الإسلام الذين حولوا الخلافة إلى ملك وراثي ، ليروا أمامهم عقبة وهو صعصعة الذي جرعهم الغصة تلو الآخرى و غزاهم في عقر دارهم وفي مقر حكمهم بأشد الكلام و أقساه . فعملوا له الغدر و يبيتون له و يتحينون له من الفرص حتى قال عنه معاوية لاصحابه ( هكذا فلتكن الرجال ) …
قالوا فيه :
لقد شهد الجميع لصعصعة بالفضائل من محبيه و أعدائه و مما قيل فيه :-
الخطيب الشحشح الإمام علي ( ع )
آنت مني و آنا منك عمر بن الخطاب
انك لسليل أقوام كرام خطباء فصحاء عبد الله ابن عباس
صعصعة عظيم الشأن قليل النظير عقيل بن أبي طالب
وددت والله أني من صلبه معاوية بن أبي سفيان
انه احضر الناس جوابا عبد الملك بن مروان
حسبك لعمري لقد أوتيت لسانا فصيحا المغيرة بن شعبة
نفيه :
( و الله لأجفينك عن الوساد ، و أشردن بك في البلاد ) بهذا القول الذي صدر عن معاوية و هو يهدد صعصعة لعدم تحمل السلطات الأموية وجوده بين ظهرانيهم ، فكان شوكة في جنوب الباغين ، وقذى في عيون الظالمين ، فأمر واليه على الكوفة ( المغيرة بن شعبة ) بإبعاده عن الكوفة باعتبارها معقلا لتحركه الجماهيري المعارض ، و نفيه إلى جزيرة ( أوال ) ، و هي جزيرة البحرين الحالية ،معلنا بداية رحلة بلاء جديدة زاده التقوى و سلاحه الإيمان ، و شعاره الإسلام ، وهدفه الإصلاح ، أنيسه الحق و رفيقه الصبر .
و الرحلة تطول وما تزيد هذا الصحابي الجليل الا صلابة وإباء ، واستعداد للفداء و الجسد معذب ، و النفس مستبشرة ، البدن متعب ، والروح مطمئنة ، خلاصة الجهاد نصر أو شهادة .
و أخيرا عاد السيف إلى قرابة ، فان ( أوال ) كانت موطن أسلافه فلا غرور أن وطد فيها دعائم الولاء لآل البيت ( ع ) ، حتى استوى على سوقه ، وآتى أكله يانعا بإذن ربه .
وفاته و مقامه :
توفي الصحابي الجليل صعصعة بن صوحان ( رض ) في جزيرة أوال بعد نفيه إليها سنة 56 هجرية ، وقيل سنة 60 هجرية وله من العمر سبعين سنة ، ودفن في قرية ( عسكر ) الواقعة جنوب جزيرة المنامة العاصمة في البحرين ، و يقع بها ضريح صعصعة و مسجده المسمى بأسمه على ساحل البحر و كانت تعلوه قبة ثم تهدمت ولم يعاد بنائها من جديد ، وبناء المسجد عامة قديم و هو مزار مشهور لدى عامة الناس و يأمه الزائرون من كل مكان في البحرين باختلاف طوائفهم في العطل وفي المناسبات .
و في جنوب قبر صعصعة قبرين أحدهما ( للشيخ محمدالجوي ) من صلحاء قرية جو ودفن هناك بوصية منه ، و الثاني لأحد الصلحاء و يدعى الحاج محمد بن درباس و القبرين موجودين في المسجد المحيط بقبر صعصعة و خارج المصلى يوجد أماكن لجلوس الزائرين لقضاء يومهم فيه .
كما يوجد لصعصعة مسجد مسمى بأسمه في الكوفة و أخر لأخيه زيد ولكن لا يحتويان على قبريهما ، و لمسجد صعصعة في الكوفة أعمال مذكورة في كتب الأدعية كما ذكروا أن له فضائل و كرامات يتناقلها الخلف عن السلف .
القصة التاريخية
إنه من خيار أصحاب رسول الله (ص) والإمام علي (ع) . وهو أحد المبشرين بالجنة من قبل الرسول الأعظم (ص) . وعرف عنه (رض) بولائه الخالص للإمام علي (ع) وثباته في الدفاع عن الحق .
لقد كان زيد بن صوحان من الذين ادركوا عهد النبوة وصاحبوا النبي (ص) وكانت له مواقف مشرفة . كان رسول الله (ص) في سفر فنزل رجل من القوم فساق بهم ورجز ثم نزل آخر ، ثم بدا لرسول الله (ص) ان يواسي أصحابه فنزل فجعل يقول : جندب وما جندب والأقطع الخير زيد .ثم ركب فدنا منه أصحابه فقالوا : يا رسول الله سمعناك الليلة تقول : جندب وما جندب والأقطع الخير زيد . فقال (ص) : " رجلان يكونان في هذه الأمة يضرب أحدهما ضربة تغرق بين الحق والباطل والآخر تقطع يده في سبيل الله ثم يتبع الله آخر جسده بأوله " فقطعت يد زيد يوم جلولاء _ وهو اسم نهر وبه كانت الواقعة المشهورة للمسلمين على الفرس _ وقتل يوم الجمل .
استشهد زيد (رض) في معركة الجمل وهو يساند الحق ، وقد تحققت في ذلك نبوءة النبي (ص) فيه إذ قطعت يده في واقعة جلولاء ولحق جسده بيده يوم الجمل . وكان رحمه الله حامل راية الجهاد وكان إخوانه ممن يتهافت لنصرة امير المؤمنين (ع) فلما ضرب عمرو بن يثري الظبي زيدا وسقط صريعا سارع اخوه صعصعة وحمل عنه الراية . اما امير المؤمنين (ع) فقد جاءه وجلس عنج راسه يؤبنه قائلا : رحمك الله يا زيد كنت خفيف المؤنة عظيم المعونة فرفع زيد رأسه وهو يقول : و أنت فجزاك الله خير الجزاء يا أمير المؤمنين فوالله ما علمت الا بالله عليما وفي أم الكتاب عليا حكيما وأن الله في صدرك لعظيم . والله ما قاتلت معك على جهالة ولكني سمعت أم سلمة زوج النبي (ص) تقول : وانصر من نصره واخذل من خذله فكرهت والله أن أخذلك فيخذلني الله.
اللهم ثبتنا على ولاية امير المؤمنين
علي
علية السلام
نسألكم الدعاء