العودة   منتديات الطرف > الواحات الأدبية > ~//| مطويات القصص والروايات |\\~




إضافة رد
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 01-07-2007, 04:37 PM   رقم المشاركة : 1
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي جنون خالد

هي قصة منقوله بس فعلا رووعه واتمنى انها تعجبكم ..

اخليكم مع القصة ..


تسرع بي السيارة تحملني إلى حياة جديدة .. إلى مسكن جديد ..بعدما طردتني كرامتي من منزل زوجي .. أو إذ صح التعبير " طليقي "..كنا سعيدين جداً .. و لكن اقتحام تلك الفتاة حياتنا هو ما جعلني أرفض هذه الحياة ..أرفض أن أعيش مع فتاة فضلها زوجي علي .. فقط لأنها تجنب الأطفال و أنا لا ..قال لي أنه سيتزوجها .. و أنا لم أعارض .. بل قلت له :" طلقني "و بكل سرور رحب هو بالفكرة و طلقني على الفور .. خان حبي له .. حطمني حقاً .. فحملت حاجاتي و ها أنا أنطلق لأشارك أخي بيته .. الذي يضم أخوتنا الصغار و أبنائه و زوجته .. كنت مشتاقة لرؤيتهم .. و لكن الآهات خنقتني لدرجة أنني نسيت أنني سأذهب لأعيش مع أسرةٍ اشتقت أن أراها منذ زمن بعيد ..هتف بي السائق :" ها قد وصلنا " وصلنا ؟!! انتابني شعور بالشوق إلى رؤيتهم .. انتابني الحماس .. نسيت طليقي و زوجته الجديدة.. بل خرجت من السيارة و وقفت أمام ذلك البيت الأصفر .. الذي من حوله تتعانق الأشجار .. و تغني الزهور و الأطيار ..حمل السائق الحقائب و مشى نحو البيت .. وجدت نفسي أركض بفرح نحو البيت .. ركضت في أرجاء هذه الحديقة التي تفتح النفس من عطرها .. ثم وقفت أمام باب البيت .. مددت يدي لأقرع الجرس .. و خلفي ترك السائق الحقائب و انصرف ..ضغطت ذلك الزر بجنون .. أريدهم أن يخرجوا جميعاً لملاقاتي .. أريد أن أراهم جميعهم .. فُتح الباب و ظهرت خادمة .. أهذا ما كنت أتحمس لرؤيته ؟!! ركضت إلى الداخل .. صرخت :" عــــــــادل ..!! أنا ذكرى يا عادل .. ها قد عدت "فتحت عيني لأرى أخي واقفاً أمامي .. بدا سميناً .. و بعض الشعيرات البيضاء غزت شعره الأسود .. بجانبه وقفت غيداء .. زوجته اللطيفة ..
و ها هم أخوتي الصغار الأربعة يتدافعون نحوي .. فرحت كثيراً لرؤيتهم .. هتفت و عيناي تفيض بالدموع :" الحياة بين الأحبة رائعة حقاً "
انطلقت نحوي غيداء و طوقتني بفرح :" كم اشتقنا لرؤيتكِ عزيزتي "
" و أنا اشتقت لرؤيتكِ أيضاً "
و خاطبت الصغار و أنا أحضنهم واحداً تلو الآخر :" أحبائي .. لقد تغيرتم .. "
لم يبد عليهم الفرح .. يبدو أنهم لا يذكروني .. و لكنهم سيذكرون أختهم التي كانت تلعب معهم دائماً حتماً ..غيداء كانت تمسك بفتى.. يبدو أنه ابنها .. اقتربت أنا من الطفل ..
كان مرتباً للغاية ..ملابسه مرتبة و نظيفة و شعره مرتب .. كان مؤدباً ..
مسحت على شعر الطفل و خاطبت غيداء :" أهذا هو ابنكِ خالد ؟!! "
أجابتني :" لا أنه وائل .. خالد أكبر منه "
سألتها :" كم عمر كل منهما الآن ؟!! "
" خالد عمره عشر سنوات .. أما وائل فعمره سبع سنوات "
ابتسمت في وجهها :" متى ستنجبين طفلة ؟!! "
قالت :" لا أفكر في الإنجاب مجدداً .. لأن جسدي لا يتحمل الحمل "
دُهشت .. نظرت إلى عادل الذي نكس رأسه و عدت أنظر إلى غيداء صارخة بها :" ماذا ؟!! "
" نعم هذا صحيح .. فلا تندهشي يا ذكرى "
حمل عادل الحقائب و قال مغيراً الموضوع:" فلتجلسوا في الصالة "
سحبتني غيداء إلى الصالة و جلسنا هناك ..حيث خاطبتني :"أتعملين آخر أخبار أخيك مازن ؟!! "
" ما هي أخباره ؟!! "
" قرر أن يعيش في منطقة أخرى مع زوجته .. "
قلت باستغراب :" لماذا ؟!!!"
" يقول أنه يريد أن يعيش في منطقة تجمع بينه و بين أصدقاءه "
" أيفضل أصدقاءه على أخوته ؟!! "
" هذا ما قاله .. و قال أنه يريدك أن تتصلي به بين الحين و الآخر "
قلت مستغربة :" أنا ؟!! .. و منذ متى كان يطيق مازن سماع صوتي "
" لا ليس لهذه الدرجة .. كان دائم السؤال عنكِ عندما كنت في منزل زوجكِ ... "
ثم بترت جملتها .. و ربما أحست أنها فتحت جرحاً كان على وشك الالتئام.. نكست أنا رأسي .. حيث مدت هي يدها و أخذت تطبطب على كتفي :" أنا آسفة "
لحظة .. لمَ أنا الآن حزينة ؟!! ألأجل ذلك الخائن ؟!! يجب أن أفرح .. لأني سأعيش في بيت يستقبلني فيه الجميع .. فيه جميع أحبتي .. بالرغم أنني لم أراهم منذ خمس سنوات..
و لم يكن يصل بيننا سوى الهاتف .. رفعت رأسي باسمة :" غيداء .. مروان لم يعد يهمني "
ابتسمت غيداء .. و ابتسمت أنا ..
وضعت الخادمة أمامنا صينية لأكواب العصير .. و ها هو عادل يجلس على أحد المقاعد و يجلس ابنه وائل في حضنه .. ثم خاطبني بابتسامة :" ذكرى .. تبدين رائعة .. "ابتسمت خجلة .. أتذكر أن أخي عادل كان يدعوني بـ " الأفرنجينية ".. كان يعجب بقتمة سواد شعري و نعومته .. و معجب بلون عيني الواسعتان الخضراوات .. و معجب ببياض بشرتي ..أنا لازلت صغيرة في السن ..فعمري لا يتجاوز الخامسة و العشرين.. و لكن مروان تزوجني .. و كنت أعتقد أنني سأهنأ بالعيش معه .. و لكنه شيئاً فشيئاً أخذ يتجاهلني .. و راح يبحث عن زوجة جديدة تنجب عيالاً ..
تساءل الفتى وائل :" من هذه الفتاة .. أبي ؟!! " كان يقصدني ..
ابتسم عادل في وجه ابنه :" أنها عمتك ذكرى .. أنها لطيفة جداً .. و تحبك جداً "
ابتسم الطفل في وجهي فابتسمت في وجهه ..
غيداء تحسن ترتيب منزلها .. و تحسن اختيار ملابس أطفالها و ملابسها ..
فأنا أرى أن منزلها مرتب و هي مرتبة و ابنها وائل مرتب جداً ..
رأيت أخوتي الأربعة يلعبون .. فنهضت لألعب معهم .. علّهم يذكروني ..
اقتربت منهم .. و نطقت :" مرحباً ............ "
فُتح باب المنزل الرئيسي بقوة فبترت جملتي لأرى من الذي يدخل البيت هكذا ..
دخل البيت طفل غريب الشكل .. شعره أشعث غير مرتب و قميصه متسخ و أزرته مفتوحة ..
و بنطاله مملوء بالأتربة .. ترى .. كيف يقتحم المتسولون المنازل هكذا ..
أخذت أحملق بالطفل ذاك.. الذي كان ينظر إلى أخوتي بنظرة غريبة ..
ركضت نحو غيداء بخوف و همست :" غيداء .. هناك طفل مريب دخل منزلك "
نهضت هي و اتجهت نحو الطفل .. ثم استدارت ضاحكة :
"أنه ابني خالد يا حمقاء.. أتخافين منه ؟!! " ابنها ؟!! لا أصدق ..
أمن المعقول أنها تهتم بمن في البيت كلهم حتى أخوتي .. و تهمل ابنها الأكبر ..
وقفت أتأمل الطفل .. الذي اقتربت منه أمه لتمسح الغبار الذي تراكم على شعره :
" خالد .. إلى أي مقبرة تذهب ؟!! لماذا ترجع المنزل و أنت متسخ هكذا "

أخذ الطفل ينظر إلى أمه نظرة غريبة جداً.. ثم مشى نحو الدرج .. ثم صعد الدرجات و دخل غرفته ..
لاحظت غيداء كيف كنت أراقب طفلها .. فحادثتني :
" ما بكِ يا ذكرى .. أهناك شيء غير طبيعي في خالد ؟!!"
كنت سأقول هناك أشياء كثيرة .. نظرته لأخوتي و لأمه غير طبيعية ..
ثم .. كيف تهمل غيداء ابنها ؟!!! أظن أنها تحب الاثنان كثيراً ..
قلت باسمة :" لا .. لا شيء .. فقط لمَ ........... "
بترت جملتي و كأنها عرفت ما سأقوله :" أنه يخرج في الصباح نظيفاً نشيطاً .. ثم يرجع في العصر متسخاً تعباً .. أظن أنه يلعب مع أصدقاءه "
بل يتعارك مع أصدقاءه ..
أخوتي نهضوا راكضين نحو الحديقة .. فلحق بهم وائل ..فضحكت أنا :" الأطفال رائعين "
ابتسمت غيداء .. ثم اتجهت نحو المطبخ و لحق بها زوجها .. فهتفت بي غيداء :
" يمكنك أن تتعرفي على أرجاء المنزل .. و تختاري غرفة لك "
مشيت أنا نحو تلك الغرف .. كنت أدخلها واحدة تلو الأخرى ..
جميعها مرتبة و نظيفة و رائعة .. صبغ جدرانها راقٍ .. أثاث الغرف مرتب و راقٍ ,,
كل شيء يشير إلى أن غيداء تملك ذوقاً رفيعاً ..
و بينما كنت أتفحص الغرف .. وجدت نفسي أقف أمام باب غرفة ذلك الطفل المسمى " خالد "..
ترددت كثيراً في دخول الغرفة .. رغم أن من يملكها طفل .. و يمكنني أن أدخل الغرفة و أتعرف عليه ..و لكن ينتابني شعور بالخوف كلما تذكرت مظهره عندما دخل المنزل ..
لحظة !! هل أنا مجنونة لكي أخاف من طفل ؟!!
بعد تفكير طويل .. فتحت الباب بهدوء .. طللت لأرى هذه الغرفة ..
يا إلهي .. أنها ليـــــــــست غرفـــة .. بل مقـبرة ..
الحاجات مرمية على الأرض .. السرير منكسر .. المكتبة محطمة ..الكتب مليئة بالغبار و الأتربة ..
ألا تدخل الخادمات لتنظيفها ؟!! وقفت في وسط الغرفة أتفحص تلك الحاجات ..
حيث سمعت صوت الماء ينبعث من الحمام .. الطفل يستحم إذاً ..
خرجت بسرعة قبل أن يكشفني
اتجهت نحو غيداء التي كانت توجه الخادمات في تنظيف البيت ..
حيث اقتربت منها و ابتسمت :" تحرصين على نظافة منزلك جيداً .. أنتِ ربة منزل مثالية "
ضحكت هي :" إذاً .. يجب أن تقتدي بي .. فلم تعودي مراهقة "ابتسمت ..ثم قلت:
" و لكن يا غيداء .. لمَ لا تدعين الخادمات ينظفون غرفة ابنك خالد .. أنها متسخة جداً "
قالت مستغربة :" متى رأيتها ؟!! "
" بينما كنت أجول في المنزل "
ابتسمت :" خالد يرفض دخول أي شخص لغرفته .. يعتبر ذلك تدخلاً في حياته "
قلت مستغربة :" تدخل ؟!! "
" نــــــــعم .. "
" ابنكِ غريب الأطوار حقاً "
" ستتعودين على غرابته مثلما نحن تعودنا على ذلك "
هززت رأسي ايجابياً .. ثم طوقت غيداء ضاحكة :" أنا جائعة .. ما هو طعام العشاء ؟!!"
" لا تخافي على طعامكِ .. لازلت تحبين الطعام .. لم تتغيري "
ثم ركضت خارجة من المنزل .. رأيت الأطفال يلعبون .. ألم يتعبوا بعد ؟!!
اتجهت نحوهم ضاحكة :" هل لي أن ألعب معكم "
صرخت بي أختي سمية :" لا .. فأنت كبيرة .. و الكبار لا يلعبون "
ضحكت.. ثم نظرت إلى وائل الذي كان يمسح الأتربة التي على كتفه ..
يا له من مرتب و نظيف .. أنه عكس أخيه تماماً .. سألت الأطفال باسمةً :
" و لماذا لا يلعب خالد معكم ؟!! "
قالت أختي الأخرى مروة :" خالد يرفض اللعب و هو دائماً هكذا "
ثم وقفت تقلده .. وضعت يديها في جيبها .. و بقيت تحملق بنظرات طويلة .. تماماً مثل خالد .ضحكت أنا :" حتى لو كان جامداً يرفض اللعب .. يجب أن تسّلوه بحديثكم أو أي شيء هو يفضله "
" خالد لا يفضل شيئاً .. "
تبين لي أن ذلك الطفل يكره اللعب .. و يحب أن يبقى وحيداً .. غريب أمر هذا الطفل ..
بقيت ألعب مع الأطفال كطفلة لا تفارق الألعاب .. و تبقى تضحك ببراءة ..
حتى اقتربت غيداء و هي تصرخ :" حان وقت العشاء .. ما بالكم ؟!! ألا تسمعوني ؟!! "
حتى قذفتها بالكرة دون قصد .. يبدو أنني كسرت أنفها .. ستكون مضحكة بأنف معقوف ..
أمسكت هي أنفها و هي تصرخ :" أيتها الحـــمقاء "
التقطت الكرة و رمتها نحوي بكل قوتها .. :" تعالوا لتناول العشاء حالاً "
و راحت تتجه نحو منزلها .. يبدو أنها سوف تشكوني لزوجها ..
حيث خاطبت الأطفال :" هيا لتناول طعام العشاء .. ألستم جائعين ؟!! "
" بلى " قلت :" هيا إذاً "ركضنا نحو المطبخ .. و كل منا غسل يده و جلس على مقعده ..
جلس عادل على كرسيه.. و جلست غيداء على كرسيها .. حيث خاطبتهم :
" لحظة غيداء .. أين أبنك خالد ؟!!"
ابتسمت :" خالد يفضل تناول عشاءه وحده "
حيث بادلت عادل النظرات .. ثم قلت :" لماذا ؟!! "
" كفى يا ذكرى .. هذه تصرفات ابني و يجب أن تتقبليها "
نهضت و قلت باسمة :" و لكني لأول مرة أتناول طعاماً معكم .. لذلك أريدكم جميعكم أن تجتمعوا على المائدة "
اتجهت نحو غرفة الطفل .. وقفت أمام الباب مجدداً .. و قلبي يقرع كطبل إفريقي مجنون ..
و لكن لابد من مواجهة الطفل .. أنه مجرد طفل .. أتخيفني نظراته تلك ؟!!
فتحت الباب بشجاعة .. حيث دخلت الغرفة .. لا أحد .. و الغرفة كما رأيتها في المرة السابقة ..
كيف يستطيع أن يمكث فيها ما دامت كالمقبرة ..
و بينما كنت أدير عيني على الغرفة .. وجدت أمامي .. رباه !! أنه ذلك الطفل مجدداً ..
يقف أمامي .. و هو يرمقني بتلك النظرة التي تهز قلبي .. ربــاه .. أريد أن أهرب ..
لم ينطق بشيء .. بل بقي كما كان ..واقفاً أمامي و هو لا يبعد نظراته المخيفة تلك عني ..
خاطبته بخوف :" آه .. لم أكن .. لم أكن أقصد .. دخول الغرفة .. اعذرني .. اعذرني "
و ركضت خارجة من الغرفة متجهة نحو المطبخ و قلبي يقرع و يقرع ..
دخلت المطبخ و أنا ألهث .. خاطبتني غيداء باستغراب :" ما بكِ ذكرى ؟!! "
ابتسمت :" لا شيء .. فقط كنت أركض .. و ... "
جلست على مقعدي .. لن أذهب إلى غرفته مجدداً .. و كأنه سيقتلني بنظراته تلك ..خاطبني عادل :" و أين خالد .. ألم تقولي .... "
بترت جملته :" خالد .. خالد .. نعم .. " ثم ضحكت كالبلهاء :" لقد نسيت إخباره أن يأتي إلى هنا
رغم أن الطعام كان شهياً و لكن شهيتي انعدمتعندما رأيت ذلك الفتى مجدداً ..نهضت بدون أن آكل لقمة واحدة متجهة نحو غرفتي التيخصصتها لي غيداء ..
جلست أمام المرآة .. منذ متى كانت الأطفال تخيف الكبار ؟!! هل أخاف من ذلك الطفل حقاً ؟!! لا أصدق ذلك ..
و لكن .. في نظرته تلك .. لا أرىفيها براءة و لا طفولة .. أرى فيها جرماً ..
ماذا ؟!! جرم ؟!! خالد لازال طفلاً ..
أظن أنني مرهقة.. فأنا لم أرتاح منذ عدت من ذلك البيت ..استلقيت على سريري .. و أخذت أعبث بالمصباح الذي بقربي ..حتى دخل شخصاً الغرفة .. نهضت و أخذت أدقق فيذلك الوجه ..
انه طفل .. أنه .. خــــــــــــــــالد .. يحمل بيديه سكيناً .. وتلك السكين مملوءة بالدماء .. و كذلك يديه .. أنه سفاح يتنكر في زي طفل .. أو ربماكان شبحاً ..صرخت .. هززت الجدران من شدة صراخي .. حتى ظهرت في وجهي غيداء .. غيداء؟!! بجانبها ابنها وائل .. خاطبتني بقلق :
" ما بكِ ذكرى .. أكان كابوساً مريعاً؟!! "
كابوس ؟!! أظن أنني كنت أحلم .. فلم يدخل خالد غرفتي و لم يحمل سكيناً ..أني مرهقة ..مسحت غيداء شعري .. ثم قالت :" نامي بهدوء .. و سوف أتلو آيات قرآنيةبقربك .. "
حيث استلقيت .. و تناولت غيداء المصحف .. خاطبتها :"غيداء .. أينخالد ؟!! أهو نائم ؟!! "
بدت غيداء مستغربة مني .. لأني مهتمة لأمر ابنها خالد .. و لكنه غريب و يثير الريبة .. قالت:
" نعم .. أنه نائم .. أهناك شيء ؟!! "
" هل حرصتِ أن تغطيه باللحاف ؟!! "
ضحكت :" أنه أصبح كبيراً .. فهو من يغطيجسده باللحاف "
أخذت غيداء تتلوا تلك الآيات الكريمة و أنا أنصت إليها .. شيئاًفشيئاً ..أغمضت عيناي و غرقت في نومٍ عميق ..
و في صباح اليوم التالي .. نهضتبتقاعس متجهة نحو غيداء .. التي كانت تجهز الأطفال للذهاب للمدرسة .. حيث ابتسمت وأنا أخاطبها :" أراك نشيطة في الصباح و المساء "
ضحكت هي :" و أنا أراكِ كسولةفي الصباح و المساء "
تركتها ترتب الأطفال و خرجت من المنزل أتجول في الحديقة .. و لكن ما إن فتحت الباب حتى رأيت طفلاً يجلس على عتبات المنزل .. آه .. أنه خالد .. كنت خائفة منه .. فكنت أكتم صرخة مدوية ..
رفع الطفل رأسه و أخذ يحملق بي .. بنفس تلك النظرات .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..نزلت العتبات بحذر .. ثم وقفتفي مكان بعيد عنه .. أخشى أن يحاول التهجم علي ..كان يحمل بيده حقيبة سوداء .. أخذيراقب العصافير التي تطير في السماء بكل حرية ..
كان بودي أن أسأله بعض الأسئلةلأقتل غموضه .. و لكني خائفة بدون أي سبب ..
كان كما رأيته من قبل .. غير مرتبكلياً .. و هناك شيء آخر .. أنا لم أسمع صوته بتاتاً ..
لمَ هو هكذا .. صامت .. يهمل نفسه .. نظرته غريبة و تخيفني ..
بعد تردد .. قررت أن أحادثه .. أنه ليسإلا طفل .. لمَ الخوف ؟!! وقفت أمامه .. بينما هو كان جالس على عتبات المنزل .. وممسكاً بحقيبة سوداء يضمها في حجره .. و ينظر إلي الطيور و العصافير ..
خاطبتهباسمةً بشيء من الارتباك :" خالد .. كيف حالك يا خالد ؟!! "
التفت إلي ..رباه .. أنه يرمقني بتلك النظرة مجدداً ..كنت خائفة .. و لكن يجب أعرف لمَ تخيفني نظراتهتلك .. جلست بقربه و قلبي يقرع كطبل إفريقي مجنون .. خاطبته :" ربما .. ربما لاتذكرني .. لكني عمتك .. عمتك ذِكرى "
أشاح بوجهه يتجاهلني و أخذ يراقب الطيورمجدداً .. حيث خاطبته مرة أخرى :
" أنت تنتظر بقية الأطفال لتذهب معهم إلىالمدرسة ؟!! "
حيث فاجأني برده :" أنا أنتظر أبي فقط "
قلت باندهاش :" السائقسوف يوصلك إلى المدرسة و ليس أباك "
حيث رمقني بنظرة حادة و نهض بعدما رأى أباهيلوح بيده له من بعيد ..هل كنت مخطئة ؟!! هل سيوصل عادل ابنه بنفسه ؟!!نهضت و دخلتإلى المنزل متجهة نحو غيداء .. سألتها :" من سيوصل الأطفال إلى المدرسة ؟!! "
أجابتني :" السائق "
" إذا لماذا يوصل عادل ابنه خالد بسيارة أخرى ؟!! "
" لأنه لا يطيق الازدحام .. فالأطفال خمسة .. و خالد لا يحب الأماكن الضيقة والمزدحمة "
ها هم الأطفال ينطلقون نحو السائق و يصعدون السيارة بمرح .. عكس خالدتماماً ..
خالد ..!! أنت لست طفلاً طبيعياً ..
أخذت غيداء تعلمني الطبخ .. فغيداء امرأة تكره أن تلمس الخادمات طعامها ..
فهي من تعد طعام الفطور و الغداء و العشاء أيضاً ..شيئاً فشيئاً .. تعلمت من الطبخ القليل ..
خاطبتني غيداء بعدما صنعت أنا كعكة بالفراولة بمساعدتها :" تعالي .. لنجلس في الصالة "
اتجهت أنا معها نحو الصالة .. و جلسنا على المقاعد حيث خاطبتني :
" ابني يحب هذا النوع من الكعك .. سوف يطير في الفرح عندما يعلم أنك صنعتها "
قلت بدهشة :" خالد يحب الكعك .. ؟!! "
نظرت إلي باستغراب .. ثم قالت :" أنا أحدثك عن وائل .. خالد لا يحب شيئاً "
قلت غاضبة :" ما معنى (لا يحب شيئاً ) ؟!! أليس إنساناً يحب و يكره ؟!! "
ضحكت هي :" بصراحة .. لا أراه يفضل شيئاً .. فكل ما يراه مقبول "
قلت بانفعال :" لا .. لو كان كل ما يراه مقبولاً .. لقبل أن يصعد مع الأطفال السيارة .. و سمح للخادمات أن يدخلن غرفته لتنظيفها "
قالت مستغربة :" لمَ الانفعال ؟!! "
وجدت نفسي أحادثها بغضب .. ألأجل خالد الذي أنا أخاف منه ؟!!
نهضت و قلت :" حسناً .. سوف أنظف غرفته بنفسي "
صرخت بي :" ذكرى .. إن علم خالد بأنك دخلتِ غرفته سيغضب كثيراً "
ابتسمتُ :" أنا مستعدة لأراه غاضباً و ثائراً "
و اتجهت نحو المطبخ و حملت أدوات التنظيف .. رغم أني لم أنظف غرفةً من قبل ..و لكني سأنظف هذا الغرفة بالذات .. لأنها غرفة طفل جذبني حقاً ..
دخلت غرفته للمرة الثالثة .. الغبار يملئ المكان ..و السرير منكسر .. كيف ينام خالد ؟!!
بدأت في عملي و أنا أسد فمي بمنديل يمنع وصول الغبار إلى حلقي ..كانت مليئة بالغبار .. فقضيت ساعات طويلة و أنا أنظف تلك الغرفة ..
و غيداء تضع أكواب الماء بقرب الباب دون أن تدخل ..لا تتحمل كثافة الغبار ..
اتسخت ملابسي .. و لكني أتممت العمل تقريباً ..وقفت و نظرت إلى ما أنجزته ..
لقد نظفت غرفة متسخة جداًً ..أنه عمل جبار أستحق عليه الثناء ..
أنحيت جذعي لأتمم ما بدأت به .. و لكن .. فُتح الباب بقوة .. حتى فزعت ..استدرت لأرى فاتح الباب .. ألا و هو صاحب هذه الغرفة .. خـــــالــد ..
وقف يرمقني بتلك النظرة المخيفة .. مقطباً حاجباه .. ثم اقترب مني .. بخطوات تثير خوفي ..
اقترب أكثر .. قرّب وجهه إلى وجهي ..ماذا يريد أن يفعل بي ؟!!
حيث أمسك بيدي بقوة .. كدت أموت خوفاً .. رباه .. همس هو :
" أخرجي من غرفتي .. فوراً "
رباه .. ليتني لم أدخل غرفته .. أنني أعاند نفسي .. لماذا أدخل غرفة إنسان أخاف منه ..
وقفت بسرعة و دموعي تتهاوى على وجنتي من شدة ذعري .. و ركضت نحو غرفتي ..
رميت بنفسي على سريري و ظللت أبكي بجنون .. غير مدركة السبب ..ربما كان السبب هو .. الخوف من ذلك الفتى .. و لكنه مجرد طفل ..
لكن تصرفاته تعني لي شيء واحداً فقط .. تعني لي أن جسده جسد طفل ..و لكنه لا يفكر كالأطفال ..
سمعت طرقاً على الباب .. فاستويت و مسحت دموعي بسرعة .. نطقت :" أدخل "
فُتح الباب و ظهر من خلفه وائل .. الفتى المرتب .. و هو يحمل حقيبته .. و ابتسامة عريضة مرحة علت شفاهه .. اقترب مني :" مرحباً "
ابتسمت :" مرحباً بوائل .. هل رجعت من مدرستكِ ؟!! "
" نعم "
"هل أنت مجتهد "
" نعم .. عمتي أريدك أن تتناولي معي الكعكة التي صنعتها أنتِ "
ضحكت :" هل تحب الكعك ؟!! "
" نــــــــعـــــم "
سألته بشيء من الخوف :" و ماذا عن أخيك خالد ؟! هل تناول الكعكة ؟!! "
" خالــــــــد خــرج من البيـــــــــت .. "
نهضت ممسكة بيده :" هيا .. لنتناول الكعكة "
و في المطبخ .. الجميع يتناول الكعكة .. و الجميع يمدحني .. و الجميع يشجعني ..لازلت مبتدئة و لا أستحق كل هذا .. و لكنهم يسعون لإسعادي لأنهم يحبّوني ..
حيث خاطبني أخي إياد الصغير :" ذِكرى .. عادل سيصطحبنا إلى الملاهي "
قلت بفرح :" أهذا صحيح ؟!! يا للروعة ..!! سأذهب معكم "
ثم خاطبت عادل :" متى سنذهب ؟!! "
" تمام الساعة الرابعة عصراً "
حيث أتت الخادمة منزعجة تخاطب غيداء :" لقد نقصت السكاكين "
صرخت غيداء :" مجدداً ؟!! أي لص غبي يأتي لسرق السكاكين فقط ؟!! "
خاطبتها باستغراب :" لص ؟!! سرقة ؟!! أتعرضتم للسرقة ؟!! "
" نعم .. و السارق يسرق السكاكين فقط "
" غريــــــــــــب !!! ... "
---
و في العصر .. تجهزت أنا و تجهز الأطفال للذهاب للملاهي ..جلسنا في الصالة ننتظر عادل ..
خرج بعد ذلك عادل من غرفته بعدما استحم .. و اقترب منا .. و قال :" هيا ! "
نهضنا جميعاً بفرح .. و لكنه استدار و كأنه تذكر شيئاً :" لحظة "
غيداء :" أهناك شيء ؟!! "
" أيـــــن خالد ؟!! "
حيث أشار أخي سالم ناحية غرفة خالد :" في غرفته "
و عاكسه وائل :" لا .. لقد خرج من البيت منذ الظهيرة "

حيث قالت سمية :" آه .. عادل دعنا نذهبللملاهي .. خالد لن يرجع الآن "

صرخ عادل بغضب :" عندما يرجع لن يجد أحدٌ فيالبيت .. ثم .. ليس من عادة خالد التأخر إلى هذا الحد "
و أغاظتني غيداء بقولها :" عادل .. وجودنا أو عدمه بالنسبة لخالد واحد .. فخالد لا يخرج من غرفته إلانادراً "
صرخت أنا بها :" أتريدين أن تتركين ابنك في البيت وحده ؟!! ثم ما الذييضمنك أن هذه الخادمات لن يفعلوا شيئاً به "
و قال عادل :" حسنٌ سوف ننتظره "
فصرخت مروة غير راضية :" لا .. لن نضيع الوقت لأجل خالد .. و نحن نعرف أنه لنيرجع "
و صرخ أخي إياد بترجي :" عــــادل .. دعنا نذهــب بدونــه .. "
جلسعادل على أحد المقاعد و خاطبنا و كأنه يجبرنا :" اجلسوا لتنتظروه "
جلس إياد وبقية الأطفال بغضب .. و جلست غيداء ببرود .. ترى .. لماذا لا يهمها أمر ابنها ..
تأخر خالد كثيراً .. فمرت ساعة كاملة و لم يأتِ .. و إياد يكاد ينفجر غيظاًهو و بقية الأطفال أيضاً ..
حتى نهض عادل :" سأبحث عنه " و اتجه نحو الباب و نحننلحقه .. مد عادل يده لفتح الباب .. و لكن الباب فُتح من الجهة الأخرى .. آه أظنأنه ..
ظهر من خلف الباب ذلك الفتى الغريب .. فتح الباب .. ثم ألقى علينا نظرتهالغريبة.. و مشى يتجاهلنا ..كيف يتجاهلنا و عقلنا طوال ساعة كاملة يفكر فيه .. وقلبنا ينبض لأجله ..؟؟
صرخ عادل و هو يشد قميص خالد من الخلف :" خالد "
استدار خالد و هو يرمق أبيه بتلك النظرة مجدداً .. صرخ عادل بجنون :" لمَ لمتقل لنا أنك ستتأخر .؟!! لقد .... " و لكنه بتر جملته و كأنه لاحظ شيئاً في خالد ..حيث خاطبه مندهشاً :
" ما هذا يا خالد ؟!! "
اندفعت لأرى ما الذي في خالد ..خدوش .. كدمات .. ضربات .. قميص ممزق .. شعر أشعث .. ما به ؟!!
مشى ذلك الفتىالغريب بكل بساطة نحو غرفته متجاهلاً كل تساؤلاتنا ..
حيث صرخت أنا بأعلى صوتي :"خالد .. ما كل هذا ؟!! .. أجبني خالد "
حيث خاطبني عادل :" لا ترهقي نفسك ياذكرى .. فإنه مصمم على الصمت "
و انطلقت غيداء نحو غرفة ابنها لتخبره أنناننتظره لنذهب للملاهي ..
جلسنا في الصالة و تنهد سالم :" سننتظره مجدداً .. ياإلهي "
أرى على وجوه الأطفال انزعاجا من خالد .. فمنذ أن أتيت إلى هذا البيت ..
لم أراهم يتحدثون معه .. أو يجلسون معه .. الأطفال ينفرون منه ..
حيث خرجتغيداء من غرفة ابنها و اقتربت منا :" لا يريد أن يأتي معنا لأن .......... "
حيثصرخ عادل بغضب باتراً جملة زوجته:
" لا يريد ؟!! كنا ننتظره طوال الوقت .. لكييأتِ و يخبرنا أنه لا يريد المجيء معنا ؟!! "
و صرخت مروة :" هذا متوقع من خالد .. "
و ألقى إياد نظرة على الساعة و صرخ :" الساعة الخامسة و الربع .. لقدتأخرنا كثيراً "
حيث سمعنا صوت بكاء .. التفت إلى وائل الذي بدأ في النحيب :
" لن نذهب إلى الملاهي إذاً .. "
حيث ضمته أمه ضاحكة :" لا يا عزيزي .. سنذهب .. أليس كذلك عادل ؟!! "
و قال عادل بإصرار :" لن نذهب بدون خـالـد "
وانطلق نحو غرفة ابنه و لحقنا بــه ..


حاول عادل فتح باب غرفة خالد .. و لكنه مقفل .. همس عادل بغضب :" اللعنة .. أقفل الباب "
ثم أخذ يضرب الباب بقوة .. يضرب و يضرب صارخاً :" افتح الباب و إلا ....... "
فتح الباب خالد .. و لازالت عيناه تحمل تلك النظرة الغريبة ..حيث قال عادل بنفاذ صبر :
" لقد انتظرناك ساعة كاملة لتأتي معنا .. أليس من العيب أن تقول أنك لا تريد المجيء ؟؟!! "
حيث همس خالد و علامات الإرهاق بدت على وجهه ..:" حسنٌ سآتي "
غريب أمرك يا فتى .. منذ بضع دقائق تقول أنك لا تريد المجيء .. ما الذي غير رأيك بهذه السرعة ؟!!
حيث قال عادل مرتاحاً و فرحاً :" جهز نفسك و تعال فنحن ننتظرك في الصالة "
انصرف عادل و دخل خالد غرفته تاركاً من خلفه الباب مفتوحاً .. هل سأدخل هذه الغرفة للمرة الرابعة ؟!! حسنٌ .. سوف أدخلها و لن أخشاه .. تقدمت خطوتين للأمام و طللت على خالد .. الذي اقترب من خزانة ملابسه .. حيث دخلت الغرفة بكل شجاعة و نطقت بثقة أكبر :" خـــالـــــد !! "
استدار و رمقني بتلك النظرة مجدداً .. فاقتربت أنا أكثر منه و كلي ثقة و جرأة ..ابتسمت في وجهه و لكنه عبس في وجهي .. حيث نظر إلى قدماي و خاطبني بهدوء :" أنكِ تدخلين غرفتي "
حيث أردفت :" و ماذا في ذلك ؟!! أنا عمتك .. و من حقي أن أعرف أسرارك "
بدا مرتبكاً ..:" أي أسرار ؟!! "
ضحكت و ضربت كتفه بقبضة يدي مازحة :" كنت أمزح معك "
لم يتقبل تلك المزحة .. لم يبتسم أو يضحك .. بل كانت ملامح وجهه مشدودة دائماً ..
استدرت أنا و خاطبته :" و الآن سوف أتركك لتبدل ملابسك "
و خرجت من الغرفة و كلي شعور بأنه لم يبعد أنظاره عني بعد ذلك ..
أي أنه شعر باهتمامي له .. أو ربما فكر أن يبوح لي أسراره ..

بعد ذلك خرج خالد من غرفته .. ينتابني فضول جنوني .. ترى ما سبب كل هذه الضربات ؟!!
هل خالد من الفتيان العنيفين الذين يقاتلون و يصارعون بعضهم بعضاً ؟!! أم تراه فتاً هادئاً لطيفاً كأخيه .. لم أواجه صعوبة في معرفة شخصية وائل .. و لكني واجهت صعوبات كثيرة لمعرفة خالد ..
و لحد الآن لم أحدد .. ما هي شخصية خالد الحقيقية .. و كيف يمكنني التعامل معه ..
مشينا جميعاً خارجين من المنزل .. و خالد يمشي في المؤخرة ..
و عندما وصلنا لسيارة أخي الضخمة .. تراكض الأطفال لصعود المقاعد الخلفية .. و صعدت غيداء المقعد الخلفي الثالث .. و لم يصعد أحدٌ المقعد الأمامي .. أهو مخصص لخالد ؟!!
جلست أنا مع الأطفال .. و جلس وائل و مروة مع غيداء .. و ها هو خالد أخيراً يصعد المقعد الأمامي بكل بطء ..فتنطلق بنا السيارة حينها .. و أرى الأطفال فرحين جداً .. ينشدون و يصرخون بفرح ..
أما ذلك الفتى الغريب يسند رأسه على النافذة بصمت ..
و ها هي السيارة توقفت .. أمام مدينة الملاهي الضخمة التي يعشقها الأطفال ..،،
أطلق سالم ضحكات :" يا إلهي .. أنها رائعة "
ثم اندفع إياد خارجاً من السيارة و تدافع الأطفال من خلفه راكضين نحو تلك الملاهي ..
و ركضت غيداء خلف ابنها وائل لتحرص على عدم وقوعه .. فالأطفال إن ركضوا يجب أن يقعوا..
أما عادل مشى بقربي .. استدرت أنا لأرى خالد يمشي ببطء شديد .. و يحملق بالناس بنظرته تلك .. و كأنه لأول مرة يرى فيها الناس .. رغم أنه يخرج من البيت كثيراً .. ترى إلى أين يذهب ؟!!
حيث خاطبني عادل :" ذِكرى .. لا تهتمي لتصرفات خالد .. أنصحك ..!! "
قلت بغضب :" أتريدني أن أصبح مثل غيداء التي تهمل خالد و تهتم بوائل ؟!! "
حيث ابتسم و أمسك بيدي و قادني إلى مقعد نجلس عليه و خاطبني :" أتعلمين !! غيداء كانت لا تنام الليل لأجل خالد .. و تقدم كل الحنان و العطف له .. و لكنه بتصرفاته أثار جنونها .. فرأيتها ما إن تراه حتى تصرخ أو تنفعل .. أو ترمي أو تكسر ما بيدها .. أو تركض نحوه لتضربه بدون أي سبب أو دافع .. "
قلت مســــــتغربة :" أمعقول ؟!! "
" نعم .. كانت تغضب بسرعة .. و تبكي بسرعة .. و تدعو نفسها بالفاشلة لأنها كما تقول .. لم تربي خالد تربية حسنة .. و لم تعلمه و لم تفقهه .. و لكن خالد يثير حيرتي .. عندما كان في الخامسة ربيعاً .. كان مرحاً .. مهذباً .. كان طفلاً طبيعياً .. و لكنه فجأة تغير .. تغير كلياً .. حيث صار جامداً و غامضاً .. و لا ادري فيما يفكر .. فأراه يسرح كثيراً .. و يصمت كثيراً .. و في غرفته يدرب نفسه على العنف و الخشونة .. فيكسر الأثاث .. و لا يسمح لأي كان أن يدخل غرفته .. فلا أدري ما الذي يخفيه فيها .. و تكررت مرات رجوعه إلى البيت و الضربات تملئ جسده .. من دون أن يقل لنا ما سببها "
فكرت كثيراً .. لم هو أصبح هكذا ؟!! و لم تغير فجأةً ؟!! أهي أعراض مراهقة مبكرة ؟!!
أم هو مرض نفسي .. أو اكتئاب .. أم تراه جنون .؟!!..

ها هي غيداء تلاحق الأطفال أينما ذهبوا .. فينهض عادل و يتجه نحوها ..
و ها هو خالد يجلس على أحد الكراسي مبتعداً عنا بمسافة طويلة ..حسناً .. سأحاول معرفة ما تخفيه يا خالد و لمَ أنت هكذا ..نهضت و اتجهت نحوه .. و ما إن رآني أمشي باتجاهه حتى بدا منزعجاً لمجيئي ..أيفضل الجلوس وحده ؟!! حيث اقتربت منه و قلت بمرح :" مرحباً .. خالد "
رمقني بنظرة حادة .. ثم أشاح بوجهه عني .. حيث جلست بجانبه .. و أخذت أرتب خصلات شعره .. ثم ضغطت على جرحه الذي شق جبينه .. حيث بدا متألماً .. فأبعد يدي عن جبينه و قال منزعجاً :
" لا تلمسيني "
فاقتربت منه أكثر و خاطبته بهمس :" صارحني خالد .. ما سر هذه الضربات ؟!! "
نظر إلي .. ثم أشاح بوجهه عني مرة أخرى :" الأمر لا يعنيكِ "
" بل الأمر يعنيني .. لأني عمتك و يجب أن أعرف .. كيف تعيش أنت حياتك ؟!! "
بدا مصراً على الصمت .. و عدم البوح بسر من أسراره .. حيث أشرت أنا إلى وائل الذي يلعب بمرح مع بقية الأطفال و خاطبت خالد :
" أنظر إلى وائل .. كم هو مرح و حيوي .. ليس مثلـ... .. "
حيث صرخ بي خالد بغضب :" لا تتحدثي عنه أمامي .. و لا تقارنيني به "
لأول مرة أراه يصرخ و يرفع صوته .. كم هو رائع عندما يثور ..نهضت و قلت له :
" خالد .. أنا أتيت هنا لألعب و ألهو .. و أريدك أن تلعب معي أيضاً .. "
ثم سحبت يده و مشيت معه .. كان يريد أن يحرر يده من قبضة يدي .. و لكني كنت أزيد من الرص عليها .. أريده فقط أن يعلم .. أن الحياة لا تمضي هكذا .. بل نستمتع فيها .. و إذ استمتعنا فيها سنعيش صالحين و نعبد الرب الذي خلقنا سعداء ..
مشيت معه و أنا أحادثه مشيرة إلى قطار الموت :" سنصعد قطار الموت و سوف نتغلب على الخوف فوائل يخاف الأماكن المرتفعة .. أما نحن فلا .. أليس كذلك ؟!! "
كان صامتاً طول الوقت .. دفعت ثمن تذكرتين لي و لخالد و صعدت القطار .. و بالطبع سحبت يد خالد ليجلس بجانبي .. أريد أن أعوده كيف يتعامل مع الناس .. يجالسهم و يحادثهم ..حيث ربطت أنا الأحزمة و ربط هو أحزمته .. حيث انطلق القطار بسرعة البرق .. خشيت أن يطير شالي من على رأسي .. جميع الراكبين يصرخون .. و أنا .. كنت أصرخ أيضاً .. التفت لخالد .. صامت و جامد .. و لا يتحرك فيه إلا شعره الذي لم يستطع الصمود بوجه التيارات الهوائية القوية .. يتلفت هو يميناً و يساراً و لا يخاف المرتفعات أبداً .. فجأة .. رأيته يدير رأسه إلى الخلف .. ثم أخذ يهزني:
" فليتوقف القطار "
لم أكن قادرة على الحديث فالهواء يصطدم بوجهي بقوة ..ترى لماذا يريد أن يتوقف القطار .. ؟!! لا أظنه خائفاً .. كان هو منشغل بشيء آخر ..
فكان يدير رأسه إلى الخلف و يظل متوتراً .. إلى أن توقف القطار كما أراد ..ففتح هو أحزمته و استدار إلى الخلف .. أدرت رأسي أنا الأخرى للخلف .. لا أحد ..
نهض هو مسرعاً .. خاطبته :" لحظة "
و لكنه لم يكترث بي بل ركض نحو حشد كبير من الناس ..و لحقته أنا ..
ثم وقف هو وسطهم و كأنه يبحث عن شخص .. سحبت أنا يده :" تعال خالد انك تزعج الناس "
و لكنه أصر على الوقوف وسط الناس هكذا .. حيث سحب يده من قبضة يدي ..
من رآه في الخلف ؟!! و ما الشيء الذي يثير اهتمامه .. لم أكن أعلم أن خالد يهتم بشيء ما..
أخذ يدير عينيه على الناس واحداً تلو الآخر .. و بينما هو كذلك .. قدم عادل و معه زوجته و بقية الأطفال .. حيث خاطبني إياد بفرح :" لقد لعبنا طويلاً بدونك .. ألن تلعبي ؟!! "
ابتسمت .. و طبطبت على كتف خالد :" أنا هنا ألعب مع خالد ؟!! "
دُهش الجميع .. و هتف عادل و ابتسامة عريضة علت شفاهه و هو ينظر إلى ابنه :" حقاً ؟!! "
و لكن خالد قطب حاجبيه مخاطباً والده بكل جفاف :" لم يكن ذلك ممتعاً "
و مشى نحو جهة أخرى .. مبتعداً عنا .. و بدا عادل متشائماً ..
فالجميع ظن أن خالد أصبح طبيعياً أخيراً .. و لكن ذلك لم يحصل بعد ..


محب ال البيت

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-07-2007, 12:04 AM   رقم المشاركة : 2
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

اف لهدرجه القصه فااااااااااااااشله
على الاقل رد واحد لاحووووووول

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-07-2007, 12:26 PM   رقم المشاركة : 3
إنتظـــار حلم
مشرفة سابقة
 
الصورة الرمزية إنتظـــار حلم
 







افتراضي رد: جنون خالد

لا ليست فاشلة

أكمل لقد تشوقت لمعرفة البقية

ننتظر النهاية


سلمت على هذا النقل


إنتظـــــــــــ رــــــا حلم

 

 

 توقيع إنتظـــار حلم :
؛
ياسيدي ..
أتيتُ أفتلُ حبلَ السؤال , متى ضمكَ العشق في أضلعي ...؟
إنتظـــار حلم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-07-2007, 06:25 PM   رقم المشاركة : 4
أميرهـ بدنياهـ
طرفاوي بدأ نشاطه







افتراضي رد: جنون خالد

يسلموااااا اختي على القصه

متشوقين للبقيه

 

 

أميرهـ بدنياهـ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-07-2007, 06:39 PM   رقم المشاركة : 5
جبرني الوقت
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية جبرني الوقت
 







افتراضي رد: جنون خالد

مشكور اخوي محب الب البيت

ننتظر اللبقيه

تحياتي

 

 

 توقيع جبرني الوقت :
رد: جنون خالد
جبرني الوقت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-07-2007, 12:40 AM   رقم المشاركة : 6
ba7rani artist
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية ba7rani artist
 






افتراضي رد: جنون خالد

تسلمييين اختي على القصه بس واايد طوييله

 

 

 توقيع ba7rani artist :
رد: جنون خالد






نبقى سوى جسد وروح!
ba7rani artist غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-07-2007, 03:36 AM   رقم المشاركة : 7
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

مشكورين على الردوود جميعكم لكن انا ذكر
ان شالله ابشروا بالتكمله

عدنا بعد ذلك للمنزل ..الأطفال يركضون بمرح في أرجاء البيت من شدة فرحهم ..
أما خالد رأيته يتجه نحو غرفته ..ما الذي يعجبك في غرفتك ؟!! السرير المحطم ؟!! أم المكتبة المنكسرة ؟!! أخذت أناديه :" خالد .. خالد .. انتظر " استدار مقطباً حاجبيه و هو ينظر لي ..
أنه منزعج مني ؟!! حسنـــاً .. اقتربت منه و أمسكت يده و قلت بمرح :
" خالد .. لمَ لا تتناول عشاءكَ معنا ؟!! "
حيث تجاهلني ماشياً نحو غرفته .. غضبت كثيراً .. و ركضت نحوه و أمسكت ذراعه صارخةً به :
" توقف عندك .. !! أليس من العيب أن تعامل الناس هكذا ؟!! أنت لا تعيش وحدك .. خالد "
رمقني بتلك النظرة مجدداً .. فصرخت به :" من تحسب نفسك لتنظر إلي هكذا ؟!! "
حدق بي طويلاً .. لقد تمادى في تصرفاته .. و هذا ما جعلني أصرخ به .. لكي يشعر فقط ..
أمسكت يده و مشيت و أنا أسحبه نحو المطبخ .. كفاكَ وحدة .. كفاكَ صمتاً .. كفاكَ غموضاً ..
طللت على المطبخ .. حيث كانت غيداء تجهز طعام العشاء و الجميع على حول الطاولة ينتظر ..
هتفت باسمة :" لدي مفاجأة لكم "
التفت إلى الجميع و قالوا في حماس :" ما هي ؟!! "
حيث سحبت يد خالد إلى الداخل و هتفت بهم :" خالد سيتناول عشاءه اليوم معنا "
ابتهج عادل و دُهشت غيداء .. و لكن خالد هتف في غضب :" غير صحيح .. "
حيث نهض عادل من كرسيه و اقترب من ابنه و سحبه و أجلسه على أحد المقاعد بقرب وائل ..
بدا خالد منزعجاً من الجلوس بقرب أخيه .. حيث جلس عادل على مقعده و الفرحة تغمر قلبه ..
و أعدت غيداء الطعام على الطاولة .. و جلست على مقعدها .. بدأ الأطفال في تناول طعامهم .. و لكن خالد كان يرمق الجميع بتلك النظرة المجهولة من دون أن يأكل شيئاً .. حتى خاطبه أباه :
" خالد .. ألن تأكل شيئاً ؟!! " حيث قلت أنا :" يبدو أنه يفضل البرتقال .. أليس كذلك ؟!! "
كان صامتاً .. ففتحت أنا الثلاجة و أخرجت منها برتقالةً و غسلتها جيداً .. و وضعتها في صحن مع سكين .. و قدمتها له .. حملق هو بي .. حمل السكين و أخذ يقطع البرتقالة تقطيعاً عشوائياً ..
مما جعل وائل يضحك و يسخر قائلاً :" ألا تعرف حتى كيفية تقطيع البرتقال ؟!! "
رمق خالد أخاه بنظرة حادة .. حيث سحب وائل من يد خالد السكين :" هاتها لأعلمك ذلك "
و لكن خالد سحب من يد وائل السكين بقوة و بسرعة .. و هذا ما أدى إلى خدش في يد وائل .. فأخذ يبكي و يصرخ .. رغم أن الخدش بسيط .. فأسرعت غيداء إلى ابنها .. خاطبها بخوف :" أمي .. أنه دم " رمقت غيداء خالد بغضب .. حيث كان بكل برود يكمل تقطيع البرتقالة .. من دون أن يتأثر بصرخات أخيه .. اتجهت غيداء نحو خالد .. و هو لا يكترث بها .. بل لازال يقطع تلك البرتقالة ..
صرخت به :" خــــــالد .. " رفع هو رأسه .. فصرخت به :" لقد جرحت يد أخيك " ..
قال بلا اكتراث :" لا يهمني .. " اقتربت منه و يال دهشتي .. باغتته بصفعة قوية ..ما هذا ؟!! إنها تضرب ابنها و هي الأعلم أن الضرب وسيلة سيئة لتهذيب الطفل ..
بقي خالد متسمراً يحملق بوالدته و عادل يكاد ينفجر غيظاً .. أما غيداء تقف أمام ابنها و لازلت تنظر إليه بقسوة .. حملق خالد بأمه ثم نظر إلى وائل بحقد و كره شديد ..ثم رمى بالسكين على الصحن بغضب و مشى خارجاً المطبخ .. منكسراً ..
ركضت أنا لاحقةً به .. اتجه هو نحو غرفته كالعادة .. فصرخت أنا بغيداء :" ماذا فعلتِ ؟!! "

حيث ضمت هي ابنها وائل و خاطبت سمية تتجاهلني :
" أحضري اللاصقات من صندوق الإسعافات الأولية "
نهضت سمية من كرسيها و اتجهت نحو ذلك الصندوق و أخرجت كيس اللاصقات ..و قدمتها لغيداء .. حيث اتجهت نحوها و أمسكت يدها :" لماذا ضربتيه ؟!! و أنتِ تعلمين أنه لم يقصد ذلك ؟!! "
صرخت بي :" أرجوكِ ذكرى .. لا تتدخلي بيني و بين ابني "
تركت يدها و خاطبتها بهدوء :" حسنٌ .. و لكني لن أسمح لكِ بضربه مرة أخرى "
و اتجهت نحو غرفة خالد .. أتمنى أن يكون بخير .. أتمنى ألا يكون قد تأثر من الداخل ..
طرقت الباب .. لم أسمع صوتاً .. فدخلت الغرفة ..رأيته مرمياً على الأرض .. و نائم بعمق ..( نوم المسكين المظلوم المتكوم على نفسه ) نائم على الأرض .. طبعاً فالسرير منكسر ..
يضم بيديه تلك الحقيبة المدرسية السوداء .. و لازال أثر تلك الصفعة واضحاً على خده ..
اقتربت منه .. و جلست بقربه .. أخذت أمسح شعره .. لماذا يمسك بهذه الحقيبة ؟!! أيحب دراسته لهذه الدرجة ؟!!سحبت الحقيبة السوداء من يديه بهدوء ..و لكني سمعت صوتاً فيها .. أنها ثقيلة ..
فتحتها .. ما هذا ؟!! سكاكين ؟!! مجموعة كبيرة من السكاكين ؟!!
رباه .. هل سارق السكاكين هو .. خــــالد ؟!! لا أصدق ..!!
كنت سأحمل الحقيبة لأريها عادل .. و لكن لحظة .. لماذا يسرق خالد السكاكين ؟!!أيريد بيعها ؟!! أم يريد أن يفعـل بها شيئاً آخر .. الأفضل أن أدعها عنده لأرى ما سيفعله بها ..نهضت .. خارجة من الغرفة و لكن .. يجب أن آخذ مفتاح الغرفة معي .. لكي أستطيع دخولها متى أشاء .. حملت المفتاح و وضعته في جيبي .. ثم أغلقت الباب بهدوء .. اتجهت نحو عادل و خاطبته :
" عادل .. هناك أمر أودك إخبارك به "
حيث رفعت غيداء رأسها و أخذت تراقبنا .. و نهض عادل و اتجه نحو الصالة .. فخاطبته بهمس :
" لحظة .. أتمنى أن تأتي لغرفتي .. لا أود أن يسمع ما سنقوله الأطفال و غيداء "
حيث هز رأسه بالموافقة و اتجهنا نحو غرفتي .. دخلتها و دخل هو من بعدي .. فأغلقت الباب بالمفتاح .. و جلست على مقعد و هو جلس أمامي .. خاطبني بخوف :
" ما به خالد ؟!! "
" أتعلم ماذا رأيت في حقيبته السوداء ؟!! "
" كتبه المدرسية ..؟!! "
" لا .. هناك شيء آخر .. ألم تتعرضوا لسرقة السكاكين ؟!! "
قال مندهشاً :" ابني هو السارق ؟!! "
" هذا ما تبين لي .. فقد رأيت في حقيبته مجموعة كبيرة من السكاكين "
" هل أنـــــــتِ متأكدة ؟!! "
" نــــــــــعـــــم .. "
" و الآن ما العمل ؟!! "
" الأفضل أن نبقيها معه لنعرف ماذا سيفعل بها .. أي أننا سنراقبه "
" كيف ذلــــــــــــك ؟!! "
" إلى حد الآن لا أعلم "
نهض هو :" حسنٌ .. سوف أبقي عيني مفتوحة عليه .. "
أخرجت أنا من جيبي مفتاح غرفة خالد :" أنا أخذت معي مفتاح غرفته .. و سوف أراقبه جيداً "
هز رأسه ايجابياً :" و أنا سأراقبه عندما أوصله للمدرسة و عندما أرجعه منها أيضاً "
حيث مشى خارجاً من الغرفة فاستوقفته :" عادل "
" أهناك شيء آخر ؟!! "
" أتمنى ألا تخبر غيداء بذلك .. فتفسد كل شيء "
" حســــــــنٌ "
خرج هو من الغرفة .. فاستلقيت أنا على فراشي ..
رن هاتفي المحمول .. أسرعت إليه و حملته و قربته إلى أذني :" مرحباً .. من المتكلم ؟!! "
" مرحباً ذِكرى .. كيف حالكِ ؟!! أنا أخيك مازن .."
خاطبته بفرح يغمرني :" كم اشتقت إلى هذا الصوت .. منذ متى و لم تحادثني ؟!! "
" منذ زمن بعيد .. أأنتِ بخير ؟!! "
" نعم .. فأنا أعيش في بيت عادل فتاة محبوبة و محترمة "
حيث قهقه :" محترمة ؟!! من يحترمكِ ؟!! لا تقولي أخوتي .. فهم قليلو الأدب "
" لا .. ليس لهذه الدرجة .. يحترموني جداً و يحبوني ..أنا مرتاحة هنا .. و لكن خالد يثير حيرتي "
" لا .. لا تفكري به و لا تشغلي نفسك به .. لطالما كنت أفكر به إلى أن سبب لي نوبات جنونية "
ضحكت :" حقاً ؟!! "
" نعم .. كذلك غيداء تأذت كثيراً منه .. بل جُنت .. و لكن عادل يقول أنها أصبحت أفضل الآن "
" ألا يستحق مني خالد حتى الاهتمام ؟!! غيداء أصبحت تهمله كثيراً .. "
" أعتقد أنه تعرض إلى حدث جعله هكذا .. "
" حدث ؟!! مثل ماذا ؟!! "
" قد يكون سمع أو رأى شيئاً لا يناسب عمره .. "
" ماذا ؟!! و لكن ..... "
حيث قاطعني :" ذِكرى .. كفانا حديثاً عن خالد .. لدي بشرى سارة "
" ما هـــــي ؟!! "
" زوجتي .. حامل "
صرخت بفرح شديد:" آه .. مبارك لك .. سوف أزورك غداً صباحاً .. و الآن أريد أن أنام "
أقفلت المكالمة و غطيت جسدي باللحاف و غططت في نوم عميق ..

و في صباح اليوم التالي استيقظت من النوم و اتجهت للمطبخ ..
حيث كان الجميع يتناول فطوره عدا خالد .. أظنه ينتظر أباه في الخارج ..
جلست على أحد المقاعد .. حيث خاطب عادل زوجته :
" عزيزتي .. اليوم سوف أتأخر عن البيت .. هناك عمل يستوجب علي إكماله اليوم "
هزت هي رأسها :" عافاك الله "
حيث قلت أنا:" و خالد ؟!! "
بدت غيداء مستغربة :" ما بــه ؟!! "
" من سيوصله من المدرسة إلى البيت اليوم ؟!! "
" السائــــق"
" لا أظنه سيقبل الركوب مع الأطفال "
" عندما يعلم أن لا أحد سيوصله .. سيركب رغماً عنه "
حينها بقينا في صمت و نحن نتناول فطورنا .. فأقطع أنا ذلك الصمت قائلة :
" اليوم سأزور مازن في بيته .. زوجته حامل أخيراً "
صرخ عادل بفرح :" حقاً ؟!! و أخيراً ؟!! بعد مرور ثلاث سنوات من زواجهما .. "
" نعم .. نعم .. "
ثم أخذت غيداء تناقش زوجها في هذا الموضوع فقاطعتهما :" عادل .. كنت أفكر في أمر .. ما رأيك أن نعيد ترتيب غرفة خالد .. من حيث الصبغ و الأثاث .. و كل شيء .. أظن أنك لا ترضى أن ينام ابنك على الأرض .. و لا ترضى أن يمكث ابنك في غرفة أشبه بالكهف المهجور .. أليس كذلك ؟!! "
هز رأسه ايجابياً :" نعم .. "
" حسنٌ .. أنا سوف أختار كل شيء لغرفته .. و سوف نبدأ في صبغ الغرفة اليوم .. "
" نعم .. اتفقنا "
خاطبته :" هناك شيء آخر "
سألني :" ما هو ؟!! "
" سوف أعود لعملي غداً .. "
قال مستغرباً" لمَ العمل عزيزتي ؟!! أنا هنــ.. "
قاطعته :" عادل .. عملي يسليني .. "
" كما تشائين "
ثم نهض خارجاً من المطبخ .. ثم من البيت ..
لحقت به .. وقفت بقرب الباب .. هناك يجلس خالد على الكرسي الأمامي للسيارة ..
ممسكاً بحقيبته السوداء .. التي تحتوي على السكاكين .. و ها هو عادل يصعد السيارة لينطلق بها .. و ها هم الأطفال يخرجون من المنزل متجهين نحو السيارة التي ستوصلهم ..
دخلت البيت و اتجهت نحو غرفتي .. و لبست عباءتي و شالي و خرجت منها متجهة نحو غيداء :
" ألن تأتين معي إلى بيت مازن ؟!! "
ابتسمت :" لمَ آتي .. ؟!! زوجته لا تطيقني .. "
اقتربت منها و ضحكت :" غيداء .. زوجته أيضاً لا تطيقني .. و لكني سأذهب لأجل مازن "
أشارت برأسي بالنفي " لا أتحمل كلماتها الجارحة .. و تعمدها في إحراج الآخرين و قلة أدبها "
" كما تشائين .. "

ثم نهض خارجاً من المطبخ .. ثم من البيت ..
لحقت به .. وقفت بقرب الباب .. هناك يجلس خالد على الكرسي الأمامي للسيارة ..
ممسكاً بحقيبته السوداء .. التي تحتوي على السكاكين .. و ها هو عادل يصعد السيارة لينطلق بها .. و ها هم الأطفال يخرجون من المنزل متجهين نحو السيارة التي ستوصلهم ..
دخلت البيت و اتجهت نحو غرفتي .. و لبست عباءتي و شالي و خرجت منها متجهة نحو غيداء :
" ألن تأتين معي إلى بيت مازن ؟!! "
ابتسمت :" لمَ آتي .. ؟!! زوجته لا تطيقني .. "
اقتربت منها و ضحكت :" غيداء .. زوجته أيضاً لا تطيقني .. و لكني سأذهب لأجل مازن "
أشارت برأسي بالنفي " لا أتحمل كلماتها الجارحة .. و تعمدها في إحراج الآخرين و قلة أدبها "
" كما تشائين .. "
جلست على أحد المقاعد أنتظر عودة السائق .. ليوصلني إلى بيت أخي ..
تذكرت عملي الذي اشتقت إليه .. تصميم الديكور .. الابتكارات و الأفكار .. كم اشتقت لذلك ..
سوف أطبق كل إبداعاتي في غرفة خالد .. ياه .. كم أنا مشتاقة لذلك .. سوف أحضر حاجاتي و أصبغ الغرفة اليوم .. و غداً سوف أبدأ في الأثاث .. سوف أجعل من غرفته رائعة ..
..
رجع السائق .. فنهضت متجهة للسيارة .. صعدتها فانطلقت .. و ها أنا أصل إلى بيت مازن .. أخي مازن .. عمره ثلاثون سنة ..استقبلني هو بحرارة .. و جلس معي في الصالة .. حيث خاطبني :
" تبدين رائعة "
ضربت كتفه خجلة :" كفى .. ذلك يحرجني "
ضحك هو :" لازلتِ طفلة "
خاطبته :" مازن .. هل كانت هواية خالد جمع السكاكين ؟!! "
قال مستغرباً :" و هل هناك هواية كهذه ؟!! "
" لا أعلم .. و لكنه جمع معضم السكاكين في حقيبته المدرسية دون أن يخبرنا "
" خالد فتى غريب ..لقد تغير فجأة من دون أن ندري ما الأسباب و لكني أشك في شيء "
" ما هو ؟!! "
" في أحد الأيام و منذ كان عمره خمس سنوات ..اصطحبته معي إلى زيارة صديقي في إحدى القرى .. مررت أنا و صديقي و خالد في أحد الأزقة المخيفة .. المليئة بالكلاب .. و الرائحة العفنة .. كنت منشغلاً في الحديث مع صديقي .. و لم أكن أنتبه لخالد .. فجأة .. لم أره يمشي معنا .. أخذت أبحث عنه .. عدت إلى بداية ذلك الزقاق .. و عدت أمشي و أبحث عنه .. إلى أن وجدته يجلس بقرب أحد البيوت القديمة المهجورة التي لا يسكنها أحد ..بدا و كأنه رأى شيئاً لم نعلمه إياه من قبل ..كان مصدوماً سارحاً .. أنا أشك أنه رأى قاتل و مقتول .. "
صُدمت :" ماذا ؟!! كيف ذلك ؟!! "
" ذِكرى .. ألا تذكرين خبر مقتل الكاتبة المشهورة " سناء " ؟!! "
" بلى .. لقد رأوها مرمية في أحد البيوت المهجورة .. و لحد الآن لم يكشفوا القاتل الذي قطّعها و عذبها حتى ماتت.. رأيت صورتها في أحد المجلات و هي على هذا الحال ..هناك إشاعة تقول أن القاتل مريض نفسياً "
هز رأسه :" نعم .. ذلك صحيح .. أظن أنه رآها و هي مقطعة هكذا .. "

كان ما يقوله مازن يصدمني .. أمعقول أن أمر خالد خطير جداً .. أي أن هذه الفئة خطيرة لدرجة أن لا أحد يسكن معها في بيت واحد .. أنه طفل و قديظن القتل شيء مسلي .. و قد يكون جمعه للسكاكين أمر لا يسكت عنه .. قد يحاول إيذاءأحد ما ..
رباه .. غيرته من وائل و صفعة غيداء .. و تلك النظرة الغريبة .. هلينوي خالد الانتقام ؟!!
لا أصدق .. يجب أن أقنع غيداء أن تتعاطف مع خالد أكثر ..
بعد سرحاني .. ها أنا صوتاً ما :" ما هذا ؟!! مازن .. أختك لا تسمعني .. "
التفت إليها .. ريما .. زوجة أخي .. تقف أمامي .. :" ذِكرى .. فيمَ تفكرين وأنا أمامكِ ؟!! "
نهضت لأسلم عليها .. فقط لرضا أخي .. :" كيف حالكِ ريما ؟!! مبارك على الحمل .."
" أشكركِ .. ألا تفكرين بإنجاب الأطفال .. فزوجكِ سوف يطلقكأم لم تنجبي له شيئاً "
رمقتها بدهشة و بعتاب :" ريما ألا تعلمين أن ... أن زوجيطلقني و تزوج غيري ؟!! "
أنها تتعمد ذلك .. لا أصدق أن مازن لم يخبرها بعد .. منشدة غضبي استأذنت مازن بالانصراف .. و خرجت غاضبة جداً .. لا أدري ما الذي يعجبمازن في هذه الفتاة .. قبيحة و قليلة أدب .. و الكثير ..
أوصلني السائق بعد ذلكإلى مكتب عملي .. حيث أخذت حاجاتي من صبغ و أدوات رسم على الجدار و غيره الكثير .. ثم عدت للبيت .. خلعت عباءتي و شالي و وضعتها في خزانتي .. ثم اتجهت نحو غرفة خالدحاملة حاجاتي .. و لحقت بي غيداء .. وقفت أنا وسط تلك الغرفة و رفضت غيداء الدخول .. حيث خاطبتني :" أأنتِ متأكدة أنكِ سوف تعيدين صبغ الغرفة و تعديل الأثاث و غيره؟!! ذِكرى .. خالد سيغضب كثيراً "
" نعم .. و الآن لا تشغليني يا غيداء .. "
انصرفت غيداء و بدأت أنا بالخزانة .. فتحتها .. الغبار يخنقني .. ما هذا ؟!! ملابس خالد مغبرة جداً ..
أخرجتها جميعها .. و وضعتها في حقيبة كنت أحضرتها معي .. و بدأت بإخراج الخزانة من الغرفة .. ثم السرير ثم المكتبة .. و بقية الحاجاتالتي لا أجد لها نفعاً .. رميتها في سلة المهملات ..
هكذا أصبحت الغرفة فارغةتماماً.. حان وقت صبغ و تلوين الجدران .. ارتديت الملابس الخاصة لذلك ..
و بدأتفي صبغ الغرفة .. فكرت أن أضيف إلى الغرفة جواً جميلاً .. بوجود لوني ( الأزرق والأصفر ) ..
رسمت بعض الرسومات البسيطة على الجدران..التي تزيد من جمالها ..باللونين ( الأحمر و الزهري )
بعد فترة .. انتهيت من عملي .. وقفت أنظر إليه.. ياه .. عمل جبار .. أستحق عليه الثناء ..
أتمنى أن يعجب خالد بذلك .. و لكن لحظة .. خالد فكره تغير تماماً .. أي أنه بقي يفكر دائماً بالقتل و كيف يحدث .. لم تعدهناك مساحة في عقله ليفكر بأي شيء آخر ..
خالد إنسان خطير يجب ألا أتهاون به .. فهو شهد عملية قتل بشعة .. و ربما اعتبر قاتل تلك الكاتبة مثله الأعلى ..لذلك هوالآن يحتفظ بالسكاكين لكي يقوم بتجربة ..
لا .. رباه .. لا أصدق .. أنه أمر خطيرجداً .. على أسرة فيها خمسة أطفال معرضون للقتل من قبل طفل مجنون .. يا إلهي ساعدني .. أأخبر عادل بما سمعته من مازن ؟!! قد يخبر زوجته .. و زوجته تجهل علم النفس .. الأفضل أن أعالج مشكلة خالد بنفسي ..
خرجت من الغرفة فإذا بالأطفال يدخلون البيتبمرح .. أظن أن خالد عاد ..

ماذا ستكون نظرته لإبداعاتي على جدران غرفته ياترى ؟!!

ركضت متجهة نحو الباب الرئيسي .. لم أجد خالد .. فعدت أسأل الأطفال :" أين خالد ؟!! "
قالت سمية :" لا يريد الركوب معنا .. فتركناه في المدرسة و جئنا "
صُعقت .. صرخت بهم :" تركتموه في المدرسة وحده ؟!! "
هزت سمية رأسها ببساطة و قالت :
" هو من رفض الركوب معنا .. فلم نتعب أنفسنا في إقناعه .. فعدنا "
و قال وائل :" لقد قال أنه سينتظر والدي .. "
صرخت بهم :" أغبياء .. أغبياء .. "
و ركضت متجهة نحو الهاتف .. و أخذت أبحث في دفتر أرقام الهواتف عن رقم مدرسته .. و ها أنا أجده ..فضربت الأرقام بسرعة .. و ها هو أحدهم يخاطبني :
" مرحباً .. هنا مدرسة العدالة الابتدائية .. من المتكلم ؟!! "
قلت بارتباك :" سيدي .. ابني يجلس أمام المدرسة .. هل لك أن تدعني أحادثه؟!! "
( ابني ) .. لم أدري لماذا قلتها .. قلتها بلا شعور .. قد أكون أعتبره ابني .. خاطبني السيد :
" حسنٌ .. هناك فتى رفض الركوب مع إخوته .. و هذا ما جعلهم يرحلون بدونه .. لحظة من فضلك لكي أناديه "
كنت مرتكبة جداً .. و حولي الأطفال يحدقون بي .. و ها هي غيداء تخرج من المطبخ تحادثني :" ذِكرى .. لقـــ... " و لكني أشرت لها أنني لا أريد محادثتها الآن ..
سمعت ذلك الصوت .. كان صوتاً رائعاً بالرغم من جفافه :" نعم "
صرخت بانفعال :" خالد ..!! خالد .. أأنت مجنون ؟!! لم تجلس وحدك في المدرسة هناك .. لمَ لم تصعد مع الأطفال السيارة .. أباك لن يأتي لإحضارك لأنه مشغول .. "
خاطبني بلا اهتمام و لا اكتراث :" أنا لن أصعد معهم .. "
" و الآن ؟!! هل ستبقى وحدك هناك ..؟!! يا لك من عنيد.. حسناً .. يستوجب على السائق أن يأتي لإيصالك مرة أخرى "
و لكنه قهرني بقوله :" لا .. لا أريد الصعود معه .. "
صرخت به :" إذاً ماذا تريد ؟!! "
" سأنتظر والدي "
صرخت بقوة :" أأنت غبي ؟!! والدك مشغول .. ألا تفهم ذلك ؟!! أم عقلك المتحجر لا يستوعب هذه الكلمات أيضاً ؟!"
كنت أريد أن أفرغ شحنة قهر و غيظ و لكنه أقفل المكالمة و هذا ما ثار جنوني ..
نهضت و أنا أردد بغيظ .. :" اللعنة .. كيف خُلقت يا خالد ؟!! "
اتجهت نحو غرفتي و ارتديت عباءتي و شالي .. و خرجت منها .. فخاطبتني غيداء باستغراب :" إلى أين ؟!! "
خاطبتها بنفاذ صبر :" يستوجب علي الذهاب لإرجاع ابنكِ الغريب العجيب "
قالت مستغربة :" و هل لديك رخصة قيادة ؟!! "
ابتسمت :" منذ زمن بعيد .. لم أكن أتوقع أنني سأحتاج لها .. "

خرجت من المنزل و أخذت مفاتيح السيارة من السائق .. ثم صعدتها ..ياه .. كم اشتقت لقيادة السيارة ..قدت السيارة بحذر شديد .. لا أخفي عليكم ..لازلت أخاف قيادة السيارة .. قدتها بحذر حتى وصلت لتلك المدرسة .. هبطت من السيارة ..
كان خالد يجلس على عتبات مدرسته يضم بيديه تلك الحقيبة و يراقب الحمام التي بقربه ..
شعرت بغيظ .. ألا يفهم هذا الفتى ؟!! حسنٌ سوف أريك يا خالد .. اتجهت نحوه .. صرخت به :" خـــــــالــــد "
تطايرت الحمام مفزوعة .. أما هو لم ترتعش منه شعرة .. رمقني بتلك النظرة مجدداً و هذا ما ثار غضبي .. فسحبته من قميصه .. فقطب هو حاجبيه :" لن أصعد مع أحدٍ غير أبي "
صرخت به :" بل ستصعد معي رغماً عنك .."
الجميع آنذاك ينظر تجاهنا ..فعلاً ..خالد سبب لي نوبات جنونية .. عنيفة أيضاً .. و لازال يرمقني بتلك النظرة .. جررت هذا العنيد الغريب من قميصه إلى السيارة ..أرغمته على صعود السيارة ..ثم صعدتها أنا من جهة مقعدي ..
قبل أن أنطلق بالسيارة خاطبته بغضب : " أيعجبك أن أجرك هكذا أمام الناس ؟!! "
كان صامتاً .. بل كان لا ينظر لي .. قد أكون أخطأت في حقه ..يا لي من مجنونة ..من يرضى أن يهان أمام الناس ؟!! رباه .. لقد ظلمته .. شعرت بالندم ..خاطبته أكثر لطفاً :
" خالـــــد "
لم يلتفت لي .. و لم ينظر لي .. رباه يا لي من قاسية .. لم أفكر أنه قد يكون حساساً أكثر من بقية الأطفال .. لم أفكر إن ما قمت به قد يؤثر على نفسيته .. مددت يدي و أخذت أعبث بشعره الأسود الكثيف .. لكنه بدا غاضباً مني .. أنه لا ينظر لي .. سحبت يده و ضممته إلي حجري بحنان .. علي أن أعوضه حنان أمه .. لا أزيد قسوتها ..
مسحت شعره الكثيف .. قد يكون لأول مرة يحظى على حضن دافئ يضمه ..قبلت رأسه و خاطبته بلطف :
" عزيزي .. أتمنى ألا أراك تكرر هذه الحركة التي تغيظني .. أهذا مفهوم ؟!! "
هزّ رأسه لأول مرة بالموافقة .. كنت أظنه رأس العناد و رأس التمرد و التضاد ..و لكن ليس هناك فتى هكذا .. إلا إذا كان خالد هو الأوحد في العالم هكذا و أنا من غيرته ..أكون قد أنجزت عملاً جباراً .. أستحق عليه الثناء و المدح و الشكر ..قدت السيارة .. فنظر إلي .. همس مستغرباً :
" أتجيدين قيادة السيارة ؟!! "
ضحكت :" نعم .. و هل ذلك لا يناسبني ؟!! "
صمت هو .. فخاطبته :" لدي مفاجأة لك "
نظر إلي مجدداً .. فقلت أنا :" سوف تراها عندما نصل للبيت "

و عاد يصمت و هو يضم بيديه حقيبتهالسوداء .. التي تحتوي على السكاكين ..و عندما وصلت للمنزل نزلت من السيارة و نزلهو أيضاً .. ضاماً بيديه تلك الحقيبة ..وضعت ذراعي على كتفه بلطف و مشيت معه إلىداخل المنزل ..حيث اتجه هو نحو غرفته .. فلحقت به .. فتح هو باب غرفته ..
و بدتملامح الدهشة على وجهه عندما رأى ما صبغته أنا على جدران غرفته ..رمقني بنظرته تلك :
" من فعل بغرفتي هكذا ؟!! "
ابتسمت :" أنا .. ألم يعجبك ؟!! "
تقدم هوخطوتين للأمام و أخذ يحدق في الغرفة ..ثم خاطبني :" لمَ فعلتِ هذا ؟!! "
" لأنيلا أرضى أن تكون غرفتكِ عادية .. و أنت لست عادي "
أخذ يرنو إلي .. ثم خاطبني :" و أين حاجاتي ؟!! "
ابتسمت :" و هل تسميها حاجات ؟!! كلها خردة مغبرة .. "
رمقني مقطباً حاجباه .. ثم قال غاضباً :" لا تقولي أنكِ ........ "
قاطعته :" لا .. لم أرمها .. بل وضعت كل شيء في المخزن "
ثم ابتسمت :" و لكني سوف أغيرلك كل شيء .. "
و أشرت إلى تلك الحقيبة السوداء التي بحوزة يديه :" حتى هذهالحقيبة "
رمقني بنظرته تلك و ضغط بأصابعه على حقيبته :" إياكِ و لمسها "
يبدو أنه لا يريد مني معرفة ما بداخل حقيبته .. مسكين يا خالد .. لقد علمت ومنذ زمن بعيد ..
..
و في وقت الغداء .. رفض خالد تناول الغداء مع الجميع .. لذلك .. تركته يتناول غداءه في غرفتي ..
و جلست أنا معه أحادثه :" خالد .. لمتحدثني من قبل عن دراستك ؟!! "
رمقني بنظرته تلك :" لا حاجة لذلك "
يبدو أنهلا يطيق الحديث عن الدراسة ..خاطبته :" أتحب أخيك وائل ؟!! "
حملق بي طويلاً .. ثم نهض تاركاً طعامه .. و خرج من الغرفة ..
ما معنى ذلـك يا ترى ؟!!..

وفي وقت النوم .. وقف عادل وسط الأطفال ..:
" اليوم .. خالد لا يستطيع النوم فيغرفته لأن جدرانها مصبوغة .. من منكم يستقبله فيه غرفته "
صمت الأطفال جميعاً .. دلالة على الرفض التام .. حيث قال عادل :
" حسناً وائل سوف يستقبله في غرفته .. أليس كذلك يا عزيزي ؟!! "
صرخ وائل :" لا!!. لا يا أبي .. لا أريد النوم معه "
نظر إلي عادل يستجديني .. ثم خاطب إياد مبتسماً :" آه .. إياد سوف يستقبله .."
صرخ إياد بغضب :" و من قال ذلك ؟!! "
حملق عادل بالأطفال و هو محتار .. حيث خرج خالد من الحمام .. خاطبته أنا :
" خالد .. سوف تنام معي اليوم بينما يجفصبغ غرفتك "
رمقني بنظرته تلك و اتجه نحو المخزن ليبحث عن ملابس نومه ..
أماعادل فابتسم في وجهي ابتسامة شكر و امتنان ..


تحيااااااااااااااتي محب ال البيت

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-07-2007, 12:08 AM   رقم المشاركة : 8
جبرني الوقت
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية جبرني الوقت
 







افتراضي رد: جنون خالد

مشكور اخي

ننتظر منك البغيه

الله يعطيك العافيه

تحياتي

 

 

 توقيع جبرني الوقت :
رد: جنون خالد
جبرني الوقت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 19-07-2007, 07:35 PM   رقم المشاركة : 9
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

اسف على التاخير وعشانكم راح احط جزئين
.................................................. .................
دخلت حمام غرفتي لأغير ملابسي .. بملابس النوم .. و بعد ذلك خرجت لأرى خالد مستلقٍ على سريري .. التفت لي فابتسمت في وجهه .. و اقتربت منه و قلت ضاحكة :
" ألا يوجد مكان لأستلقي أنا ؟!! "
تنحَ خالد قليلاً تاركاً لي مجالاً .. فاستلقيت بجانبه و الفرحة تغمرني .. شعور رائع .. أنه الشعور بالأمومة .. و لكنه يمتزج بالخوف .. فأنا سأنام مع طفل عقله ملوث .. قد يجرب قتلي .. !! حيث خاطبني خالد بهدوء :" ما معنى القتل ؟!! "
أخذ قلبي يقرع كطبل إفريقي ..أنه يفكر بذلك إذاً .. و ها هي الحقيبة السوداء بقرب السرير .. إذاً .. أنه يخطط لقتلي حقاً .. و قد جهز كل شيء .. رباه .. لماذا تركته يدخل غرفتي و يستلقي على سريري ؟!!
أجبته :" هل تعرف الموت عزيزي ؟!! "
هزَّ رأسه ايجابياً .. فقلت أنا :
" القتل هو أن يجبر إنسانٌ إنساناً على الموت .. قد تكون الوسيلة السكين أو المسدس أو أي شيء يؤدي إلى الموت .. و هذه جريمة يعاقب عليها القاتل في الدنيا و في الآخرة .. "
حدق بي :" و ما هو عقاب الدنيا و الآخرة ؟!! "
" في الدنيا العقاب هو السجن .. أو القتل نفسه .. أما الآخرة .. هناك عواقب كثيرة و قاسية .. لذلك الجميع يتجنب القتل .. لأنه بشع "
حدّق بي طويلاً ..
ثم اقترب مني و أسند رأسه على صدري و أمسك بذراعي و همس :
" أرجوكِ .. سامحيني إذ فعلتُ مالا يرضيك .."
شعرت بالسعادة .. فحضنته في حجري .. رغم أني لم أفهم ما قاله جيداً ..
بعد ذلك أغمض هو عيناه .. أظنه نام .. فنمت أنا بسلام ..
---
أحسست بضجة .. ففتحت عيني .. خالد ليس على السرير .. نظرت إلى الساعة .. الثانية و النصف صباحاً ؟!! أين ذهب ؟!! نزلت من السرير .. فرأيت الحقيبة السوداء مفتوحة و السكاكين حولها مبعثرة
و ضجة مزعجة في الخارج .. ماذا هناك ؟!! ما الذي حدث ..؟!!
خرجت من الغرفة .. فإذا بالجميع بقرب الباب الرئيسي للبيت .. و الجميع متوتر .. غيداء و ابنها وائل يبكيان ..و عادل في صمت غريب ..اقتربت منهم .. خاطبت عادل باستغراب :" ما الذي حدث ؟!! "
أشار هو إلي زوجته غيداء .. فنظرت إليها .. يا إلهي ما هذا ؟!! هي ممسكة بإبنها وائل .. و هو يبكي بألم ..وجهه مملوء بالخدوش .. و قميصه مخضب بالدم .. رباه ..!!
اقتربت منه .. و صرخت بغيداء :" ماذا حدث ؟!! "
نكست هي رأسها ثم رفعته .. و فتحت أزرار قميص ابنها فكشفت لي جرحاً غزيراً في صدره ..
صرخت بها :" ما هذا ؟!! ما الذي حدث ؟!! "
حيث صرخ بي وائل و دموعه تتهاوى على وجنتيه :" كله بسبب ذلك المجرم .. خالد "
صُدمت .. خالد ؟!! أيمكن أنه كان يخطط لقتل أخيه لا أنا ؟!! صرخت بعادل :" أين خـالد ؟!! "
" خرج من المنزل قبل أن نمسكه .. "
صرخت بانفعال:" و لمَ تقفون مكتوفي الأيدي ؟!! فلنبحث عنه "
ثم انطلقت أنا نحو غرفتي .. و لبست عباءتي و شالي و خرجت متجهة نحو غيداء التي تجهزت هي الأخرى و ها هو عادل يمسك الطفلتين سمية و مروة خوفاً عليهما و غيداء تمسك بابنها وائل .. و أنا أمسكت بالطفلين سالم و إياد .. ثم خرجنا و قلوبنا تنبض معاً .. رباه .. هل سنجد خالد ؟!!
مشينا معاً رافضين الفراق .. لكي لا يتهجم خالد علينا فجأة .. فلا نستطيع صدّه ..
أصبحنا جميعنا نخشى طفلاً .. يال سخرية الزمــن ..بينما كنا نبحث عنه .. صرخ عادل :
" خالد أيها الحقير "
تلفتتُ يمنة و يسرة .. أين هو خالد ؟!!
آه أنه .. أنه هناك .. كان يجلس بقرب أحدى الأشجار .. و ما إن رآنا حتى نهض هارباً ..
ركضنا جميعاً خلفه .. و عادل يركض بكل سرعته .. حتى تعرقل خالد و هوى على الأرض ..
و انقض عادل عليه .. و أخذ يبرحه ضرباً :" أيها الحقير .. كيف تجرؤ ؟!! "
شده من قميصه و جره حيث المنزل .. كانت له نظرة بائسة حقاً .. و حزينة .. ألهذا كان يقول لي :
" أرجوكِ .. سامحيني إذ فعلتُ مالا يرضيك .." ؟!!!
في البيت .. لم أتحمل رؤيته على هذا الحال .. داسوا جسده و حطموا عظامه ..
كله بسببي .. نعم .. لأني أنا من أبقيت السكاكين في حوزته .. و هذه النتيجة المؤسفة ..!!
تفطر قلبي عند رؤيته .. فركضت نحو غرفتي و أقفلت من ورائي الباب رامية بجسدي على سريري ..
ألم أُفهمك أن القتل بشع ؟!! و له عواقب دنيا و آخرة ؟!! أم أنك لم تقتنع بذلك بعد ؟!! رباه ..
أكملت نومي و قلبي لازال ينبض لخالد .. و ذهني لازال منشغل بخالد ..
و في صباح اليوم التالي .. نهضت لأذهب لعملي ..
فلم أنسى أنني سوف أعود له اليوم ..خرجت من غرفتي بعدما تجهزت للذهاب للعمل .. لحظة !! البارحة !! أين نام خالد بعد ارتكابه جريمته تلك ؟!! اتجهت نحو غيداء التي تجهز وائل للذهاب للمدرسة رغم إصابته ..
سألتها :" أين خالد ؟!! "
بدت منزعجة لسؤالي .. ثم قالت :" نام في المخزن بعدما أبرحته ضرباً "
صرخت :" أهو في البيت ؟!! "
" نعم و لن يذهب للمدرسة اليوم "
و ركضت نحو المخزن و خلفي ركضت غيداء ..مددت يدي لمقبض باب المخزن ..
حاولت فتحه .. مقفل !! نظرت لغيداء .. :" أقفل الباب "
و لكنها أخرجت من جيبها مفتاحاً و قالت باسمة :" بل أنا من حبسته هنا "
حبسته !!؟!! ما معنى ذلك ؟!! سحبت من يدها المفتاح و أسرعت في فتح الباب ..
ما هذا ؟!! خــــــالد ..!! بين الحاجات المغبرة نائم ..و كدمات واضحة على وجهه و ذراعيه ..
خاطبت غيداء بغضب :" فسري لي هذا "
قالت ببساطة :" صباح هذا اليوم استيقظت مبكراً لأضربه و أحبسه هنا فقط .. بصراحة كنت غاضبة منه و أمر ابني وائل أحزنني .. فأنا أرى أن خالد أشبه بالمجنون .. ما دافعه لإيذاء ابني ؟!! "
صرخت بها :" و لمَ تحبسينه هكذا ؟!! "
" أنه مجنون .. سأبقيه في المخزن إلى أن يتفرغ عادل لإيصاله إلى إحدى العيادات النفسية .. فأنا أخاف على الأطفال .. و على نفسي .. و لا شك أنكِ تخافين على نفسكِ منه "
سحبت مني المفتاح .. و أقفلت به الباب .. ثم مشت نحو الأطفال ..ألا تملكين قلباً حنوناً يعطف على خالد مثلما يعطف على وائل ؟!! خرجت من المنزل .. متجهة نحو عملي .. كنت مشتاقة إليه كثيراً ..
و ها أنا أجلس على مكتبي و أبدأ بعمل بسيط .. و الفرحة تغمرني ..جميع زميلاتي سلمن علي .. فهن لم ينسياني .. و ها هو أول زبون يصل لي .. وقفت لأستقبله .. لحظة !!

أليس هذا الرجل هو ..!! هو .. مروان .. طليقي ؟!!رباه .. ماذا عساي أن أفعل ؟!!
كان يبتسم في وجهي .. جلست على مقعدي ..و عاملته كزبون عادي:" أي خدمة .. سيدي ؟!! "
جلس هو على أحد المقاعد .. و هو يبتسم :" ذِكرى .. أنا أريدكِ أن تعودي لي "
رفعت حاجباي تعجباً :" و زوجتك الجديدة ؟!! "
" سوف أطلقها ما إن تقبلين بالرجوع إلي .. ذِكرى .. أنا لا أستطيع العيش بدونكِ "
ضحكت و قلبي يتفطر حزناً :" لا فائدة .. فأنا لن أغادر بيت أخي لأجلك "
نهض هو و عيناه تحدقان بي .. تترجياني !! إذ كنت لا تستطيع العيش بدوني .. لمَ تزوجت ؟!!مشى و هو يجر أذيال الخيبة .. لا أستطيع أن أعود لأن كرامتي تمنعني ..
في هذا اليوم أحسست نفسي عاملة ممتازة .. عملت جيداً حتى أُرهقت ..لذلك نهضت حاملة حاجياتي لأكمل عملي في المنزل .. عدت للمنزل في وقت عودة الأطفال من المدرسة .. و ها هي سمية تمسك بيدي :" أين ذهبتِ ذكرى ؟!! "
ابتسمت :" ذهبت إلى عملي .. مثلما يذهب عادل لعمله "
استغرب سالم :" و هل تعملين أنتِ أيضاً ؟!! "
" نعم .. و هل ذلك لا يناسبني ؟!! "
ضحك وائل ( المصاب ) :" لا يناسبك .. "
مشيت مع الأطفال نحو البيت .. و ها هو إياد ينفرد عن المجموعة راكضاً نحو غيداء التي كانت تقف أمام البوابة .. أمسك بيدها :" ما هو طعام الغداء اليوم ؟!! "
ضحك سالم :" و لمَ تسأل ؟!! بما أنك تلتهم كل شيء "
ضحكنا جميعاً و احمرت وجنتا إياد خجلاً .. و ها هي غيداء تقول :" اليوم غداءكم لذيذ .. "
تحمس الجميع و تراكض إلى داخل المنزل و غيداء تضحك لمرح الأطفال الزائد عن حده ..
فاقتربت منها .. و خاطبتها بهدوء و بجدية :" ألا تتمنين أن يكون ابنك خالد مثلهم ؟!! "
رمقتني بنظرة حادة ثم تبعت الأطفال نحو المطبخ ..و تبعتها أنا و خاطبتها:
" غيداء !! أين مفتاح المخزن؟!!"
تولت..فأمسكت يدها:"سوف تسوء حالته النفسية إذ بقيتِ تعاملينه كالمجنون "
" ما شأنكِ أنتِ ؟!! أنه ابني و ليس ابنك .."
" سوف أخبر عادل "
" أنه يعلم بذلك .. بل شكرني على تصرفي هذا "
معقول ؟!!

دخلت غرفتي .. خلعت شالي و عباءتي ..ثم ألقيت نظرة على الحقيبة السوداء ..
اقتربت منها .. و جمعت السكاكين فيها و وضعتها في خزانتي ..ثم استلقيت على سريري .. خـالـد .. و مروان .. أنكما تحيراني ..سمعت طرقاً على الباب .. فهتفت :" أُدخل .. "
كان هو أخي عادل .. نهضت .. و اتجهت نحوه و خاطبته بعتاب :" أرأيت ما فعلته غيداء بخالد ؟!! "
هزَّ رأسه ايجابياً .. فصرخت :" و هل ذلك يعجبك ؟!! "
تنهد :" عزيزتي ذكرى .. إن لم يُعاقب خالد .. سوف يظن أن ما يقوم به هو الصواب "
صرخت :" و لكن ليس لدرجة أنكم تحبسونه في غرفة مغبرة .. "
" اتفقت مع مازن أنه يأخذ خالد ليعيش معه في بيته إلى أن تلد زوجته "
حملقت به بدهشة .. فأكمل :
" و هكذا خالد إذ لم يعتد على الأفراد و البيت لن يقوم بأي حماقات "
كانت فكرة معقولة .. فهززت رأسي موافقة .. رغم أني سأفترق عن خالد !!
---
و في وقت العصر .. ها هو عادل يقف معنا جميعاً أمام المخزن لفتح الباب .. و مازن جاء أيضاً لأخذ خالد لبيته .. فتح عادل الباب بالمفتاح بكل هدوء .. و ها نحن نطل برؤوسنا على الغرفة ..
كان خالد كما كان ..يرمي بجسده على تلك الحاجات المغبرة .. و مرهق لدرجة لا تتصور..كان مستيقظاً.. بل كان يرمق الجميع بنظرته تلك .. كان الأطفال في خوفٍ شديد .. وَجّه خالد نظرات كالسهام لأخيه وائل ..و غيداء القاسية تقف بجانبي دون أن يرأف قلبها بابنها .. و مازن لازال ينظر لخالد بنظرة طويلة .. و يهمس في أذني :
" لقد بالغتم في عقابه "
اقترب عادل من ابنه و خالد ينظر لأبيه بصمت ....بدت في نظرة عادل شيء من الندم عندما رأى آثار الضرب على جسد خالد الواضحة .. اقترب عادل أكثر من خالد ..ثم أمسك عادل بكتفي ابنه و قال :
" خالد .. ستعيش من الآن فصاعداً في بيت عمك مازن .. أفهمتَ ؟!! "
حملق خالد بمازن طويلاً .. ثم هزَّ رأسه مستسلماً ,. و خاضعاً للواقع ..نهض هو و أمسك بيده مازن .. و اتجها نحو سيارته خارجان من المنزل ..
بقي عادل يلقي نظراته الأخيرة على أبنه .. و غيداء أخذت تجر حقيبة ابنها .. ثم ناولتها مازن .. ليضعها في صندوق السيارة ..
نظرت أنا لخالد الجالس على الكرسي الأمامي و هو غارق في السرحان .. ترى .. فيم يفكر ؟!!
ها هو مازن يصعد مقعده و ينطلق بالسيارة .. أخذت أراقب تلك السيارة التي ترحل عنا حاملة معها طفلاً .. لم أكن أتوقع أني سأفارقه يوما ما .. و لكني أستطيع زيارته بين الحين و الآخر ..
عدت للبيت .. و ذهني منشغل بذا الذهن الشارد .. خــالـــد .. أتمنى أن تكون بخير هناك ...
جلست في الصالة مع الجميع .. حيث كان الأطفال ينجزون وظائفهم المدرسية ..
وضعت حاجاتي على إحدى الطاولات و بدأت في عملي .. حيث سألني إياد :
" و هل يجب عليكِ حل وظائفكِ أيضاً "
ابتسمت :" نعم "
و ها هو وائل يقهرني بقوله :" ياه .. ما أحلى الحياة بدون خالد "
ضحكت غيداء .. و هذا ما ثار غيظي .. صرخت بها :
" تضحكين ؟!! .. لأن خالد ابتعد عنك تضحكين ؟!! أنكِ لستِ أماً.. بل لا تملكين ذرة من مشاعر الأمومة .. "
حملقت هي بي باستغراب .. ثم نهضت غاضبة نحو غرفتها .. حيث خاطبني عادل بعتاب :
" ما بكِ ذكرى ؟!! ألا يحق لها أن تضحك لأنها أخيراً شعرت بالراحــة ؟!! "
صرخت :" الراحــة ؟!! الأم تفضل التعب لأجل أبناءها على أن ترتاح منهم "
أي قلوبٍ هي قلوبكم ؟!! لمَ هي قاسية على هذه الفئة المسكينة من الناس ؟!
---
في وقت المغرب .. أزعجنا رنين الجرس .. من الذي يقرع الجرس كالمجنون هكذا ؟!!
نهضت سمية و ركضت لتفتح الباب .. و ما إن فتحته ..حتى تدافع حشد كبير من الأطفال إلى الداخل ..ربــاه .. من هؤلاء ؟!! ها هي غيداء تخرج من غرفتها و الابتسامة مرتسمة على شفاها ..
أخذ الأطفال يركضون في أرجاء المنزل كالمجانين .. حتى دخلت امرأتان .. آه ..أظن أنهما شقيقتان غيداء .. و هذا الحشد الكبير هم أطفالهما ..
اقتربت غيداء من شقيقاتها .. و سلمت عليهما .. و الفرحة تغمرها :" مرحبا .. مرحبا .. تفضلا "
جلست الاثنتان في الصالة .. فسلمت أنا عليهما .. و جمعت حاجاتي متجهة نحو غرفتي..
و لكن ذلك الحشد من الأطفال يلاحقني .. التفت لهم باسمة :" مرحباً بكم .. "
و لكنهم أفزعوني بصرخاتهم :" أريد حلوى " ..، " مرحباً ... مرحباً " ..,, " أنا أسمي نهلة "
أشرت أنا بسبابتي إلى إياد :" أنظروا .. إياد يحمل حلوى "
و انطلق الأطفال نحوه و أنا فررت نحو غرفتي .. ربــاه .. أيوجد أطفال بهذا الشكل ؟!!
ربما اعتدت أنا على صمت و جمود خالد و لم أعتد بعد على مرح و إزعاج الأطفال ..

----
و بعد مرور عدة أيام .. شعرت بالحنين إلى خالد فقررت زيارته في منزل مازن ..خرجت من عملي تمام الساعة العاشرة صباحاً .. صعدت السيارة و قدتها بنفسي .. و مررت بمحل لبيع الساعات .. وددت لو أشتري ساعة لخالد هدية له .. و لكن .. هل يفضل لبس الساعات ؟!! أم ذلك يزعجه ؟!!
اخترت له ساعة كحلية اللون .. و تناسب بياض معصمه .. وضع البائع الساعة في صندوق فاخر .. ثم في كيس صغير .. يسع حجمها ..و ناولني إياه .. فحملته و ركبت السيارة مرة أخرى و قدتها متجهة نحو منزل مازن ..و هناك استقبلني مازن بحرارة كعادته ..
حيث خاطبته قبل أن أجلس في الصالة :" أين هي غرفة خالد ؟!! "
أشار هو إلى غرفةٍ في الطابق الثاني منعزلة عن بقية الغرف .. حيث انطلقت نحوها بكل سرعتي .. و أسرعت في فتح البـــــاب .. كانت هناك ريما تقف أمام خالد .. يا له من وجه رائع .. كم اشتقت إليه .. كان يحدق بريما.. و ريما تقف أمامه و يال دهشتي كانت تصرخ في وجهه :
" لمَ كل هذه الفوضى ؟!! كم شعرت بالندم لأني قبلت أن تأتي لتعيش معنا .. "
شدت قميصه بعنف :" انهض و رتب الغرفة و إن لم تفعل ذلك .. سأرميك في الشارع .. أفهمت ؟!! "
شعرت أنها ستخرج الآن من الغرفة .. فابتعدت عن الباب .. لا أريدها أن تراني ..
ها هي تخرج متجهة نحو زوجها :" مازن .. عليك أن تعيده إلى أهله .. فلم أعد أطيق وجوده "
يا لك من متوحشة ..!! و عنيفة .. كيف ستربين أبنائك إذ كنتِ قاسية هكذا ؟!!
دخلت أنا الغرفة بسرعة .. حيث كان مستلقٍ على سريره و هو يسند يديه خلف رأسه ....فركضت نحوه ، هتفت :" خــالــد .. اشتقت لك عزيزي "
حدق بي .. و كأنه لم يستوعب بعد حضوري ..ضممته إلى حجري :
" هل أنت بخير ؟!! هل أنت سعيد هنا ؟!! هل أنت مرتاح ؟!! "
حدق بي ثم همس :" أنا لا أريد البقاء .. خذيني معكِ ..!! "
كان ما قاله فطّر قلبي .. كنت سأقول له :" لو كنت تعلم كيف فرحت أسرتك لبعدك عنها "
ضممته إلى صدري .. مسحت شعره .. لم أدري ما الذي يمكنني أن أقوله له ..
كانت له نظرة مليئة بالعتاب لي .. ثم تنهد و همس :" تلك المرأة تضربني .."
صرخت :" أهي ريما ؟!! ماذا فعلت بك "
نكس رأسه ..فقدمت له ذلك الكيس الصغير .. و كأنني أقول له :" أعذرني .. "
تناوله من يدي .. و خاطبني :" ما هذا ؟!! "
ابتسمت في وجهه .. :" هديــة بسيـــطة ..!! "
بدا متردداً في رؤية ما في الكيس .. ربما لأول مرة يحظى على هدية ..
أخرجت أنا الصندوق من الكيس .. و فتحت الصندوق و نزعت الساعة الكحلية منه ..و ألبست خالد إياها .. و ضحكت بمرح :" ما رأيك فيها ؟!! "
حدّق بي .. ثم همس و هو ينظر إلى الساعة التي بيده :" أهي لي حقاً ؟!! "
ابتسمت :" طبعاً "
مسح هو الساعة و لأول مرة أراه فيها يبتسم .. لقد ابتسم ..
يا إلهي لا أصدق .. خــالــد ؟!! يبتسم ؟!! كان رائعاً بابتسامته تلك .. فرحت كثيراً ..
" رائعـة "
هذا ما قاله ..!!
فرحت كثيراً .. لا أصدق أن خالد .. و أخيراً ..يعجب بشيء .. لطالما كان ينزعج في أمور كثيرة ..أنه عمل أستحق عليه الثناء و الشكر ..أتمنى أن تدوم هذه الابتسامــة الرائعة ..!!
بعد ذلك عدت للمنزل بعد ذلك و كلي سعادة و فرح .. يا إلهي .. كم أنا سعيدة ..
رميت بنفسي على الأريكة و ها هو عادل يخرج من المطبخ يخاطبني :"ما بال الذكريات سعيدة هكذا ؟!! " ..
أنه يقصدني .. ابتسمت .. بل ضحكت :" اليوم زرت خــالـ.... .. "
صرخ بي غاضباً :" زرتِ خالد ؟!! ألم نتفق على أن لا نزوره ؟!! لماذا تخالفيني ؟!! "
حملقت به باستغراب .. قلت بارتباك :" عادل .. ما الذي تقوله ؟!! عن أي اتفاق تتحدث ؟!! "
اقترب مني و شد شعري .. رباه لأول مرة يفعلها عادل .. صرخ بي :
"نحن نخطط لتهذيب خالد و تأديبه و أنتِ تفسدين كل شيء بعطفكٍ و حنانكِ "
و صرخ :" إلى أن تلد زوجة مازن .. لا أريد منكِ زيارته .. أو حتى الاتصال به .. أفهمتِ ؟!! "
هززت رأسي بخوف .. فمشى هو نحو غرفتــه ..
رباه ..!! خلال تسعة أشهر لن أزور خالد و لن أتصل به ..؟!!
كيف لي تحمل ذلــــك ؟!!

و في صباح يوم آخر .. أيقظني صوت هاتفي معلناً أن هناك رسالة تنتظرني ..تناولت الهاتف .. كان المرسل هو مروان .. ما الذي تريده أيضاً مني ..؟!! كتب هو في الرسالة التالي :
" ذِكرى .. تأكدي أنكِ لم ترحلي مع الذكريات .. أنك في القلب مدى العمر ..
ارجعي لزوجك .. فليست هناك فتاة في الدنيا تغنيه عنكِ ..
( أنتظرك في مكتبك ! )
المرسل : مروان "
أنه محتال و لن أدع قلبي يعطف له .. ينتظرني في مكتبي ؟!!
حسناً .. لن أذهب للعمل اليوم .. و سنرى ما الذي ستفعله يا مروان ..
---
نهضت من سريري و اتجهت نحو الحمام .. فغسلت وجهي .. ثم اتجهت نحو غيداء ..
التي كانت تجلس في الصالة تشاهد أحد البرامج في التلفاز .. جلست بجانبها و خاطبتها :
" هل ذهب الأطفال لمدارسهم ؟!! "
" نعم ذهبوا .. "
كنت أريد محادثتها عن مروان و لكني كنت مترددة .. أخذت نفساً عميقاً ..
و نكست رأسي و خاطبتها :" أتعلمين ؟!! مروان يقول لي أنه يريد أن أعود له "
حدقت بي :" و أين ترينه ؟!! "
" في عملي .. "
حملقت هي بي .. ثم قالت:" بصراحة أنا لا أرى سبباً مقنعاً لفراقكما "
صرخت بها :" لقد تزوج فتاة لا أطيقها أنا .. أليس هذا سبباً يستحق طلاقي منه ؟!! "
نكست رأسي .. :" و الآن يعود ليقول لي أنه سيتركها ما إن أرجع له "
صرخت هي بفرح :" حقاً ؟!! ما حجتك الآن ؟!! عودي له و أقهري تلك الفتاة "
صرخت بها :" و كرامتي ؟!! "
نكست رأسي و قلت بغضب :
" بالأمس يتزوج فتاة يعلم أني لا أطيقها .. و اليوم يريد رجوعي ؟!! أنه يحلم بالتأكيد .."
أمسكت غيداء كتفي .. و همست :" ذِكرى .. أنه يريد أن يكون أباً .. و هذه أمنية كل رجل .. "
صرخت بها :" و لماذا يتزوجني من الأساس ؟!! "
نظرت إلي باسمة .. و قالت بكل هدوء :" ألا تعلمين لماذا ؟!! ... أنه الحب يا ذكرى "
حدقت بها .. ماذا تقول هذه المرأة ؟!! .. لا أصدق ..
----
مرت سبعة أشهر مليئة باتصالات و مضايقات مروان .. فلم أهنأ يوماً بالراحة .. أهذا الحب حقاً ؟!!
في أحد الأيام اتصل بي ليقول :" ذِكرى .. عودي لي أرجوكِ "
" أنت تحلم .. إذ لم تترك تلك الفتاة لحد الآن .. كيف تريد مني الرجوع إليك "
صمت قليلاً .. ثم قال :" ذِكرى .. لا أستطيع أن أطلقها لأنها .. لأنها حامل "
صرخت به :" و هل تريدني أن أعود لك بعد هذا الحديث ؟!! "
..
تكررت اتصالاته و تكرر حديثه عن هذا الموضوع .. ألا يمل هذا الرجل ؟!!
إلى أن طفح الكيل فأخبرت عادل بالأمر .. :
" عادل .. مروان يضايقني باتصالاته .. تخيل أنه ينتظرني في عملي ليعيد حديثه الممل ذاك "
قال بعزم :" حسنــاً .. سوف أتصل به اليوم .. "
..
و ها هو يعود لي في المساء ليخبرني أن كل شيء انتهى ..
بمجرد أنه أخبره أني أصبحت أكرهه ..
و هذه هي الحقيقة ..!!

تمام الساعة الثامنة ليلاً .. كنت جالسة في الصالة أقرأ بعض المجلات .. و الأطفال يلعبون مع أبناء أخوات غيداء .. كانوا مزعجين و كثر .. فلا أستطيع السيطرة عليهم .. ذاك يصرخ .. ذاك يكسر .. ذاك يضحك .. ذاك يبكي .. ربــاه .. رأسي يكاد ينفجر .. إلى أن خرجت شقيقة غيداء ( هناء ) من المطبخ .. و جلست بجانبي و أخذت تصرخ بأبنائها :
" نهلة لا تضربي أختكِ .. ماجد .. لا تعبث بالزهرية .. ليلى .. تعالي و اجلسي بجانبي.." أتت تلك الصغيرة وجلست بجانب أمها .. حيث خاطبتها أنا :
" كم عمــــــركِ يا صغيرة ..؟!! "
أجابتني :" خمس سنوات "
" و كم هو عمر أختك نهلة ؟!! "
" نهلة السمينة عمرها سبع سنوات و ماجد عمره ست سنوات .. أنا أصغرهم "
ضحكت :" و لمَ تسمين نهلة سمينة ؟!! "
" لأنها سمينة و تضربني دائماً "
ضحكت .. و خاطبت هناء :" يا لها من لطيفة و جميلة "
حيث بقي سالم وسط ثلاث فتيات ..بنات شقيقة غيداء الأخرى ( هيفاء ) و هن: منى عمرها سبع سنوات و سارة عمرها ست سنوات و الصغيرة أروى عمرها خمس سنوات .. فأي منهن يعجب سالم إذ كان عمره ثمان سنوات و إياد عمره تسع سنوات ؟! .. و هل ترى ابن هناء ( ماجد ) يعجب بسمية إذ كانت أكبر منه بسنة واحدة ؟!! أظن أنه سيعجب بمروة .. لأنها في عمره تقريباً .. و هل سينال وائل إعجاب الفتيات ؟!! .. أظن ذلك .. لأنه أكثر وسامة و أناقة من بقية الفتيان ..
و لكن إذ كان خالد هنا .. هل سيحظى اهتماماً من هذا الجيش من الفتيات .. ؟!! لا .. لا أظن ذلك .. ربما يخيفهن بنظرته تلك ..
لحظة .. أخبرني مازن منذ ثلاثة أيام أن زوجته أنجبت طفلة .. لقد وضعت مبكراً ..
و لكن .. خـالـد .. اشتقت له .. منذ شهور عديدة لم أره و لم أسمع صوته و لم أسمع خبراً واحداً عنه .. نعم .. يحق لنا اليوم أن نذهب لمنزل مازن لرؤية الطفلة .. و استرجاع خـالـد .. أخي عادل قال ما إن تلـد ريما نستطيع إرجاعه إلى البيت .. آه .. أظن أن عـادل اشتاق لابنه ..
نهضت و اتجهت نحو المطبخ .. حيث كانت غيداء تحادث أختها هيفاء ..
جلست أنا بجانب غيداء و خاطبتها :" غيداء .. ألن نزور مازن لرؤية طفلته ؟!! "
هزت رأسها ايجابياً :" بلـى .. اليوم الساعة التاسعة "
" و سنرجع خالد .. أليس كذلك ؟!! "
نهضت هيفاء ما إن سمعت صراخ بناتها .. و خرجت من المطبخ ..
فخاطبتني غيداء منكسة رأسها :" لم أعد أعتبره ابني "
صرخت بها :" مـــــــــاذا ؟!! "
" لم يعد إحساس الأمومة يراودني تجاه خالد .. قد أكون لا أعترف بابن كهذا .. "
نهضت أنا و كلي حزن على خالد .. ليس لديه أم تشعر به ..

الجزء الحادي عشر
.. !! جريمة قتل بشعة !! ..

و في الساعة التاسعة .. خرجت أنا و غيداء فقط .. و تركنا أختيها مع الأطفال ..أخذت أقود السيارة بنفسي .. فأنا لدي رخصة قيادة .. و لكن غيداء لا تصدق ذلك .. بل تظل خائفة طوال الطريق .. يا لكِ من جبانة ..إلى أن وصلنا لمنزل مازن .. نزلنا من السيارة و مشينا معاً .. متجهتان نحوه ..
حيث كانت غيداء تخاطبني :" يا إلهي .. لا أريد رؤية المدعوة ريما "
ضحكت :" و هل هي أسوء منكِ ؟!! "
ضربت هي كتفي مازحة :" كفاكِ ذكرى "
اقتربت أنا من باب المنزل ثم قرعت الجرس .. حيث بقينا عدة دقائق بدون أن يفتح الباب ..
قلت أنا :" أظنهم ناموا .. "
حيث خاطبتني غيداء مشيرة للباب :" أنظري .. الباب مفتوح "
غريب .. مازن لا يدع الباب مفتوح هكذا .. ألا يخشى اللصوص ؟!!دخلت غيداء البيت و أخذت تنادي مازن .. و لكن لا حياة لمن تنادي ..اتصلت أنا لمازن عن طريق الخلوي :" مازن .. أين أنت ؟!! "
" مرحبا ذكرى .. أنا أحضر حفل زفاف صديقي .. مع زوجتي .. أهناك شيء ؟!! "
" لا .. فقط جئنا لزيارتك و لم نراك .. حسنٌ سوف نزورك غداً .. "
أغلقت الهاتف و خاطبت غيداء :" مازن يحضر زفاف أحد أصدقاءه مع زوجته .. كان من الأفضل أن نتصل به قبل زيارته .."
ابتسمت غيداء :" و لكن يمكننا رؤية الطفلة .. "
و ضحكت أنا :" و يمكننا رؤية خالد "
مشينا نحو غرفة نوم مازن و زوجته .. أظن أن الطفلة هناك ..
و لكننا في طريقنا سمعنا صوتاً .. حيث خاطبتني غيداء خائفة :" ما هذا ؟!! "
ابتسمت :" لا أدري .. ربما كانت الخادمة "
" و لكن مازن لا يملك خادمة "
تكرر الصوت عدة مرات .. و كأنه صوت ارتطام الملاعق .. أو السكاكين ..
السكاكين؟!! الطفلة و خالد معاً في بيت واحد ؟!! هذا يعني شيئاً واحداً ..
ربـاه !! ركضت نحو المطبخ و غيداء تلحقني .. و هي تكرر :" ماذا هناك ذكرى ؟!! "
وقفت أمام باب المطبخ .. و أنا أسمع ذلك الصوت بوضوح.. فتحت الباب بسرعة .. و حينها ندمت أني فتحت الباب .. لأكشف مشهداً لا أستطيع أنا و لا غيداء استيعابه .. أظنكم عرفتم ما رأيته أنا ..
رأيت على طاولة الطعام تلك الطفلة .. و لكنها مقطعة بالسكاكين .. أي قلب يستطيع فعل ذلك بطفلة رضيعة .. لم تعش من العمر سوى ثلاثة أيام .. ذراعها مرمية هناك .. و ذراعها الأخرى مرمية هنا .. و رجلها مرمية هناك و رجلها الأخرى مرمية هنا ..
و هناك رأيته يجلس على المقعد و يمسك بالسكين .. المملوءة بالدماء .. قميصه مخضب بالدماء .. و ذراعيه أيضاً .. كان يبتسم .. يا لك حقير وقح .. كيف تجرؤ ؟!!
هل كنت أظن أنه لن يقتل لأني أحبه ؟!! و لكنه فعل ذلك .. قتل طفلة لا يتجاوز عمرها سوى ثلاثة أيام .. غيداء فقدت وعيها .. فهوت على الأرض من هول ذلك المشهد..
و أنا رأيت نفسي أركض هاربةً .. خرجت من المنزل من دون أن أنتبه لغيداء .. التي يمكن أن يرتكب خالد فيها جريمة أخرى .. صعدت السيارة و أنا ألهث خوفاً و رعباً ..
أريد الاتصال بمازن .. بل أريد الاتصال بعادل .. و لكن أصابعي لا تستطيع حمل الخلوي .. فهي ترتجف ..وجدت نفسي أبكي خوفاً .. أريد العودة للبيت .. لا أريد أن أبقى هنا .. لأُقتل أنا الأخرى ..
تمالكت أعصابي و حملت الهاتف لأتصل بمازن من ثم عادل .. ليشهدوا جريمة قتل بشعة ..
خاطبت مازن و قلبي يقرع كطبل إفريقي مجنون :" مازن.. تعال .. هناك .. ابنتك .. "
" ذِكرى .. ما بكِ ؟!! "
صرخت :" تعال لترى ابنتك و ما حل بها "
و أغلقت المكالمة .. و أخذت نفساً عميقاً و أنا أضع يدي على صدري .. ثم عدت أتصل بعادل :
" عادل أنا ذكرى .. تعال منزل مازن .. ابنك خالد .. لقد .. "
" لحظة ذِكرى .. الآن الساعة متأخرة .. لا أستطيـ... "
صرخت :" حدثت جريمة قتل "
و أغلقت المكالمة و ظللت أرتجف خوفاً .. غيداء .. ما الذي سيحدث لها ..هل سيقتلها ذلك المتوحش ؟! علي أن أذهب للاطمئنان عليها .. و لكن .. أنا خائفة .. خائفة جداً ..
هل أنا في حلم .. بل هل أنا في كابوس ؟!!! شهدت جريمة قتل بشعة .. و القاتل ابن أخي .. و المقتولة ابنة أخي .. ربــاه ساعدني .. غيداء أتمنى أن تكوني بخير ..

بعد فترة مليئة بالخوف و التوتر .. و السكون الموحش .. وصلت سيارتان و توقفتا بقرب المنزل ..
و هبط منهما عادل و مازن و ريما.. تسابق الثلاثة تجاهي .. و طرقوا النافذة و صرخ مازن :" ذِكرى أأنتِ بخير ؟!! " فتحت باب السيارة و تتسارع نبضات قلبي .. فأرتمي في حجر مازن و قلت و عرقي يتصبب على وجهي و دموعي تحرق جفني :
" مازن .. عليك أن ترى ابنتك .. إنها في المطبخ "
ركضت ريما مسرعة نحو المطبخ و لحق بها عادل .. و تركني مازن لاحقاً بهما ..
و حينها سمعت صرخات ريما .. و صرخات مازن .. تسمرت مكاني خائفة .. ترى ما الذي سيجري ؟!!
لا أريد دخول المنزل .. بل لا أستطيع ذلك ..وجدت نفسي أنطلق بالسيارة ..
أعود إلى بيت أخي عـادل .. وجودي مع أطفال عاديين أفضل بكثير من وجودي مع طفل ( قاتل و سفاح ) .. انطلقت نحو غرفتي .. و دخلتها.. ربــاه هل أنا في كابوس مريع .. لمَ لا أستيقظ منه ؟!!.. كفاني ما رأيت .. استلقيت على سريري و غطيت جسدي باللحاف بخوف ..
و نمت لأشهد كوابيس مريعة و مخيفة ..
---
و لكني لم أنم سوى ساعة واحدة .. فإذا بالضجيج يسيطر على المكان في الخارج من جديد ..
و ها هي غيداء تدخل غرفتي و تقفل من وراءها الباب خائفة .. هل صحت ؟!!
ارتمت في حضني و شدت قميصي و هي تبكي خوفا مصابة بنوبة هستيريةً :
" أخيك مازن يحاول قتل خالد "
سألتها بخوف :" خـالد هنا أيضاً ؟!! "
" نعم .. لقد أبرحه مازن ضرباً .. و ها هو يحاول قتله بالسكين "
شهقت : " ماذا ؟!! "
شدت على يدي :" ذِكرى .. أريد النوم معك هذه الليلة .. "
هززت رأسي ايجابياً .. فخلعت غيداء شالها و استلقت بقربي و أغمضت عيناها و لكنهما لازالتا تذرف دمعاً .. أظن أن غيداء لا تتحمل رؤية ذلك .. استلقيت بجانبها .. فتشبثت بي جيداً ..
أما أنا بقيت أقلب ذلك المشهد في ذاكرتي .. ما معنى أن يقطّع طفلة صغيرة .. لم تفعل له شيئاً ؟!! أظنه أراد أن يجرب القتل أيضاً ..
أخي مازن .. ما مصيره ؟!! أخي عادل ما مصيره ؟!! ... خالد ؟!! ما مصيره ..
مر من الوقت الكثير و النعاس فارق أجفاني .. حتى سمعت غيداء تخاطبني بصوتها المبحوح :
" ألم تنامي بعد ؟!! "
" لا "
" أنا أيضاً .. لا أستطيع النوم .. ترى .. ما الذي يفعله عادل بخالد الآن ؟!! "
" لا أعلم .. ربما قتله "
صرخت بي :" لا تقولي ذلك .. لا أريد أن يكون زوجي مجرماً هو الآخر "
تنهدت بعمق .. و تنهدت غيداء هي الأخرى .. تطلق آهة مخزونة في صدرها .. و كأنها تريد أن تطلق خالد من ذاكرتها .. من ذاتها .. و كأنها لا تريده .. حتى فتح الباب .. ففزعنا رعباً .. و لكنه كان عادل ..
اقترب منا .. و جلس على السرير و خاطبنا بكل جدية : " أتريدان معرفة ما الذي حل بخالد ؟!! "
هززنا رأسينا .. فقال :" احتجزته أحدى مراكز الشرطة لتحقق في أمره غداً صباحاً .."

و قلت أنا بخوف شديد :" و مازن ؟!! و ريما ؟!! "

" فيمـــــنزلهما .. "
و همست و دموعي تتهاوى على وجنتاي:" و الطفلة ؟!! ماتت أليسكذلك ؟!! "
نكس رأسه" نعم.. "
صرخت غيداء :" و أختاي و ابني وائل .. و سمية ومروة و إياد و سالم و ماجد و بقية الأطفال ؟! "
" جميعهم في منزل أختكِ هناء ,, "
صرخت هي" لا.. أريد ابني وائل .. "
و صرخ بها عادل :" غيداء .. كفاكِ الآن .. "
و نهض فخاطبته :" إلى أين عادل .. كيف ستتركنا و نحن خائفتان هكذا ؟!! "
اقترب منا و مسح شعري و شعرها .. ثم أخذ وسادة و نام على الأرض على فراش ..
رباه ... أنا خائفة و غيداء خائفة .. و يبدو أن عادل يكاد يموت خوفاً ,,رغمأنه رجل ..!!
حدث كهذا !! ينهار فيه القوي و الضعيف .. الصغير و الكبير ..
الجميع لا يستطيع الصمود لجريمة خالد الشنيعة




في صباح اليوم التالي .. تجهزنا نحن الثلاثة .. و صعدنا السيارة للذهاب لمركز الشرطة .. كما قال عادل ..اليوم سيحققون في الجريمة التي حدثت البارحة ..
ها نحن ندخل غرفة الضابط .. و لكن هنا مازن أيضاً ,, كان يصرخ بانفعال :
" لم أكن أتوقع حدوث ذلك .."
خاطبه الضابط :" هدئ من روعك يا سيد .. فقط قل لنا .. لماذا تركت الطفلة وحدها في البيت ؟!! "
" أيها الضابط .. لقد تركتها مع خالد مطمئناً عليها .. لأن خالد كان يحملها و يداعبها فضننت أنه يحبها .. فشعرت بالاطمئنان على بنيتي .. "
حيث تقدم عادل و أمسك بكتف أخاه .. فاستدار مازن .. و صرخ بعادل :" أنت ؟!! لمَ أتيت ؟!! "
ابتسم عادل و جلس على أحد المقاعد و جلست أنا و غيداء بقربه ..
حيث خاطبت غيداء الضابط :" خالد حاول قتل أخاه .. "
حيث سألها الضابط باهتمام :" و متى حدث ذلك .. "
" منذ شهور عديدة .. و لقد أرسلناه لبيت مازن عقاباً له "
و قلت أنا :" لحظة .. لقد أخبرني خالد أن زوجة مازن كانت تضربه .. و رأيتها تقسو عليه "
هز الضابط رأسه .. فأخذت أنا أحادثه عمّا قاله لي مازن عن خالد .. و قد رأى جريمة قتل بشعة .. فقرر أن يطبق ما رآه على هذه الطفلة المسكينة ..حيث كان الضابط مندهشاً من هذه القصة الغريبة .. فخاطب مازن :" و أين هي زوجتك ؟!! "
نكس رأسه :" في بيت أمها .. تبكي و تتحسر على طفلتها .. التي كانت تنتظرها منذ ثلاث سنين "
يا لكما من مسكينان .. لقد فقدتما أول مولود كان بالانتظار .. و ربما لا يأتي بعده مولود ..
خاطبنا الضابط :" يبدو أن الطفل يعاني مرضاً نفسياً "
شهقت غيداء .. و صرخ عادل :" لا .. أنت مخطئ .. ابني ليس مريضاً "
حيث قال الضابط:" إذ كان مريضاً نفسيا .. لن يعاقب .. و إنما سوف يرسل لمصحة يعالج فيها "
صرخ مازن :" لا .. قتل ابنتي و لا يعاقب ؟!! هذا ليس عدلاً .. ليس عدلاً .. إن علمت ريما بذلك سوف تجن "
ضرب الطاولة و رمى ما عليها على الأرض بغضب .. و صرخ بعادل :
" إن لم يحصل خالد على عقابه الذي يستحقه .. أنا من سأعاقبه .. "
و انصرف خارجاً من الغرفة .. حيث سألت غيداء زوجها :" أين سيدفنون الطفلة ؟!! "
" في المقبرة .. و هل هناك مكان آخر .. "
" ألن نذهب لـ... "
" لا .. لا .. مازن أصبح لا يطيق رؤيتي .."

كنت أريد رؤية خـالد .. و لكني لن أدع العاطفة تتغلب علي الآن .. لماذا أعطف على قاتل سفاح ؟!! حتى لو كان ابن أخي .. إذ كان والديه لا يعطفون عليه .. ما مصلحتي أنا من ذلك ؟!!
عدنا للمنزل .. و هناك رأينا هناء و بقية الأطفال .. فأسرعت غيداء لابنها و احتضنته و أخذت تجهش بالبكاء .. و وائل خاطبها باستغراب :" أمي .. أنتِ تبكين ..؟!! "
سحبتها و اصطنعت ضحكة و خاطبت وائل :" أمك .. أنها تمثل .. نعم .. تمثل .."
سحبت غيداء إلى المطبخ و هناك صرخت بها :" أأنتِ مجنونة ؟!! لمَ البكاء الآن "
أخذت تمسح دموعها .. :" أخشى أن أفقده هو الآخر .. "
" و هل فقدت خالد ؟!! "
" نعم .. لا أريده .. لا أريده .. أنا لم أعد أعترف به .. "
خلعت شالها .. و اتجهت نحو غرفتها .. و ها هو عادل يقترب نحوي و يقدّم لي ورقة صغيرة :
" هذا هو عنوان العيادة النفسية التي سيرسل لها خالد "
تناولت الورقة و خاطبته مستغربة :" و لمَ تعطيني إياه ؟!! "
ابتسم :" لأنك الوحيدة التي ستزورينه هناك .. "
أدخلت تلك الورقة حقيبتي .. و اتجهت نحو غرفتي .. و لكني صادفت في طريقي غرفة خالد المغلقة .. فتحت الباب .. لازالت فارغة .. أظن أن الصبغ جف .. يمكنني أن أبدأ باختيار الأثاث غداً ..
و لكن لحظة .. إذ كان خالد سيرسل لعيادة نفسية و سيعالج فيها فترة طويلة ..
لماذا أتعب نفسي باختيار الأثاث ؟!! إذ كان لا أحد يدخلها غيري ..
خرجت من الغرفة .. و اتجهت نحو المخزن لأتفحص حاجات خالد من جديد ..
قد أرى فيها أدوات للقتل غير السكاكين .. دخلت المخزن ..
و أخذت أقلب في حاجاته .. و كتبه المدرسية المغبرة .. إلى أن سقطت من أحد الكتب صورة فوتوغرافية .. حملتها و أخذت أدقق فيها .. خالد ؟!! كانت صورة جميلة له .. ابتسامة صغيرة ؟!!
لا أصدق .. متى التقط خالد له صورة .. و أين و من الذي التقطها له .. يرتدي ملابس المدرسة و يحمل حقيبته السوداء ؟!! أظن أنه التقطها في المدرسة .. كانت رائعة ..
وضعت الصورة في حقيبتي و خرجت من المخزن ثم اتجهت نحو غرفتي .. فأخرجت الصورة و الورقة ..
و وضعت الصورة على مكتبي .. بل فكرت في وضعها في إطار أنيق يليق بها ..
نظرت إلى صورتي التي وضعتها في إطار رائع .. مددت يدي و حملت تلك الصورة .. و أخرجتها من الإطار .. و أدخلت صورة خالد فيه .. ثم وضعتها فوق مكتبي .. و بقرب الصورة وضعت الورقة التي كُتب عليها العنوان .. هكذا سيبقى خالد في الذاكرة دائماً .. و لن تجرفه رياح النسيان أبداً ,,
---

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-07-2007, 12:35 AM   رقم المشاركة : 10
إنتظـــار حلم
مشرفة سابقة
 
الصورة الرمزية إنتظـــار حلم
 







افتراضي رد: جنون خالد

تسلم الأيادي أخي محب آل البيت

ماتطول علينا

نريد التكملة بسرعه


إنتظــــــــــ رـــا حلم

 

 

 توقيع إنتظـــار حلم :
؛
ياسيدي ..
أتيتُ أفتلُ حبلَ السؤال , متى ضمكَ العشق في أضلعي ...؟
إنتظـــار حلم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-07-2007, 10:56 PM   رقم المشاركة : 11
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

بعد ذلك تجمعنا نتناول طعام الغداء .. عادل فضّل تناوله غداءه في أحد بيوت أصدقاءه .. و هنا تتناول هناء و هيفاء و أبنائهما معنا طعام الغداء .. حيث كانت غيداء تجلس بجانب ابنها وائل و تهيأ له طعامه .. أصبحت تهتم به أكثر من اللازم .. كما تقول ( تخشى أن تفقده هو الآخر ) .. أنها لا تعرف أن عندما يعود خالد طبيعياً .. سوف يكون ابناً جديداً لها .. و ليس خالد المعقد الغامض المريض ..
و هنا تتناول سمية غدائها و تهتم بأختها مروة .. يا لك من عاقلة و ناضجة و واعية رغم صغر سنكِ ..
و إياد يجلس بقرب أخاه سالم .. هناك فرقاً كبيراً بينهما .. إياد أصلع .. و سالم شعره كثيف ..
إياد لون عينيه فاتح و سالم لون عينيه قاتم .. إياد شجاع .. سالم جبان .. إياد متفوق في دراسته .. سالم يهمل دراسته .. و الكثير .. الكثير ..
و بقرب هناء تجلس نهلة و أختها ليلى .. و أخاهم ماجد .. نهلة عنيفة .. و ليلى رقيقة .. و المسكين ماجد ليس لديه شخصية ..و هنا تطعم هيفاء بناتها الثلاث .. منى تحادث أختها سارة .. أظن أنها أسرار الفتيات ..أروى تبكي لعدم اهتمام شقيقاتها بها .. أنها الصغيرة المدللة ..
لو كان خالد معنا .. ماذا ستكون نظرة الأطفال له .. هل سيظلون ينفرون منه ؟!! أم ماذا ؟!!
أم سيحظى إعجاباً منهم ؟!!
---
في صباح اليوم التالي فكرت في زيارة خــالد .. فكرت أن أصطحب غيداء معي و لكن لا أظنها ستقبل .. و طلبت من عادل ذلك و لكنه نهرني .. و قال لي :" هذه آخر مرة تذهبين لزيارة خالد "
و حتى إذ كان مريض نفسياً ؟!! يا لك من قاسٍ يا عادل .. حسناً .. إذ كانت آخر مرة ..
سوف أقضي يومي معضمه هذا هناك ..في تلك العيادة النفسية ..
اصطحبت معي الصغيرة ليلى .. تعلقت بها .. فأنها لطيفة جداً ..
تجهزت جيداً ,, و صعدت السيارة .. حاملة معي الورقة التي كُتب فيها عنوان العيادة النفسية ..
انطلقت بالسيارة متجهة لها .. و على المقعد الآخر تجلس ليلى و تخاطبني :
" إلى أين سنذهب ؟!! "
ابتسمت :" إلى شخص ستحبينه كثيراً "
" من هو ؟!! "
غمزت لها :" سوف ترينه بنفسك .. و حينها أخبريني برأيك فيه "
أخذت تفكر .. علّها تتخيله .. ثم قالت بحماس :" هيا .. أريد رؤيته بسرعة "
ضحكت :" أمرك سيدتي .. "
أسرعت بالسيارة إلى تلك العيادة النفسية .. حتى وصلنا .. فخاطبت الصغيرة :" هنا يقيم .. "
دُهشت الصغيرة :" بيته كبير أنه محظوظ "
محظوظ ؟!! وجوده في كوخ صغير أفضل من إقامته هنا ..
نزلت من السيارة و مشيت مع الصغيرة متجهتين نحو العيادة ..


و عندما دخلنا العيادة .. رأيناالعديد من الناس .. الصغير و الكبير .. مشيت مع ليلى نحو إحدى الممرضات .. و سألتها : عفواً أين أجد غرفة المريض خالـد عادل ؟!! "
ألا و أفاجئ بطبيب يخاطبني :" أأنتِ والدته ؟!! "
التفت للطبيب و ابتسمت :" لا .. أني عمته .. "
" الطفليحتاج لمن يزوره .. أهذه أول مرة تزورينه ؟!! "
" نـــعـــم "
" أرجوا أنتداومي على ذلك .. "
نكست رأسي :" الأمر ليس بيدي .. "

الجزء الثالث عشر
زيارة خاصة

حملق بي الطبيب .. ثم خاطبني مستغرباً :" كيف ذلك ؟!! "

" أباه يمنعني من ذلك .. يقول لي دائماً ( دعيه يُعالج بهدوء ) .. "

قال الطبيب مقطباً حاجباه :
" زيارة أسرة المريض له تشعره أن هناك أُناس يحبونه و يهتمون به و ينتظرون عودته.. و هذا يدفعه لتقبل العلاج النفسي .. "

طأطأت رأسي :" أمه و أباه لا يفكرون هكذا .. يعتقدون دائماً أن القسوة هي الحل الأوحد "

أشار بوجهه سلبياً :" تفكيرهما خاطئ جداً .. ذلك سيزيد سوء حالة الطفل النفسية "

سألته :" أأنت الطبيب المشرف على علاجه ..؟!! "

" نعم أنا هــــــو "

" هل لنا أن نتحدث قليلاً في أمره ؟! "

" بالطبـــــــــع .. "

مشيت خلفه متجهة نحو مكتبه .. و الصغيرة ليلى تسألني بين الحين و الآخر :

" أين هو ذلك الشخص ؟!! متى سيظهر ؟!! لقد مللت انتظاره "

" الصبر .. الصبر يا ليلى "

رحب بنا الطبيب في مكتبه فجلست أنا و ليلى على المقاعد ..

و جلس هو على مقعده و خاطبني :

" أرى الطفل له قدرة على التفكير و التخيل و التنبؤ و الاختراع أيضاً ..

طفلكم موهوب .. و لكنه استغل موهبته في غرض خاطئ ..

أرى أنه يحب القتال و العنف و أدوات ذلك كالسكاكين بجميع أحجامها .. "


هززت رأسي :

" نعم .. لاحظت ذلك "

عرض الطبيب أمامي مجموعة من أشرطة الفيديو للأفلام الأجنبية و مسلسلات كرتونية و أفلام مرعبة .. و غيره الكثير ..

و قال مشيراً إلى شريط لفلم مرعب قتالي :

" لقد عرضت على خالد هذه المجموعة و خيرته فيها .. فاختار هذا الشريط .. أي أنه لازال يحب العنف و القتال و الدماء و غيره "

" و كيف ستعالجونه سيدي ؟!! "

" سأرى كيف سأعالجه .. و لكن تبين لي أن لا أحد اهتم به..
أي أنه لا يبد اهتماماً بأهله .. فلا يحدثني عنكم .. أرجوا الاعتناء بهذا الطفل جيداً"

..خاطبني الطبيب مشيراً إلى الباب :

" يمكنكِ رؤيته .. "

نهضت و شكرت الطبيب .. ثم اتجهت نحو مجموعة الغرف باحثة عن غرفة خالد ..

جميع الغرف يصدر منها صراخ و إزعاج .. رباه المرضى النفسيين مجانين حقاً ..

ها أنا أقف أمام غرفة خالد التي لا يصدر منها أي صوت ..

فتحت الباب .. ياه !! الغرفة هادئة جداً .. و نسمات دافئة تداعب الستائر ..
سألتني ليلى :

" أين هو ؟!! "

أخذت أدير عيني على الغرفة باحثة عن سرير أجد عليه مريضي .. ( مريض ) كلمة تناسب خالد و لكنها تشوهه في عيني .. خالد ليس مريضاً .. خالد عبقري و موهوب .. و لكن لا أحد يشعر به (للأسف) .. و لا أحد يفهمه .. تقدمت خطوتين و أنا أبحث عنه .. ألا و تركض ليلى إلى جهة من الغرفة و كأنها وجدت شيئاً .. لحقت بها .. فإذا بي أجد سريراً أبيضاً يحمل فوقه خالد المتكوم على نفسه .. أنه نائم بهدوء .. لا !! ليس بهدوء ..

يقبض بأصابعه الوسادة التي يكاد تمزيقها ..

حتى لو كنت نائم تهوى القتل ؟!!

أني أجدك غريباً عجيباً و رهيباً .. اقتربت منه و مسحت شعره و جسده بلطف و خاطبت ليلى بهمس :

" هذا هو الشخص يا ليلى .. مـ... "

قفزت هي فوق السرير .. و قربت وجهها لوجه خالد .. و خاطبتني بصوتٍ عالٍ :

" أنه رائع .. من هو ؟!! و ما اسمه ؟!! "

كان صوتها كفيلاً بإيقاظ خالد .. فتح عينيه بهدوء .. و نظر إلى الطفلة .. ثم نظر إلي مقطباً حاجباه ..

و بصوتٍ جاف و هادئ خاطبني :" لمَ أتيتِ ؟!! "

يا إلهي لقد اشتقت إلى نظرته تلك .. و همساته النادرة .. اشتقت له .. و لكن لحظة ..

من الغلط أن أكافئه على قتله بعطفي و حناني .. قد يظن الأمر سهلاً ..

حسناً !! يجب أن يكون قلبي جامداً قليلاً ..اقتربت منه .. و جلست بقرب ساقيه المتمددتان.. و رمقته بنظرة حادة .. :

" أتحسب أن ما قمت به أمر يُنسى بسرعة ؟!! "

أدار رأسه نحو الطفلة .. يتجاهلني إذاً ؟!!.. صرخت به :

" لا أظنك مجنوناً لتفعل ما فعلت .. كنت أظن أن عقلك أكبر من عقول الكبار كلها و لكني اكتشفت أخيراً .. أن عقلك أصغر عقل هذه الطفلة المسكينة .. لمَ فعلت ذلك ؟"

لم يتجاهلني بهذا الشكل ؟!! أنا سأموت قهراً .. و هو لا يبالي بمن حوله ..

حدقت به بغضب شديد و هو لا يعيرني اهتمام حتى و لو بنظرة .. فكان يحملق بالطفلة بنظرته تلك ..

أخذت أناديه بهدوء ..لعل الهدوء ينفع معه .. و لكنه تجاهل نداءاتي كما توقعت ..

زاد غضبي .. فصرخت بصوتٍ عال .. و كأني مجنونة .. فزعت الطفلة .. و صوّب هو نظراته الحادة نحوي .. كانت كالسهام حقاً ..

أظن أني جننت .. لمَ أصرخ بهذا الشكل .. لكي ألفت نظره ..؟!!يا لي من مجنونة ..

" لمَ الصراخ ؟! "

سألني !! .. بغضب ..

و الطفلة تحملق بي باستغراب ..

أجبته :

" لتشعر بي يا فتى "

نكس رأسه .. ثم عاد يسند ظهره على الوسادتين التين خلفه ..

يتنهد .. بملل .. و ضيق .. ثم رمقني بنظرة ناعسة رمادية كئيبة ..

سبق و رأيتها من قبل .. أطلقت على خالد لقب الغامض و الغريب و اللا مبالي .. و لكن هناك لقب جديد يناسب خالد... " الكئيب "..

أحياناً تمتزج نظرة كئيبة بنظراته الغريبة تلك ..

أرى في عينيه حرمان .. وجع .. أنه إنسان لديه قلب يشعر كما نشعر نحن .. و ليس كما يظن الجميع ..

هنا بقيت أحملق به و هو يحملق بي بصمتٍ شديد ..

أتأمل تلك العينان الناعستان الرماديتان .. ذاك الوجه الشاحب الحزين ..

حاجبان كانا يعنيان لي قوته .. و لكني الآن أراه ضعيفاً جداً ..و صوته .. الثمين ..

الذي لا نسمعه إلا نادراً .. صوت جاف جداً .. و لكنه رائع ..

تأملت فيه كل شيء و كأني للمرة الأولى أراه فيها ..

و هو يحملق بي تارة .. و يغمض عينيه تارة .مرهق و تعب جداً .. قطعت أنا ذلك الصمت متنهدة :

" أيعجبك وجودك هنا ؟!! "

أعاد بناظريه تجاهي .. حملق بنظرته الغريبة .. و بزفرة عميقة أجابني :

" نعم .. أنه يريحني ..من كل شيء "

" خالد .. سمعت من عادل أنه يمكنك زيارتنا في المنزل .. و لكن بإذن الطبيب .. ما رأيك أن.. "

و ما كدت أن أكمل جملتي .. حتى رفع يده مقاطعاً إياي .. همس :

" هنا منزلي !! "

حملقت به طويلاً بأسى و حـزن .. و رأفة بحالته هذه ..

ثم أشرت إلى الطفلة مغيّرة محور الحديث .. و قلت بابتسامة :

" خالد .. جئت بهذه الطفلة لتراها .. أحببتها كثيراً .. و أنا متأكدة أنك ستحبها أيضاً .. "

أدار برأسه نحو الطفلة .. حملق بها مقطباً حاجباه .. و نظر إلي و قال :" من هذه .. أهي ابنتكِ ؟! "

ربـاه .. طعنة ما بعدها طعنة ..!! أنا لا أنجب أطفالاً خالد ..

ألا تعرف ذلك ؟!! لماذا تسألوني هذا السؤال مراراً و تكراراً ,,

أدور الأم يناسبني لهذه الدرجة ؟!! أم أنكم تنوون قتلي بكلماتكم الجارحة هذه ؟!!

نكست رأسي و بلعت صرختي .. و أعدت النظر لخالد الذي ينتظر إجابتي ..

همست ..:" لا .. أنا لا أنجب أطفالاً .. ألا تعلم ذلك ؟!! أنا لست متزوجة .. ألا تعلم ذلك ؟!! "

حملق بي .. ثم نكس رأسه .. و كأنه شعر بي .. بحزني و أساي .. ،، بتحسري على ما حرمت منه ..

ثم أدار برأسه نحو الطفلة و سألها ..:" من أنتِ ؟!! "

ضحكت الطفلة .. أمسكت ذراعه بمرح .. :

" ليلى .. أسمي .. أنا .. ليلى .."

تضحك .. و تسحب اللحاف .. و تقبض بأصابعها على ذراعه ..،ـ

ربـاه .. ليلى .. كفاكِ تدللاً .. خالد ليس أخاك ماجد الذي يتحملكِ و يتحمل دلالكِ. .

من تجلسين بقربه .. هو أعظم طفل رأيته على وجه الكرة الأرضيـة ..

و بنظرته الحادة تلك .. سوف يحطم كل خلية في جسدك هذا ..

ابتسمت أنا و خاطبت ليلى :" كفاكِ ليلى .. "

كان هو يحملق بالطفلة باشمئزاز .. و بنظرة غضب حادة جداً .. هو يزيد غضباً و اشتعالاً .. و هي تزيد دلالاً..

نهضت أنا و اقتربت من الطفلة حملتها بلطف و خاطبته :" أنها ابنة خالتك هناء .. ألا تعرفها ؟!! "

حملق هو بالطفلة و قال :"بلى .. "

نظرت للطفلة أنا .. هي معجبة جداً بخالد .. تحاول أن تتحرر في ذراعي و تقذف بنفسها على السرير .. فتركها و عدت إلى مقعدي ..

و هنا عادت هي بلهفة إلى مكانها .. فوق السرير .. بقرب خالد .. أمسكت بذراعه مجدداً .. يبدو أنها فضلّته على بقية الفتيان المدللون ..

همست هي في أذنـه :" ما أسمك.. أنت ؟! َ "

نظر إليها باحتقار شديد .. ثم نظر إلي يتجاهلها ..

أنا لا أفهم !!

لمَ يتجاهل من يهتم به ؟!! لمَ لا يهمه أمر أي شخص في هذه الدنيـا ؟!!

و لكني لازلت أرى في عينيه تلك النظرة الكئيبة .. اقتربت منه و سألته :

" خالد !! ماذا دهاك ؟!! لم كل هذه التعاسة ؟!! لم أنت حزين هكذا ؟!! "

أخد يرنو إلي بنظرة طويـــلة .. ثم نكس رأسه و خاطبني بهمس :

" متى سوف سأسافر أنا ؟!! "

سفـر ؟!! من تحدث عن السفر الآن ؟!!

أردفت مستغربة :" أي سفر ؟!! خالد .. أنت ستسافر ؟! "

رفع رأسه و حملق بي .. أجاب :

" ألا تعلميـن ؟! أبي قال أنه سيرسلني لعيادة أخرى في بلد آخر .. لأعالج فيها لمدة خمس سنوات .. و عندما أنتهي من العلاج سوف أبقى هناك فترة عشر سنوات إضافية .. أي سيكون المجموع .. خمسة عشر سنة .. كلها سأقضيها غربة خارج البلاد .. بعيداً عنكم "

فجعت قلبي !! خـالد ..

الجزء الرابع عشر
معركة !! عنيفة !! .. لأجلك !!

كان ما قاله صدمـة لا تصدّق .. أيعقل أن عادل كان يخطط لذلك بدون استشارتي ؟!!

كأني في دوامة من علامات الاستفهام .. كيف ؟ لماذا ؟ أخبروني ...!!!

انفجرت غضباً و غيظاً .. و سحبت الصغيرة خارجة من المشفى .. صعدت السيارة و قدتها بسرعة فائقة ..

و ما إن وصلت .. حتى نزلت من السيارة راكضة نحو المنزل و خلفي تركض الصغيرة ..

قرعت الجرس .. ففتح الأطفال الباب .. فاندفعت للداخل و سألتهم :" أين عادل ؟!! "

ها هي غيداء تطل من الصالة قائلة :" لم يأتِ بعد من عمله .. ما الخطب ؟!! "

بقهر أجبتها :

" أظنك على عِلم بما سأقوله الآن .. لماذا أنا آخر العالمين بالأخبار المفجعة هذه ؟!! لماذا تفعلون بخالد هذا ؟!! "

وجدت في عينيها استغرابا و دهشة .. حيث اقتربت مني و خاطبتني ..:

" ذكرى .. ما به خالد ؟!! ما بكِ أنت ؟!!و ما به عادل ؟!! أجيبيني "

" أخبرني خالد أنه سيسافر إلى بلد آخر ليعالج في عيادة أخرى .. لمدة خمسة عشر سنة .. "

ابتسمت :" أعلم عن هذا "

حملقت بها بغضب .. :" كنت أظنك ستحزنين لأمر ابنكِ .. ابنكِ الذي سيسافر عنكِ لمدة خمسة عشر سنة .. أي سيكون عمره عندما يعود .. خمسة و عشرون سنة .. "

و ابتسمت هي بخبث :" و قد لا يعود .. "

صرخت بها :" كفاكِ .. كفاكِ "

" تعودت أنا على فراقه .. فذلك الأمر لا يؤثر بي .. فليذهب هو و جرائمه إلى الجحيم "

صرخت :" أوه .. كفى غيداء .. أنه ابنكِ "

و بكل قسوة تردف:" أي ابن تقصدين؟! ابن مريض ملوث عقلياً .. مجرم .. قاتل .. بلا مشاعر و لا أحاسيس "

صرخت بكل قوتي :" لا .. غيداء لا تكوني قاسية هكذا .. أنه ابنكِ .. أنه يحتاجك .. أنه يحتاج حنانك و عطفك"

استدارت باسمـة .. و اتجهت نحو أحد المقاعد الصالة .. و جلست ..

و ألقت نظرة على الأطفال الذين اندفعوا خارج المنزل ليلعبوا في الحديقة .. و بعد خروجهم خاطبتني :

"لقد أوهمت الأطفال .. أن .. "

صمتت و كأنها تريد اختيار الكلمات المناسبة .. اقتربت منها و همست :" أكملي .. "

حملقت بي :" سأخبرك .. بشرط أن لا تغضبي "

بحماس أردفت :" هيا .. قولي ما لديك "

" ممم .. لقد أخبرتهم بأن خالد قـد ... .. "

" ماذا ؟!! خالد ماذا ؟!! أكملــي بسرعــة "

" لا تغضبي "

" لـن أغضب .. لن أغضب .. فقط تكلمي "

نكست رأسها باسمة :" أخبرتهم أنه ... .. "

ماذا ؟!!


رفعت رأسها و ملامح الجد ارتسمت على وجهها و بكل ثقة و جرأة تقول :

" مـــــــــات "

===========================================

" مــات ..!! "

صُدمــت .. اصفر لوني و انعقد لساني .. حملقت بها بعينان تكادا تخرجان من محجريهما ..

تسمرت لبرهـة .. توقفت أنفاسي .. بل توقفت كل التيارات الهوائية .. و توقف قلبي عن ضخ الدم ..

و توقفت رأيتاي عن سحب الأكسجين .. بل حبست الثاني أكسيد الكربون دون إخراجه ..

و غيداء تصلبت ملامحها .. و هي تنظر إلي بوجل ..

تجمدت تلك الابتسامة الخبيثة حتى انكسرت .. و حلت مكانها ملامح القلق ..

و أخيراً .. تدافعت كمية كبيرة من الهواء داخل جسدي .. أخذت أتنفس بعنف ..

و تدافع الدم إلى الشرايين و الأوردة في جسدي ..

من أطراف قدمي إلى قمة رأسي .. و حينها احمر وجهي غضباً ..

زدت شراسة و عنف ..

و كأني أسد جائع .. اندفعت نحوها ..

لا شعوريا ..

هاجمتها و وجدت خصلات شعرها تجذبني لشدها .. و جسدها الممتلئ يجرني لتحطيمه ..

في دقائق .. بل ثوان ,, بل لحظات .. شعرت إني قضيت عليها ..

بعدما غابت صرخاتها عن مسمعاي ..

و لكني كنت مخطئة .. ألا و أجدها تقف أمامي تحمل وسادتين ..

دم يسيل من فمها .. و شعرها منشور ..

و غضب و خوف و وجل .. كل تلك الملامح على وجهها ..

و الآن ..

!!

تهاجمني بالوسادتين ..

و أنا أهاجمها بذراعي ..

و هنا ..

يبدأ الصراع العنيف ..

حولنا تقف الخادمات مذهولات .. مترددات ..

و تسود الصالة صمت غريب ..

و هجوم من كلا الطرفين ..

ركل منها .. و صفع مني ..

تخدشني .. فأشوهها ..

تدفعني .. فأرطمها بالجدار ..

كنا كلبؤتين عنيفتين .. شرستين .. مجنونتين .. متوحشتين ..

لا شيء يوقفنا .. إلا الأسـد ..

نعم ..

أنه الأسـد الكبير ..

==============================================

هنا .. عادت إلينا الإنسانية .. و الخجل .. و الندم .. و العقل ..

بعد أن وقف عادل يحملق بنا بدهشة لا توصف ...

أقف أنا أمامها منكسة الرأس و هي كذلك أيضاً ..

صُدم عادل ..

" أخبروني .. ما الذي حدث "

حسنـاً .. لا شيء يمنعنا من إخباره ..

--
كنت أنا و غيداء رمز النعومة و الهدوء ..

و لا أحد كان يتوقع من منا ( الضرب أو حتى النطق بكلمات جارحة )..

حســناً .. لست نادمة .. كل ذلك لأجل .. لأجل خالد ..

لأنه لم يمت ..

و كيف توهم غيداء الأطفال أنه مات و رحل ..؟!!

بررت غيداء أنها لم تريد أن يتعلق الأطفال به ..

لأنه سيسافر .. فلم تجد حل غير أن تكذب كذبتها البشعة هذه ..

و هنا عادل وافقها الرأي . فجننت .. و حقدت على الاثنان ..

قبل أن يكتمل تحقيق " عادل " في أمر المشاحنة هذه ..

انطلقت نحو غرفتي .. و هناك بكيت بكاءاً مريراً .. على الصغير المسكين ..

خـــــــالـــد .. الذي لا يعلم ما الذي تفعله أمه ..

أريد رأيكم أنتم .. يا قراء هذه القصة ..

أليس مسكيناً ؟!! أليس مظلوماً ؟!! أليس محروماً ؟!!

ضممت إلى صدري صورته .. و قبلتها بحرارة ..

عزيزي.. لن تبتعد عن عيني ..

لن أدعهم يفرقون بينك و بين وطنك حتى ..

حسنـاً .. أنا أعرف أنك لن تصدق أني شرسة لهذا الحد .. و لكن ذلك دفاعاً عنك .. أيرضيك أن يدّعونك بالميت و أنت على قيد الحياة ؟!!

أنا آسفة .. فقد خدشت وجه أمك الجميل .. فعلاً فهو جميل .. و لكن وجهك أجمل..

أتعلم ؟!! لقد اكتشفت إني أقوى منها .. رغم أني أرشق منها و أصغر منها بأربع سنين ..

و لكنها أيضاً آلمتني .. و على كل هذا .. يدافع أباك عنها ..


و لا يكترث بما قالته عنك ..

ترى هل سيهمك ما جرى اليوم ؟!! لو أخبرتك ..

و لكن ..

متى سألاقيك لأخبرك ؟!

( بني و صغيري )

==

في صباح اليوم ... نهضت من سريري متجهة مرآتي .. أتفحص هذه الخدوش ..

يال طول ظفرك يا غيداء .. لقد شوّهتِ وجهي ..

رفعت ظفري .. أنا أيضاً شوهتُ وجهك بأظافري الطويلة ..

آه .. هل يستوجب علي الذهاب لعملي ؟!!

أنا تعبة نفسياً و جسدياً .. و هناك شيء آخر .. أنا لا أريد الذهاب للعمل بوجه مشوه ..

على الأقلسأنتظر إلى أن تبرأ الجروح قليلاً .. أبدو و كأني مشردة ..

يال السخف .. معركة عنيفة .. لأجل طفل ..!!

و لكنه يستحق مني دفاعاً ..

أنه ابني .. من حقي أن أعتبره ابني .. فأمه لا تعترف به ..

حاولت العبث بأحد الجروح .. إلا أني آلمت نفسي .. :" آه .. آه .. رباه .. مؤلم "

هنا فتح باب الغرفة .. وأنا ألتقط المرهم بغضب .. :" اللعنــة "

و عبر المرآة أرى سمية تدخلمرتدية ملابسها الخاصة بالمدرسة ..

تقترب مني ضاحكة .. تسخر من وجهي :" ههه .. تبدين كالوحش "

استدرت لها غاضبة .. فقالت هي :" ذكرى .. ما سبب خلافك معغيداء ؟!! "

" لا شأن لكِ "

مالت بجسدها علي .. :" أوه .. ذكرى .. أخبريني .. ألست أختكِ ؟! "

" لا ! "

" ذكرى .. أخبريني "

" ابتعدي ! "

أخذت أضع المرهم على جرحي بخفة صبعي .. و أنا أحادث سمية التيتحوم في الغرفة و تتفحص كل شيء ..

تلك أختي .. عادتها التطفل و الفضول ..

صرخت بها :" هيه .. أنتِ .. أليس من العيب أن تفتشي في حاجات أختكِ الكبرىهكذا .. ؟!! "

التفت إليها .. كانت واقفة أمام المكتبة .. تمسك بورقة .. وتقول بوجل و رعب :

" أليس .. أليس هذا هو .. المرحوم خالد "

أوه .. لا

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-07-2007, 12:24 PM   رقم المشاركة : 12
إنتظـــار حلم
مشرفة سابقة
 
الصورة الرمزية إنتظـــار حلم
 







افتراضي رد: جنون خالد

رائع يا محب آل البيت

أكمل


متشوقين للبقية


إنتظـــــــــ رـــا حلم

 

 

 توقيع إنتظـــار حلم :
؛
ياسيدي ..
أتيتُ أفتلُ حبلَ السؤال , متى ضمكَ العشق في أضلعي ...؟
إنتظـــار حلم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2007, 08:24 AM   رقم المشاركة : 13
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

الجزء الخامس عشر
الغروب الأخير

هي كانت تمعن النظر في صورته .. بخوف و وجل ..

ثم أدارت رأسها نحوي و ملامح الخوف بادية على وجهها .. خاطبتني ..

" أليس .. أليس .. هذا هو .. المرحوم (( خــالـــد )) ؟!! "

تصلبت ملامحها الطفولية .. و صوبت نظرة جامدة نحوي ..

أي مرحوم ..؟!! أي مرحوم سمية ؟؟!! .. خالد لم يمــت ..

اقتربت منها بحزن ..ماسحة المرهم الذي على صبعتي .. سحبت من يدها الصورة ..

قبلتها بحرارة .. و مسحتها .. !!

أأقول لها أنه لم يمت ؟!! ... بالتــأكيد لن تصدقني ..

اقتربت منها .. مسحت شعرها القصير .. و أنحيت جسدي و ضممتها بحرارة ..

و هنا بدأت دوامة الدموع اللانهائية..

هربت سمية من ذراعي اللتان كادتا تحطيمها ..

حسـنُ .. سأحفظ أسمك وحيدة .. أنا سأحفظ أنك لازلتِ حيــاً ..

++

على مائدة الغداء .. يتناول الجميع طعامه ..

عدا عادل الذي كان يحاول تثبيت الشاش على جبين زوجته لإيقاف النزف ..

أيقصد إثارة غيظي ..؟!! و أنا أيضاً .. أعاني خدوشاً أغزر ..

و لكني لا أراه يداويني أنا الأخرى ..

آه .. أنها زوجته .. و بالتأكيد سيخاف عليها أكثر مني ..

زدت غيظاً و تركت الطعام ..فاستوقفني عادل :" ذكرى .. ما الأمر "

و تسأل ؟!!

آه .. يبدو أنني أصبحت أغار حتى من غيداء .. و فقدت مرحي و مداعبتي للأطفال ..

أظل عبوسـة الوجه دائماً ..لأن عبوس الوجه ليس هنا .. يجب أن أحل محله ..!!

تذكرته .. فسألت عادل .. الذي كان يستغرب تصرفاتي .. :

" عادل .. ماذا عن خالد .. ستظل تمنعني من زيارتـه .. "

ابتسم :" كنت سأطرح هذا الموضوع للتو .. عزيزتي .. غداً سأذهب أنا معكِ لتوديع خالد .. "

صُدمــت .. صرخــت !! ..: " ماذا !! بهذه السرعــة ؟!! "

تلاشت ابتسامته و قال مستغرباً ..:" إذاً إلى متى تريدينه أن يبقى أسير غرفة ملوثة برائحة المشفى "

" و إن سافر .. سيظل أسمه " مريض نفسياً " .. و سوف يعالج في غرفة مشفى "

تنهــد :" أريد إبعاده عن أطفالنا .. أريده أن يعالج بهدوء .. أريده أن يبتعد عن حنانك الزائد و حقد مازن "

صرخت و أنا أصم آذاني ..:

" لا .. آه .. عادل لا تحرمني من رؤيته ..

عادل .. أنت لا تعلم أي شعور رائع يجتاحني عند رؤيته ..

أنسى أني مطلقة .. أنسى أني لا أنجب عيالاً .. أنسى هموم قلبي ..

أنا أحن عليه .. لأنه في أمس الحاجة إلى الحنان .. "

و نظرت إلى غيداء بأسى :" إذ كان حُرم من حنان الأم .. فدعوه يتمتع بحنان عمتــه .. "

تنهدت بحزن كبير .. و نهضت من كرسيي .. غيداء منكسة رأسها .. و عادل كذلك ..

و الأطفال في حيرة من أمرهم ..

انطلقت نحو غرفتي ،، رميت بجسدي على سريري .. تنهدت بعمق ..

آه .. أريد التنفس .. أنا مخنوقة .. أين الهواء .. لا أشعر به ..

لمحت صورته الرائعة على مكتبي .. آه ... أنت لا تعلم ماذا يجري بي عند رؤية صورتك هذه ..

أشعر بالألم .. أشعر بالأسى .. عليك .. آه .. أي قلبٍ لا يشفق عليك ..

آه .. هل أخبروك متى ستسافر ؟!! .. غداً .. غداً يا صغيري .. سوف يبدأ فراقنا الطويل ..

++

عندما بدأت الشمس بالمغيب .. لازلت على سريري أحملق بصورته .. من بين يدي ..

الغرفة هادئة .. صمت موحش يملئ الغرفة ..

و يقطع هذا الصمت كلمات أخي عادل :

" أوه .. ذكرى .. لا .. لا تبكي "

ربما سالت من عيني دموعاً .. و أنا لا أشعــر ..

أغلق من ورائه الباب .. و اقترب مني .. جلس على السرير أمامي ..

حملق بي .. و أنا أحضن صورة ابنه من بين يدي بحرارة ..

" أتعلمين !! أنت حساسة و حنونة جداً .. "

عندما لم يرى مني تجاوباً .. أكمل :

" ذلك جيد .. و لكن أنتِ تبالغين .. أنه ليس ابنكِ .. ثم ما الذي تريدينه من فتى مريض مجرم و ... "

صرخت به قاطعة جمودي :" كفاك عادل .. ليس من حقك أن تقول ذلك عن خالد .. "

تنهد هو :" أشعر بك .. شفقة مريرة .. و لكني سأدعه يسافر لكي يعالج .. "

عضضتُ على شفتي بغضب جامح .. فأكمل هو :

" سوف يسافر مع صديقي السيد أبا سامر .. لا تقلقي بشأنه "

" و لماذا ستبقيه هناك مدة عشر سنوات إضافية ؟!! "

" كما قلت لكِ ..... ... "

" تريد إبعاده عن الأطفال ..

تريده أن يعالج بهدوء ..

تريده أن يبتعد عن حناني الزائد و حقد مازن ..

أعلم ، أعلم "

نظر إلي بأسى .. ثم نظر إلى صورة ابنه .. اقترب أكثر .. و قال بدهشة :

" أأنت من صورتِه ؟!! "

" لا .. وجدتها بين كتبه "

مد يده .. لسحب الصورة من يدي ..

شددت على الصورة .. خبأتها في حجري ..

لا أريده أن يأخذ مني حتى ذكرى خالد ..

أخذ هو يحملق بي باستغراب و بأسى ..

خبأت الصورة في أحد الأدراج في الطاولة الصغيرة التي بقرب السرير ،،

و عدت أسند ظهري على الوسادة التي خلفي ..

نهض عادل .. متنهداً .. :" خالد سيسافر رغم كل شيء "

و خرج من الغرفة .. موصداً من خلفه الباب ..

حسنــاً ..! أظن أن الأمر انتهى .. و لا مجال للمناقشة في سفر خالد ..

خالد سيسافر !! علي تفهم ذلك .. و تقبل فكرة .. أني لن أراه إلا بعد خمسة عشر سنة ..

و كما تقول غيداء .. و قد لا أراه بعدهــا ..

آه .. يال قسوة الزمـــن ..!

--

في صباح اليوم التالي .. لم أهنأ بالنوم .. فأحدهم يهزني و يصرخ :" ذكرى .. ذكرى .. كفاك نوماً .. "

فتحت عيني بهدوء لأراه متجهزاً للخروج من المنزل ..

صرخ بي :"ذكرى !! هل نسيتِ خالد ؟!! سوف يسافر اليوم "

هنا حملقت به و كدت أن أبكي .. همسـت :" آه عادل .. لا تعذبني بكلمة " سفر ".. "

تنهد بملل .. ثم هزني مرة أخرى :" هيا .. انهضي .. لقد تأخرنا .. "

نهضت بتقاعس و ملل جامح .. وقفت أمام مرآة الحمام لأغسل وجهي ..

و لكن .. هالات سوداء برزت تحت عيني .. بسبب قلة نومي .. و كثرة بكائي و نحيبي ..

رباه !!

غسلت وجهي بسرعة .. و أديت صلاتي ..

ثم ارتديت عباءتي و خرجت من غرفتي لأجد غيداء و عادل يتجادلان :

" لن أذهب "

" بل ستذهبين .. "

اقتربت منهما مستغربة :" ما الأمـر ؟! "

أجابني عادل بغضب :" لا تريد الذهاب معنا .. "

و صرخت غيداء :" ليس من حقك أن تجبرني "

تنهدت بعمق .. و اتجهت نحو الباب الرئيسي للبيت .. و استدرت مخاطبة عادل :

" هيا بنا .. "

استغرب عادل لأني لم أعاتب غيداء كالمعتاد .. بصراحة ليس لدي القدرة لذلك ..لقد يئست ذلك ..

خرجت من المنزل حاملة حقيبتي .. صعدت السيارة و أخذت أضبط خماري و أنا أنظر لنفسي عبر مرآة السيارة ..

و عندما تأكدت من أني أحكمت الخمار جيداً .. أسندت رأسي على الكرسي .. و بقيت أنتظر عادل ..

و هنا .. استرجعت كل كلمة نطق بها خالد و كل نظرة رمقني بها خالد .. و كل جريمة فعلها خالد ..

سال من عيني دمعة حرقــة .. و تبخرت من حرارة وجهي .. حرارة غيظي ..

من عادل ، و من غيداء .. و من الجميع .. و من كل شخص يعتقد أن خالد مريض و مجرم ..

ترى لماذا لا يبد خالد غضباً من موضوع الرحيل هذا ؟!! أيخفي غيظه عنا ؟!! أم أنه لا يبالي في هذا الموضوع أصلاً ,,...

ها هو عادل يصعد السيارة .. و يحادثني على بعض أمور عمله .. كنت مشغولة البال .. و لم أكن أركز معه ..

و عندما شغّل السيارة .. رن هاتفي الخلوي .. من يتصل بي الآن ؟!

أخرجت الهاتف من حقيبتي .. و ضغطت الزر ليجيب الطرف الآخر :

" ذِكرى "

صوت مألوف جداً .. صوت غيداء .. ما الذي تريده ؟!!

" غيداء ؟!! ما بكِ ؟!! ماذا هناك ؟‍! "

صمتت قليلاً .. ثم أجابت بحشرجة :

" هل لي أن أذهب معكم ؟!! "







أسندت رأسي على الكرسي بعد تلك المكالمة.. فسألني عادل :
" ما بها غيداء "

" تريد أن ننتظرها قليلاً .. تريد المجيء معنا "

" ماذا قلتِ لها "

" قلت لها .. حسنٌ .. تجهزي و نحن بانتظاركِ .."

ثم استدرت لعادل و سألت بحيرة :" ما الذي غيّـر رأيها يا ترى ؟! "

" لا أعلم .. ربما شعرت بالحنين إلى خالد .. كما تعلمين فهي لم تره منذ فترة طويلة جداً "

صمتت بذهول .. ثم قلت :" أوه لا .. هذا تطور كبير من غيداء .. إذ شعرت بالحنين إلى ابنها .."

و أخذت أصفق بجنون .. و عادل يبتسم .. و ها هو الباب الخلفي يفتـح ..و تدخل غيداء و تجلس في المقعد الخلفي ..

استدرت بابتسامة خبيثة و خاطبتها ..:" غيداء "

كانت هي ترتب خمارها و تجيبني :" نعم "

غمزت لها :" ماذا جرى لك اليوم .. أتريدين الذهاب معنا حقاً ؟؟!!! "

و نظرت إلى عادل الذي خفض رأسه ينتظر جواب زوجته مبتسماً .. و عدت أنظر إلى غيداء التي قالت بكل بساطة :

" نعم "

" لعلك لا تعلمين إلى أين سنذهب "

" بلى أعلم .. ستودعون خالد "

" و هل تجرئين على رؤيته .. ؟! أنت تخافينه "

" لا يوجد أم تخاف ابنها "

شهقت " واو .. و تدعينه بابنكِ أيضاً .. لا أصدق أنك غيداء "

خفضت غيداء رأسها هروباً مني .. و صرخت بزوجها :" هيا عادل .. ما الذي تنتظره .. انطلق "

:::::
خيم الحزن و الصمت السيارة .. و أخذ عادل يهذي ببعض كلمات غير مفهومة .. أما غيداء ..

تسند رأسها و توشك على النوم ..

توقفت السيارة بقرب العيادة النفسية .. فنزلنا متجهين نحوها ..

يقول عادل أن صديقه أبا سامر يساعد خالد في تجهيز حاجاته ..

صعدنا جميعاً السلالم .. عادل يمشي في المقدمة .. و أنا و غيداء خلفه ..متجهين نحو غرفة خالد ...

و عندما مررنا بالغرف .. فزعت غيداء لسماعها صرخات المرضى تلك ..

وقفنا نحن الثلاثة أما تلك الغرفة .. لم تكن مغلقة .. فكانت أصوات الممرضات و السيد أبا سامر تُسمع ..

دخلت أنا الأولى .. خالد يجلس فوق سريره ليس بملابس المرضى تلك .. و إنما كان متجهزاً للسفر ..

و بقربه يجلس السيد أبا سامر .. و الممرضات يجهزن حاجاته في تلك الحقيبة .. ( كمساعدة )

اقتربت أنا منه .. سلمت على السيد أبا سامر و جلست فوق السرير أتأمل خالد ..

هو حملق بي .. ثم توجهت أنظاره نحو الباب .. ليرى أباه و أمه ..

بدا مصدوماً لمجيئهما .. فهما لا يهتمان به .. و لا يفكران به ..

هنا رأيت في عيني غيداء صدمة كبرى .. قد وجدت تغييراً كبيراً في خالد ..

همس بأذني :" لمَ أتوا ؟! "

ابتسمت :" لقد اشتاقوا لرؤيتك يا عزيزي "

بدت ملامح الاستنكار على وجهه ..

اقترب عادل و سلّم على صديقه أبا سامر و جلس يحادثه قليلاً ..و لازالت غيداء تخشى الاقتراب ..

هنا يحملق خالد بوالدته طويلاً .. فنهضت أنا متجهة نحوها .. اقتربت منها .. فبدت خائفة جداً ..

همست :" هيه .. غيداء .. ما بكِ "

" أهذا هو خالد ؟!! لقد تغير كثيراً "

" من حيث ماذا "

" ملامحه .. نظراته .. كل شيء "

" صدّقيني خالد لم يعد مريضاً .. لا داعي للخوف "

سحبت يدها بلطف .. فرفضت :" إلى أين تسحبيني ؟ "

" لابنك "

" دعيني هنا أراقبه من بعيد .. و اذهبي أنت له "

تنهدت .. و تركتها كما شاءت .. و اتجهت نحو خالد .. جلست أمامه مشيرة إلى السيد أبا سامر :

" ما رأيك به .. ؟!! هل أنت مرتاح له ؟؟!! "

هزّ رأسه ايجابياً .. ثم قال بهمس :" نعم .. أنه لطيف "

بدا خالد أكثر حيوية من ذي قبل .. يبتسم للممرضات .. يضحك لي دائماً .. و ذلك زادني طمأنينة ..

و لكن غيداء .. ماذا عساها تفكر الآن ..هل لازالت تخاف خالد ؟!!

هنا انتهت الممرضات من تجهيز حاجات خالد في حقيبته .. فسمح لنا الطبيب بالمغادرة ..

قالت إحدى الممرضات باسمة :" كانت أياماً لا تنسى مع خالد .. "

و اقتربت منه تعبث بشعره :" كان عنيداً .. سنشتاق لكِ يا عزيزي "

ابتسم خالد ابتسامة رائعة جداً ..


ابتعدت الممرضات تاركات حقيبة خالد فوق السرير .. و بالمقابل تقترب .. غيداء ..

فاجأتني لجرأتها .. فهي تخاف خالد كثيراً .. تصطنع القسوة .. و لكن مجرد نظرة من عينه تحطمها ..

كانت هي تضع يدها على كتفي وجلاً .. و أصابعها ترتجف خوفاً.. تحملق بابنها بعمق شديد .. تعض على شفتيها بقوة ..

و هو .. لم ينتبه لوجودها أصلاً .. يراقب أباه و السيد أبا سامر و كيفية حديثهما ..

حتى انسحبت هي مدركة مدى خطورة هذا الفتى ..

إلـى متـى ستظل غيداء ضعيفة .. لا تقوى على تحطيم الحواجز التي تحجب ابنها عنها ؟!!

:::::

تمشي غيداء بجانبي تحملق بمن يمشي أمامها باهتمام شديد .. تراقب كيفية مشيه بعمق ..

تراقب حتى أطراف شعره التي تحركها التيارات الهوائية اللطيفة ..

كان عادل يضم خالد بذراعه اليسرى .. و يمشي محادثاً السيد أبا سامر في الجهة اليمنى ..

و تظل نظرات غيداء لا تفارق ذلك الجسد ..

مشينا حتى وصلنا إلى موقع السيارتين .. سيارتنا و سيارة أبا سامر .. هنا هو موقع الوداع الأخير ..

دخل السيد أبا سامر سيارته تاركاً لنا بعض الراحة ..
أمسك عادل بكتفي ابنه .. و بهمس أخذ يحادثه .. مانعاً تسرب أي كلمة إلى مسامعنا ( أنا و غيداء )

تراقبهما غيداء من بعد خمس خطوات تقريباً .. و تهمس في أذني :"يكاد الفضول يقتلني ..! فيما يتحدثان ؟!! "

هنا أرى خالد يهز رأسه ايجابياً .. ترى .. ماذا قال له عادل ؟!! .. أجيب غيداء :" أنا الأخرى لا أعلم "

و هنا يرتفع صوت عادل مخاطباً أبنه :

" و الآن .. سلِم على عمتك و أمـك .. فلن تراهما إلا بعد مدة طويلة جداً .."

يستدير خالد ليواجهنا أنا و غيداء .. تسري رعشة خفية في جسدها .. و أنا أقترب منه بخطوات بطيئة جداً ..

أنحني و أظل أحملق بقسمات وجهه الكئيب باهتمام .. و تعجبني مقلتيه الناعستان الرماديتان ..

ابتسمت و همست به :" سأفتقدك.. عزيزي "

سأفتقد همساتك .. نظراتكِ .. جرائمك .. و عطرك .. و هيئتك .. و برودة أصابعك .. و نعومة رموشك ..

و كل شيء ينتمي إليك ..

مددت يدي و أخذت أعبث بشعره بهدوء .. و أنا أحملق به بعمق .. هو أيضاً ,, يحملق بي ..

أحسست بحرارة تنبعث من وجهي .. و برد قارص ينبعث من وجهه ..

و هنا أحسست بشيء يطفئ نيران وجهي المشتعل .. دمعة تتلو دمعة ..

و هو يراقب دموعي بصمت .. مددت يدي و ضممت يده إلى صدري بلطف ..

و هنا تتفجر سيول .. و براكين .. و أمطار .. و عواصف .. و أمواج .. كلها دموع تعبر عن حرقة ..

طوقته بحرارة .. و أخذت أجهش بالبكاء .. و أشعر بأنفاسه الباردة تخترق وشاحي و تلامس رقبتي ..

و سمعته يهمـس :" و أنا أيضاً .. سأفتقدكِ "


أبعدت عني قليلاً .. لأقلب ملامحه الكئيبة مجدداً .. و أعود لأضمّه بحرارة .. و أمطره قبلاً ..

لم أكـن أعتقد أن فراقه سيكون صعباً هكذا ..

أنا لا أستطيع أن أبعده عن صدري فقط .. فكيف لي تحمل فراقه لمدة خمسة عشر سنة ..؟!!

+++

بعد فترةٍ ليست بقصيرة .. أبعدت ذراعي عنه .. و نهضت و أخذت أدقق النظر به من بعيد ..

و أنا أمسح بقايا الدموع التي تحرق أجفاني ..

أومأ عادل إلى غيداء بالاقتراب من ابنها و توديعه ..

هنا أدار خالد رأسه إلى جهـة أمه .. و هي هناك واقفة .. و العرق يتصبب على جبينها ..

ترتعد خوفاً ,, لا تجرأ على الاقتراب ..

عاد عادل ينادي زوجته :" غيداء .. اقتربي "

و لا حياة لمـن تنادي

" أتسمعينني .. ؟!! غيداء ! "

يركع رأسها .. و تسجد نظراتها ..

" غيداء ! "

صمت .. و خوف .. و رعب .. و وجل ..

هنا يتحرك الجسد الذي أمامي نحوها .. خالد .. أوه ..! لا ..

يقترب منها بخطوات ترعبها أكثر .. يقف أمامها .. و هي تموت خوفاً..

و لا أدري أي حديث دار بينهما .. و أي نظرات بينهما ..

********

كنت أتأمل ذكرى كيف كانت غارقة في النحيب من أجل خالد .. كانت كالمجنونة ..

تحضنه بقوة ..دون خوف أو تردد.. لم أكن أتخيل أني سأجبر على فعل ما فعلته هي أيضاً ..

ناداني عادل .. و طلب مني الاقتراب ..

هنا .. ارتعدت خوفاً .. ! وقفت لبرهة صامتة .. لم تناديني يا عادل لهذا الموقف .. ؟!!

و أنت تعلم أني لا أستطيع حتى النظر إليه ..

و مرة أخرى يناديني عادل مصراً على طلبه .. أقصد ( أمره ) ..

تصلبت .. و أنا منكسة الرأس ..

و يعود عادل لمناداتي .. فأصرخ قهراً في داخلي .. كفاك عادل .. أتريد قتلي ..؟!

كنت أدفن نظراتي في الأرض .. ألا و ألمح ظلاً يقترب مني .. عادل .. أتريد سحبي إليه ؟!!

رفعت رأسي بغضب .. و هنا صُعقت .. فلم يكن عادل .. و إنمـا ..

جسد يقف أمامي مباشرة .. بضع خطوات بيني و بينه .. بيني و بين المجرم .. المخيف ..

أقسم أنه تغير .. حتى نظراته بدت ألطف بقليل .. لم يكن كالسابق .. جامد لدرجة مخيفة جداً ..

ارتسمت على شفتيه ابتسامة .. و يا لها من ابتسامة .. لامستها أشعة الشمس ..

" أمـي "

نطـق بهذه الكلمة .. لأجلي .. و كأنه يناديني ..

خفضت عيني .. و بدأ قلبي بالنبض .. لدرجة أنه سمع هذا النبض الفاضح ..

" لم أكـن أتوقع أن أفارقكم لهذه المدة الطويلة .. "

كان صوته جديداً علي ..

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2007, 08:30 AM   رقم المشاركة : 14
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

ظللت أنا في صمت و خشوع و سجود .. فسمعته :

" أهذا يؤنسـكم ؟! "

كانت نبرة صوته أشبه بالعتاب ..

ظللت في صمت و خوف .. و هو يتأملني ..

حيث سمعت صوته مجدداً :

" كيف حال .. وائل ؟!! "

رفعت بصري نحوه .. لم ينطق باسم وائل بسهولة .. كان يضيّق فتحة عينه .. يتعذب كثيراً ؟!!

بل يغار كثيراً .. بل يحقد و يكره وائل كثيراً .. مسكين ابني وائل .. سوف يرتاح من حقد هذا المجرم أخيراً ..

همست بغيظ :" لا شأن لك بابني "

حملق بي بعمق .. ثم خفض عينيه .. ثم عاد ينظر لي ..

ماذا ينتظر هذا المخلوق ؟!! أضمه ..؟!! أقبلـه ؟!! أنه يحلم ..

أني لا أجرأ .. بل لا أريد .. هو لا يستحق مني كلمة " وداعاً.. "

خلع هو ساعته .. و قدمها نحوي .. نظرت للساعة و سمعته يقول :" أنها مجرد ذكرى .. لتذكريني دائماً "

لأذكر أن لي ابناً مجرماً .. ؟! لأذكر أن لي ابناً مريضاً ؟!

ظلت يده ممدودة نحوي حاملة الساعة .. أيريد مني الاحتفاظ بها ؟!! أو لبسها على يدي ؟!!

لا .. لـن أحتفظ بشيء أنت تملكـه .. فأنت مخيف و أشياؤك كلها تثير الريبة ..

دفعت بيدي الساعة رافضةً بشدة .. و همست مشيحة وجهي عنه :

" أعطها لذكرى .. أنا لن أحتفظ بشيء منك أنت "

و قلبي يرتعد خوفاً ..

نظر إلي .. كانت يحملق بي بأسى و حزن شديد .. خبأ الساعة في جيبه ..

و ظل واقفاً ينظر إلي .. شعرت بخوف .. و رعب ..

صرخت به :" ماذا تريد أيضاً ؟! .. انصرف و أتركني أعيش حياتي .. "

أخذ يطيل النظر إلي بنظرته تلك.. ثم قال :" إذاً .. أوصلي سلامي لوائل "

" أوه .. أعذرني .. لن أستطيع فعل ذلك "

قال مستغرباً :" لمَ ؟!! "

" آه .. لقد أوهمت وائل أنكَ .. أنكَ.. مت "

=

اتسعت حدقتا عينيه .. لقد انصدم حقاً .. لم يسألني عن السبب ..

كان صامتاً يحملق بي .. و الذي زاد من سرعة نبض قلبي .. نظراته لي ..

لمعت عيناه .. و كأن دموعاً توشك على الهطول ..

استدار .. و اتجه نحو عادل و ذكرى بخطوات بطيئة جداً .. منكس الرأس ..

فجأة .. أدار رأسه إلي .. و رمقني بنظرة لا يمكنني تفسيرها ..

و عاد يمشي ببطء نحو الاثنان ..

كان على خالد توديع أبـاه .. و لكنه أسرع إلى سيارة السيد أبا سامر .. و صعدها و أغلق من خلفه الباب .. تكوم على نفسه .. أخفى رأسه بين ركبتيه .. و غلّف نفسه بذراعيه ..
استغربت ذكرى .. فضربت النافذة طالبة منه فتح الباب .. و السيد ( صديق زوجي ) شديد الاستغراب من تصرف خالد .. أيمكـن أنه تأثر من كلماتي له .. أيمكن أني كنت قاسية معه ...؟!!
اقترب عادل مني و هزّني بعنف بذراعيه .. صرخ بوجهي :" ماذا قلتِ لـه "
" أخبرته بأنه مات في قلوبنا .. لم يعد هنا شخص أسمه خالد في حياتنا .. هو مات .. مات .. مات "
رمقني بنظرة غضب كبير ..همس بغيظ :" أنت تقتلينه بكلماتكِ هذه .. "
و دفعني بقوة .. و عاد متجهاً نحو السيارة .. سيارة السيد أبا سامر ..
فتح خالد باب السيارة تاركاً لذكرى المجال للاطمئنان عليه ..

كانت وجنتاه شديدة الاحمرار .. و وجهه يشتعل و يشتعل بنيران الغيظ ..
أمسكت ذكرى بكتفه .. و مسحت شعره .. و بدأت في دوامة بكاء لا نهائية .. ألا تمل هذه المرأة ؟!!
هي تظن أنه غاضب من والده الذي يرغمه على السفر و الفراق .. و لكنه غاضب مني .. رباه ..
لـن أقترب أكثر .. عيناه تشتعل نيراناً .. أنه يشتعل غيظاً .. و كأنه بركان يوشك على الانفجار ..
ربــاه .. علي الانسحاب .. ماذا فعلتُ ؟!!

أنـه .. أنه ابني رغم كل شيء ..

لماذا أطعن أبني ؟!!

آه سوف أجـن ..
.===.
أقلقني أمر خالد .. فبدا حزيناً لدرجة كبيرة .. مليئاً بالغضب لدرجة لا تتصور ..

سألته ماسحة شعره :" ما بك .. أهناك شيء ؟!! "

ينكس رأسه .. ليخفي احمرار وجهه الملحوظ .. نعم .. فعندما يغضب خالد .. يحمر وجهه احمرارا شديداً..

هزَّ رأسه نفياً .. و أجابني بصوت مبحوح :" لا شيء "

و هنا ابتعدت غيداء .. متجهة نحو أفق آخر ..

ينتابني فضول جنوني .. ماذا دار بينه و بين غيداء ؟!!

اقترب عادل من خالد .. فابتعدت أنا .. ظل عادل يضغط كتف خالد بيده مشجعاً :

" لا عليك من كلماتها .. أنها لا تدرك ما تقول .. "

ما الذي قالته غيداء ..؟!!

ابتعدت أنا متجهة نحو غيداء .. تاركة عادل يواسي ابنه كما يشاء ..

اقتربت منها .. حيث كانت تجلس على أحد المقاعد .. تراقب الناس من حولها ..

تنكس رأسه تارة .. و ترفعه لتدير عينها على كل شخص يمر بها ..

جلست بقربها .. خاطبتها بهمــس :" غيداء "

" هاه "

ابتسمت بسخرية :" ما معنى ( هاه ) "

نظرت إلي و عادت تراقب الناس واحداً تلو الآخر .. أردفت :" نعم .. "

" خالد "

" ما به "

" يحيرني أمره .. "

صمتت .. فقلت أنا :

" غيداء "

" هاه "

" ماذا قلتِ له "

صمتت قليلاً .. ثم أردفت :

" أهو غاضب ؟!! "

" بل يموت غيظاً "

استدارت هي .. لتنظر لعادل كيف كان يقف بقرب باب السيارة ..

و ينحني .. ليحادث ابنه الجالس في المقعد المجاور له ..

و عادت تراقب الناس.. و تتنهد بعمق :

" مجرم .. غيور لدرجة كبيرة .. يغار و يحسد و يحقد على ابني المسكين وائل "

" ربما يكون كذلك .. و لكن .. ماذا قلتِ أنت له ليعكر مزاجه لهذا الحد "

صمتت لبرهـة .. ثم استدارت لي .. و خاطبتني بانفعال :

" هو مات مات مات مات مات .. مات .. مات .. "

حملقت بها بغضب و هي تردد هذه الكلمة بجنون :

" مــات .. مات .. مات .. مات .. ليس لي أبن أسمه خالد "

صرخت بها و أنا أعض شفتي بغيظ :

" كفى ..عادل رغم أنه قاسٍ أحياناً ..و لكنه حنون أحياناً أخرى ..و لكنكِ قاسية في كل حين ..في كل لحظة "

حملقت هي بي .. ثم نكست رأسها .. فاستدرت أنا لأرى عادل لازال كما كان..

و عدت أنظر لهذه المرآة .. أنها كتلة "قسوة" حقاً ..

==

لأول مرة ... أشعر أن لي ابناً رائعاً .. كخالد ..

كم و كم .. صرخت بأعماقي .. لم لي أنا هذا الابن .. العاق ..المريض و المجرم ..

اليوم عندما ابتعدت ذكرى عني .. وقفت أتأمله .. أتأمله حركاته .. و نظراته ..

أخبرتني غيداء .. بما قالته له من كلمات قاتلة ..

كان شديد الغضب .. يحترق .. ينصهر .. يشتعل .. و ينفجر غيظاً ..

انحنيت .. و همست به :" خالد "

و بصوته الجاف أجابني ..:" نعم "

" قلت لك .. لا داعي للغضب من والدتك .. لم تكن تقصد ..... . "

قاطعني :" أنا لست غاضباً منها .. "

قلت بانفعال :" إذاً ممـن ؟!! "

كان ينكس رأسه .. صمت لبرهة .. و لكني رأيت بعض آثار قطرات الماء على بنطاله .. أهو المطر ؟!

أي مطر ؟!! نحن في فصل الصيف ..

أنحيت جذعي أكثر لأرى وجه ابني أكثر احمراراً .. و الذي صدمني .. دموع ..؟!!

أنها الدمــوع .. ابني خالد يبكي ؟!! منذ زمن طويل لم أرى فيه دموعك عزيزي ..

ما الذي يحزنــك صغيري ؟!! ..

مددت يدي و رفعت رأسه .. وجهه شديد الاحمرار ..و عيناه نيران .. و براكين .. و دموع تسيل منهما ..

و بخفوت سألته :" ما بـك ؟!! "

عـضَّ على شفتيه الورديتين .. و ضيَّق فتحة عينيه .. أتتعذب عزيزي ؟!!

أشاح بعينيه عني و هو يمسح دموعه .. ظللت أتأمله .. ما به أبني ؟!! لمَ كل هذا الحزن الجامح في عينيه ..؟!

أظـن أن كلمات غيداء أثرّت به تأثيراً كبيراً ,, أم تراه لازال يغار من وائل كما تقول غيداء ..
تسيل دمعة من مقلتيه .. فيسرع بمسحها .. مصطنعاً القوة ..

اقتربت منه .. همست بقلق :" خالد "

لم يجيبني ..

لاحظت كيف كانت أصابعه ترتجف ..و العرق يتصبب على جبينه ..

" خالد .. ما بك ؟!! "

و لم يجيبني ..

قبضت على يديه مانعاً أي ارتجاف .. لأمتص كل حزنك صغيري .. و كل رعشة حزن تسري فيك عزيزي ..

و مسحت شعره .. فإذاً بحرارة و نيران تتفجر من رأســه ..

ناديته :" بني ! "

بكل عطف و حنــان .. و أنا لا أعرف الحنان أصلاً .. و لكن .. ذلك الحنان انصب إلى قلبي فجأة ..

مددت ذراعي له .. و غلّفته إلى صدري ..

==

بينما كانت غيداء تسترجع ذكرياتها و تحكيها لي .. كما تسميها هي .. " مأساتها مع خالد "..

و غيرة خالد الجنونية من أخيه وائـل .. كنت أنصت إليها بصمت و أنا أراقب سيارة السيد أبا سامر ..

ابتعد عادل عن سيارة .. و هنا صُدمت .. فقد انطلقت السيارة بسرعة نحو أفق آخر .. و كأنها لن تعود ..

تخطف خالد عن بصري .. لم يكتمل الوداع الأخير .. فلم آخذ كفايتي من تأمله ..

و غيداء لازلت تثرثر بذكرياتها المملة .. فأصرخ بها :" هيه .. أنظري "

أشرت إلى السيارة المنطلقة بسرعة البرق .. نهضت غيداء مندهشة :" سيسافر الآن ؟!! و لكن..."

قلت بحسرة :" لكنا لم نودعه جيداً .. "

أمسكت غيداء بيدي و قالت :" تعالي "

مشيت معها بسرعة نحو عادل الذي كان يراقب السيارة الراحلة ..إلى البعيد ..

صرخت أنا بعادل :" عادل .. أين السيارة ؟!! إلى أين ستذهب ؟!! "

تنهد مبتسماً .. اتجه نحو سيارته تاركاً من خلفه أنا الحائرة ..

صعد السيارة .. فانطلقت غيداء لتصعد المقعد الأمامي .. و صعدت أنا المقعد الخلفي ..


حيث حرك عادل السيارة ..

صرخت به غيداء :" عادل ؟!! أين ذهب صديقك و خالد ؟!! "

و بكل برود يردف :" سافرا "

صرخت أنا :" لا .. ليس بهذه السرعة .. أنا لا أتخيل غيابه عن عيني لهذه المدة الطويلة .. عادل .. لا تكذب علي .. خالد لن يسافر .. أليس كذلك ؟!! آه .. آه .. خالد "

و بدأ نهر دموعي بالتدفق ..

و في الجهة الأخرى تصرخ غيداء :" عادل .. فسّر لي تصرفك هذا .. لماذا سمحت لهما بالسفر الآن"

ابتسم عادل ابتسامة سخيفة .. أبنه يسافر .. و هو يبتسم .. أنا أبكي و غيداء تصرخ .. و هو على النقيض تماماً ..

يبتسم ! بكل بســاطة ..

حيث أردف :" حتى أنت يا غيداء تأثرتِ من رحيل خالد ؟!! أظن من مصلحته و مصلحتنا أنه يسافر "

ثم قال :" خالد .. أخبرني أنه يريد الرحيل .. كفاه ما رأى هنا .. لقد تعذب كثيراً هنا .. دعـوه يسافر و ينسى و يرتاح .. فالراحة و الفرح .. لم يزورا قلب خالد الضئيل منذ فترة طويلة جداً .. جداً .. "

لطمت على رأسي .. و أسندت غيداء رأسها على المقعد .. و تنهد عادل ..

و بكيت أنا ..بكاءاً مريراً ..

طويلا ..! طويلا ..! طويلا ..!


همس عادل :" لأول مرة .. لأول مرة .. أرى فيها .. دموع خالد "

تساءلت غيداء مستغربة :" دموع خالد ؟!! "

صرخت أنا :" خالد بكى ؟!! "

نكست غيداء رأسها :" أظـن أنني السبب !! "

==

طلبت من عادلأن يتوقف بقرب الشاطئ قليلاً ..


نزلت أنا من السيارة ..و أمسكت بيد غيداء .. و جلسنا على الرمال .. نراقب غروب الشمس ..


كنت أمسح دموعي قهراً .. و حزناً .. حتى سمعت غيداء تهمس :" أتعلمين ! أنها تشبه خالد "


رفعت رأسي .. و نظرتللشمس .. و سألتها بصوتٍ مبحوح :" أتقصدين الشمس ؟!! "


هزت رأسها ايجابياً .. مبتسمة !


" أول ظهورها .. تكون لطيفة و رائعة و دافئة .. تماماً .. كماكان خالد في صغره ..


و عندما تبلغ الشمس الظهيرة .. تكون ساطعة و عمودية وحارقة .. فنحتمي منها ..


تماماً كما كان خالد قبل دخوله المشفى .. كان يرتكبالجرائم بكل اندفاع .. بلا قيود .. بكل وحشية ..


و نحن نحاول قدر الإمكانالحماية منه..


و عندما تبدأ الشمس بالمغيب .. نتأملها لنودع الغروب الأخير ..


و كأنها خالد .. نودعه الوداع الأخير رغم ما يفعله .., و نبكي لأجله .. "


و نظرت إلي :" ألا يشبه الشمـس ؟! "


حملقت بها .. ثم عدت أنظر إلىالشمس الغائبة .. هززت رأسي ايجابياً :" ربما..!! "


ثم نظرت إليها :" و لكنهأروع منها بكثـير "


انكشفت بعض شعيراتها البنية .. فقد خُفض خمارها علىكتفيها دون أن تشعر .. فكشف شعرها ..


ابتسمت .. و خاطبتها مشيرة إلى شعرها :" شعـرك "


بدت غير مستوعبة الأمر .. حيث رأيت أيدٍ من ورائها .. ترفعخمارها على رأسها ..


كانت أيدي عادل .. فزعت غيداء .. و جلس عادل وسطنا ..


ضمني بذراعه اليمنى و بذراعه اليسرى يضم غيداء ..


و أخذنا نتأملالغروب الأخير ..


أنه فعلاً غروب أخير ..


يا خالد ..!
الجزء السادس عشر

أنه يقتحم حياتنا الهادئة

( يسعدني أن أعرفكم بنفسي .. لأبرز دوري في هذه القصة ..)

أنا فتاة في التاسعة من عمري .. أدعى " زينة " .. سامر أخي الذي يصغرني سناً .. و عمره ثمان سنين .. و أختي الصغيرة هدى .. عمرها خمس سنين .. و أمـي .. أنها قاسية و عصبية أحياناً .. و لكنها حنونة جداً .. و أفضل أم في العالم .. و أبي .. أنه يحبنا كثيراً ..

لقد أتى بنا منذ زمن بعيد إلى هذه البلاد .. كنا نعيش في بلدنا الأصلية في المنطقة الجنوبية .. حيث نظلم ..
كنا فقراء جداً .. والدي لم يكن يستطيع إطعامنا و لا سترنا و لا حتى الاطمئنان علينا هناك ..
أبي كان يبحث عن عملٍ جيد .. و لكن دون جدوى ..

هذا ما جعله يأتي بنا إلى هذه البلاد .. الرائعة .. هنا .. أبي يعمل.. و هو يسكننا في منزل متواضع .. و نعيش كالناس .. و أفضل أيضاً .. أنا فرحة لوجودي هنا ..

أنا أعيش هانئة .. مع أسرة رائعة .. و لكـن .. الشيء الوحيد الذي يعكر صفو حياتي هو ..
أننا نملك بشرة سوداء قاتمة .. و هذا يجعل بعض الفتيات المغرورات في المدرسة ينفرن مني ..
و كذلك سامر يعاني المشكلة ذاتها .. و لكني أتعذب أكثر ..

فأنا فتاة ..و أريد أن أكون جميلة جذابة .. كبقية الفتيات ..آه .. هذا الأمر يزعجني جداً ..

والدي مسافر إلى بلادنا الأصلية لأيام قليلة .. فقط لكي يرى أصدقاءه ..
و لكنه اتصل لنا منذ أيام لكي يخبرنا بأن شخصاً آتٍ معه .. ( ابن صديقه )

أمرنا بتجهيز غرفة له جيداً .. لأن ( الشخص ) هذا .. سيسكن معنا في بيت واحد تحت سقف واحد ..
أنا لم أعلم عن هذا الأمر الكثير .. بينما كانت أمي تكاد تنفجر غيظاً ..

تحول المخزن إلى غرفة أنيقة جداً .. أهو ملك آتٍ للعيش معنا ؟!! إن غرفته تفوق جمال غرفتي بكثير..
و اليوم سيرجع أبي معه ( الملك ) الآتي للعيش معنا ..


الآن أنا مع أمي نشتري طعاماً ( أنيقاً ) .. استقبالاً للملك الآتي ..
سامر يكاد يجن عندما رأى الكثير الأطعمة المختلفة المرتفعة الثمن .. و اللذيذة .. التي لم نشتريها من قبل ..
و لم نعتد على تناولها .. و لكن مؤكد .. أن ( الملك ) الآتي اعتاد على تناولها ..

هنا انتهينا من شراء الأطعمة .. و ها نحن نقف ننتظر سيارة أجرة توصلنا إلى منزلنا ..
خاطب سامر أمي متنهداً :" آه أمي .. إلى متى سنبقى نصعد سيارات الأجرة ؟!! ألن نشتري لنا سيارة ؟!! "

" إلى أن يتحسن وضعنا أكثر .. "

ها هي سيارة أجرة تقف سامحة لنا الصعود ..تراكضنا لها .. و صعدناها .. فانطلقت نحو منزلنا ..
و هناك توقفت .. هبطنا جميعاً .. فاستوقفنا السائق :" هيه .. أين حقي من المال ؟!! "
استدارت أمي للسائق متنهدة :
" أوه سيدي .. لقد نفذ مالنا كله بسبب شراءنا لهذه الأطعمة الغالية .. لن أستطيع أعطائك أي قرش "
صرخ الرجل :" ماذا ؟!! .. "
و بدأت أمي تشاجر الرجل كالمعتاد .. ألا و يخرج أبي من المنزل .. آه أنه أبي .. لقد رجع من سفره ..
اقترب من السيارة ماداً يده حاملاً بها أوراق نقدية :" هذا هو حقك يا سيد "
انصرف السائق.. فرمى سامر نفسه بأحضان والدي .. و انقضت هدى هي الأخرى على والدي ..
" بابا .. اشتقنا لك "
" أبي ما أسعدني برؤيتك "

و ها هو والدي الغالي يحمل هدى على كتفه .. و يضمني أنا بذراعه الأخرى و يمشي نحو المنزل .. و تتبعه أمي و سامر فرحان .. لقد اعتدنا على سفر والدي المتواصل ..و لكنه يظل غالٍ على قلوبنا جميعاً ..

أخذت أنا و سامر ندور في المنزل فرحاً لقدوم أبي.. و ها هي أمي تضع أكياس الطعام في المطبخ .. و تعود لتشاركنا فرحنا .. انهمكنا في الصراخ و الفرح .. فقاطعتنا أمي سائلة والدي :

" أبا سامر ؟!! ألم يأتِ الضيف ؟!! لقد اشترينا طعاماً فاخراً جداً ترحيباً به "
ابتسم والدي :" بلى .. أنه تعب جداً .. لذلك تركته ينام في الغرفة المجهزة .. أي الغرفة الخاصة به "
و قال ممازحاً أمي :" لمَ الانزعاج ؟!! أنه فتى لا يبلغ من العمر سوى عشر سنوات .. و ليس رجلاً "
نهض سامر و قال بخبث :" أريد رؤيته "

فصرخ به والدي :" لا .. لا تدخل عليه الغرفة فجأة .. فهو ينزعج من ذلك .. ثم لا أريدك أن تحادثه بأسلوبك هذا .. يجب أن تراعي المزاج الذي عليه .. لأنه مزاجي جداً "

قلت ساخرة :" آه .. كل هذا ؟!! قلي أبي .. أهو ملك ؟؟ "
" لا ليس ملكاً .. بل طفلاً .. و لكنه ليس عادياً "
" كيف ذلك أبي "
" الطفل يعاني مرضاً نفسياً "
شهقت أمي .. :" رباه .. "
" نعم .. و سوف أرسله إلى عيادة نفسية إلى أن تستقر الأمور "
بدت أمي مضطربة .. و في الوقت نفسه .. سامر متحمس جداً ..

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2007, 08:34 AM   رقم المشاركة : 15
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

بقينا بعض الوقت ننتظر ( الملك ) إلى أن يصحو من سباته العميق لكي نتناول غداءنا الفاخر ..
و لكن لا يبدو أنه سيصحو ..

أخذت أنا و سامر نلعب قليلاً لنشغل أنفسنا .. و لكن رائحة الطعام تجذبنا ..
صرخ سامر بغضب :" آه .. إلى متى سيستيقظ هذا الفتى ؟؟! أكاد أموت جوعاً "
" أنه في سبات عميق .. و لن يستيقظ .. ألم تسمع والدي عندما قال أن الفتى تعب جداً "
نظر إلي سامر نظرات خبيثة جداً .. ثم قال بهمس :" خطرت ببالي فكرة "
اقتربت منه :" ما هي ؟!! "
همس بأذني :" نذهب لإيقاظه "
قلت بدهشة :" سوف يوبخنا والدي .. "
" نذهب دون أن يشعر أحد "
هززت رأسي ايجابياً مؤيدة الفكرة .. ينتابني حماس لرؤية هذا الفتى ..( الملك ) ..
و لكني خائفة دون سبب .. لحقت بسامر .. و تسللنا إلى السلم .. دون أن يشعر أحد ..
وقفنا أمام الغرفة بخوف.. و هنا فتح سامر الغرفة قليلاً و أنا خلفه .. لم أكن أرى شيئاً.. حيث سمعت أخي يقول :
" لا أراه .. يغطي وجهه باللحاف .. "
و كأنه على علم بأننا آتون لرؤيته ..

حيث رأيت فتحتي عينا سامر تتسعان دهشة .. و شهق هامساً :" واو .. وسيم جداً "
" هل رأيته ؟!! أريد أن أرى .. ابتعد "
كنت متحمسة جداً .. بعد أن علمت بأن ( الملك ) .. وسيم .. آه يال خجلي ..
مددت يدي لأفتح الباب أكثر .. لأطل على الغرفة لأرى ( الملك ) ..
ألا و صوت أمي يفزعني :" هيه .. ما الذي تفعلانه ؟!! "
تسمر سامر .. و قلت أنا منقذة :" كنا نبحث عن كرتنا "
قالت مستنكرة :" كرتكما؟!! أتبحثون عن كرتكما هنا!! "
أغلق سامر الباب بهدوء و هرب نازلاً السلم و أنا خلفه ..
رمى سامر جسده على المقعد في الصالة .. تنهد :" كدنا نُكشف "
صرخت به :" لكني لم أرى الفتى .. "
ابتسم سامر .. و نظر إلي بشفافية :" آه .. أنه وسيم جداً .. "
" كيف رأيته "
" كان يغطي وجهه .. و لكنه بعد ذلك أزاح اللحاف على وجهه دون أن يدري .. فهو نائم "
صرخت به :" يال قهري .. لم أره "
" و أنا أيضاً لم أره جيداً .. و لكنه بدا لي لبرهة .. وسيم جداً جداً .. أظن أنه من المنطقة الشمالية في بلدنا "
قلت بحماس ممزوج بقهر :" صفه لي "
قال سامر قاصداً إغاظتي :" لا .. لا أذكر شيئاً "
" قلت لك صفه لي "
" لا "
" صفه لي "
هاجمته و أخذت أشد شعره المجعد بقوة .. بينما كان هو يضحك ..
حتى ارتفعت صرخاتي و ارتفعت ضحكاته و وصلت إلى مسامع أبي ..
خرج أبي من المطبخ غاضباً :" هيه .. لمَ الشجار ؟!! "
حيث غمز سامر لي و قال :" أأقول له لمَ الشجار ؟!! "
شعرت بحرج شديد .. فعاد والدي للمطبخ ..
صرخت بسامر :" أنك تثير غيظي "
و ها هي أمي تخرج من المطبخ و تناديني قائلة :
" زينة .. تعالي .. و أنظري شكل الطعام المجهز .. "
ركضت نحو المطبخ و لحق بي سامر .. وقفت مذهولة ..
أرى طاولة الطعام مملوءة بالصحون التي تحتوي أطعمة مختلفة من كل صنف ..
آه .. لم أرى هذا الطعام الشهي في حياتي .. و لم أتذوقه ..
هجم سامر بجنون على أحد الصحون .. فاستوقفته أمي صارخة به :" لا .. فلننتظر الـ... "
صرخ سامر مقاطعاً أمي :" ننتظر الفتى النائم .. إلى متى سيظل نائماً .. غارقاً في أحلامه الوردية و نحن نكاد نموت جوعاً .. آه .. ألا يكفيه ما نام ؟!! أني أتضور جوعاً بسبب هذا الفتى المتعجرف .. "
وصلنا صوتاً جديداً جافاً رائعاً ..
" أتقصدني يا هذا ؟!! "

استدرنا جميعاً في آن واحد .. آه .. أهو الملك حقاً ؟!! رائع .. لا يمكنني وصفه لكم ..
كان صارماً .. و لكنه وسيم .. أطول مني و أطول من سامر .. يملك شعراً أسوداً كثيفاً ناعماً نسبياً ..
و حاجبان غليظان ..و مقلتين ناعستان رماديتان .. لأول مرة أرى مقلةً بهذا اللون الغريب الرائع ..
أنفه طويل نسبياً .. يتناسب مع ملامح وجهه .. و ليس كأنفي القبيح الضخم ..
شفتاه ورديتان ضئيلتان .. ( علي وصف كل شيء )
وجهه ناصع البياض .. صافٍ جداً .. و هذا ما أحزنني ..
آه .. لن يشرف الملك أن يمكث مع أناس يملكون بشرة سوداء ..
قد يتكبر علينا ..!!

ابتعدت أنا قليلاً .. بينما أسرع سامر بالاعتذار .. و أخذ يتأمله بلهفة ..
أمي بكل ضيق .. تدعوه إلى تناول الطعام معنا ..
و لكنه فاجئنا .. فقد انصرف بعد أن رمقنا بنظرة لا تخلو من الاحتقار ..
( قلت لكم .. قد يتكبر علينا )

صرخت أمي بوجه أبي :" أهذا جزائي ؟!! لقد أنفقنا الكثير من أجل تحضير غداءاً مميزاً .. و ها هو يتجاهلنا "
قال أبي :" نسيت أن أخبركم أن الفتى يفضل تناول طعامه وحده "
عضّت أمي شفتيها قهراً :" وكلت أمري لله "
ها هي أمي تبدأ بتجهيز طعام ( الملك ) في صينية له ..
آه ..جذبني هذا الفتى كثيراً .. كثيراً .. كثيراً ..

حملت أمي الصينية و اتجهت نحو غرفة الفتى .. فلحقت بها ..
فتحت الباب .. ففزع الفتى المتمدد على السرير .. نظر إلى أمي بنظرة حادة .. و باحتقار ..
ثم قال بغضب :" ألا تعلمون كيفية طرق الباب ؟!! "
نظرت أمي إليه بغضب ( فهي عصبية و الله الساتر ):
"و أتريد مني أن أطرق الباب ؟!! و منذ متى كنت أنا أطرق أبواب الغرف لأدخلها ؟!! نحن لم نعتد على ذلك "
استو الفتى على سريره جالساً و قطب حاجبيه .. و بحزم أردف :
" لا أريد منكم دخول الغرفة .. إلا إذا طرقتم الباب.. و أنا من أسمح لكم بالدخول "
اقتربت أمي منه ( ماسكة أعصابها ) ..و وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة التي بقرب السرير ..
و خرجت من الغرفة موصدةً الباب ..
و الآن انفجرت .. و كأنها قنبلة موقوتة .. ركضت نحو والدي .. ضربت طاولة الطعام صارخة :
" ما هذا الفتى ؟!! أنه لا يحترمني .. أنني في عمر أمه .. كيف يعاملني هكذا ؟!! أيعامل الناس دائماً هكذا ؟!!"
قال والدي :" لا بأس عزيزتي .. تحمليه .. فما هي إلا فترة .. و نرسله إلى العيادة النفسية "
تنهدت أمي .. و جلست بقرب أخي الذي يكاد يلتهم طاولة الطعام بأكملها ..
و أخذت تطعم أختي الصغيرة هدى .. جلست أنا على مقعدي .. و أخذت أتناول طعامي اللذيذ بشهية مفتوحة ..
تكاد أمي تموت غيظاً .. إن مجرد فكرة أن شخص غريب آتٍ للعيش معك في منزل واحد ( أمر مغيظ )
فكيف إذ كان الشخص كهذا الفتى ..؟!!
بعد فراغنا من تناول ( الطعام الشهي ) .. تخاطبني أمي بانزعاج :
" زينة .. اذهبي و اجلبي صينية الطعام التي لدى الفتى .. حالاً "
خاطبها أبي :" و لماذا لا تذهبين أنتِ ؟!! ابنتكِ ليست خادمة "
قالت أمي بانزعاج شديد :" لا أريد رؤية ذلك الفتى "
خاطبتني أمي :" هيا اذهبي .. ما الذي تنتظرينه ؟!! "
جريت جرياً نحو غرفة الفتى .. كدت أوشك على فتح الباب ..
و لكن تذكرت أن الفتى أمرنا بطرق الباب قبل دخول الغرفة ..
طرقت الباب طرقتين .. فسمعت ذلك الصوت يقول :
" أدخل "
فتحت الباب بهدوء .. حتى رأيت الملك متمدد على السرير ..
لا شيء غير التمدد و النوم .. أنه ليس حيوي بتاتاً ..
اقتربت منه .. و هو يتجاهلني .. و لا يبادلني حتى بنظرة ..
اتجهت نحو الصينية .. ما هذا ؟!! صرخت به :
" أيها الفتى .. لمَ لم تأكل شيئاً ؟!! "
تنهد :" لم يعجبني "
صُدمت .. الطعام الشهي المرتفع الثمن .. لم يعجب الملك ..؟!!
إذاً ماذا يأكل الملك .. قد يأكل ذهباً .. و نحن غافلون ..
صرخت به :" هيه .. أأنت مجنون ؟!! الـ... "
رمقني بنظرة حادة جداً .. جداً .. أخافتني .. و همس بي بغضب :" أخرجي فوراً .. "
حملت الصينية و ركضت نحو والدتي .. وضعت الصينية أمامها .. و قلت :" الفتى لم يعجبه الطعام "
صرخت أمي بغضب :" ماذا ؟!! ماذا يظن نفسه ؟!! "
قلت ساخرة :" الملك "
وضعت أمي الصينية على الطاولة .. و تهجم سامر عليها كقط جائع لا يشبع ..
خاطبت أمي أبي الذي يقلب قنوات التلفاز:"أنظر .. الفتى لم يعجبه الطعام المرتفع الثمن .. إذا ماذا يعجبه ؟!! "
" لا بأس .. تحمليه .. ما هي إلا فترة قصيرة و أرسله إلى عيادة نفسية "
آه يبدو أن الفترة ستطول .. و أمي ستجــن ..
مـر الوقت .. دون أن يخرج الملك من غرفته .. ترى ماذا يفعل هناك ؟!!
اتجهت نحو غرفتي لأبحث عن كرةٍ ألعب بها مع سامر .. و لكني توقفت أمام المرآة لبرهة ..
ما هذا ؟!! أنني غير مرتبة كلياً .. لذلك الملك لا يطيق النظر إلي ..
يا لي من بلهاء .. يجب أن أرتب نفسي قليلاً .. احتراماً لوجود الملك ..
بحثت من بين ملابسي عن ملابس جيدة .. آه .. ..**** لا يوجد ..

لكـن .. أنا لن أستطيع أن أجد بين ملابسي ملابس ذا سعر مرتفع كملابس ( الملك ) ..
لذلك .. سأبحث عن أفضل ملابسي .. أخذت أبحث و أبحث.. أقلب في هذا .. و أقلب في هذا ..
إلى أن رست عيني على بنطال ضيّق و بلوزة ضيقة جداً ..
ليست ملابسي هذه بالرائعة .. و لكنها جيدة ..
ارتديتها و عانيت الكثير في ارتداءها .. ( فكانت ضيقة ) و يال ضيقها ..
بالكاد سمح جسدي السمين بتغليفه بملابسي ( الجيدة الضيقة ) هذه ..
نظرت إلى نفسي في المرآة .. آه .. كم أخجل أن أظهر أمام الملك هكذا .. بهذه الملابس الضيقة جداً ,, جداً ,,
تناولت مشطاً و أخذت أسرح شعري .. آه .. معركة عنيفة مع شعري المجعد هذا ..
آه .. أريده فقط أن يبدو مرتباً .. لا أريد أن أبدو كشمسٍ .. ( هكذا كان يدعوني أخي سامر ) ..
عانيت الكثير .. حتى بدا ( شبه مرتب )
و وجهي .. ما الذي يرتبه الآن ؟!! ما الذي يغير لون بشرتي القبيح هذا ؟!!
لا شيء .. أعلم ..

خرجت من غرفتي خجلة .. أخاف من سخرية أخي ..
اقتربت منهم في الصالة .. جلست معهم .. بينما كانوا منهمكين بمشاهدة التلفاز ..
" زينة .. ما الذي ترتدينه ..و ما به شعرك ؟!! "

كان سؤال أمي الخارجة من المطبخ ..
نكست رأسي بخجل كبير .. عندما التفت إلي والدي و سامر ..
ضحك سامر :" تريد أن تتزين .. "
و قال أبي :" أنت يا زينة بدون هذا ( زينة ) "
يريدون رفع معنوياتي .. و لكني أعلم أني قبيحة رغم كل شيء ..
ابتسمت :" فقط أحببت أن أرتب من نفسي قليلاً .. هل أبدو أفضل"
قال أبي مشجعاً :" بالطبع .. بالطبع يا زينة "
أعلم أنكم تجاملوني ..

حيث جاءتني قنبلة أمي :" بل أقبح .. ما هذا ؟!! ملابس ضيقة جداً و أنت سمينة ؟!! و تسرحين شعرك تسريحة لا تناسبك أبداً .. ابنتي .. دعك من هذه الأفكار و عودي إلى طبيعتك الأجمل "

صرخت بأمي :" لماذا أهمل نفسي ؟!! ألانني قبيحة في الأصل ؟!! أمي أريد أرى نفسي جميلة و لو لمرة "
نهضت بغضب .. و ركضت نحو السلم .. و بقيت أبكي ..
هي عادةً مني .. السلم هو من يستقبل دموعي ..
غادر الجميع الصالة دون أن يتقدم أي واحد منهم لمواساتي ..فبقيت أبكي بصمت ..

أنني قبيحة !!
الجزء السابع عشر
الفتى و أمي .. مشاحنات لن تنتهي ..

كنا جميعاً جالسون نتأمله .. و هو يحادث أسرته عن طريق الهاتفالخلوي الخاص لوالدي ..
كان يتحدث بهمس .. لكي لا نسمع شيئاً .. حسنٌ .. أتخفيأسرارك عني ..؟!!
هنا انتهى الملك من محادثة أسرته فأغلق الهاتف ..
و اتجهنحو السلم .. فاستوقفه والدي :" إلى أيـن ؟!! "
التفت الملك لوالدي باستغراب .. أردف :" إلى غرفتي .. أهذا ممنوع ؟!! "
نهض والدي من كرسيه و اقترب من الفتى وأمسك ذراعه :
" تعال و أجلس معنا قليلاً .. فأبنائي يودون سماع قصة حياتك ومعاناتك .. "
معاناة ؟!! أتعذب و عانى الملك من قبــل ؟!!
رمقنا الفتى بنظراتحادة جداً .. ثم سحب ذراعه من قبضة يد والدي .. و اتجه نحو غرفته ..
ربــاه .. يال جمود هذا الفتى ..
عاد والدي و جلس على مقعده .. فإذا بأمي تصرخ به :" أنتتدللـه كثيراً ..أكثر من أبنائك "

" لا بأس يا أم سامر .. هو ضيف .. و سوفأرسله إلى ... "
قاطعته أمي بغضب :
" ترسله إلىالعيادة النفسية ..و لكن متى؟!! إلى متى سيظل عبئاً علينا .. نحن لا نستطيع الإنفاق على أنفسنا كما يجب .. فكيفيستوجب علينا الإنفاق على فتى جديد ؟!! "

ثم قالت أمي رافعة صوتها أكثر :" و لماذا لا يدفع والده لنا نقوداً جزاء إسكانه معنا ؟!! "

" بلى .. إن والدهسيرسل لي مبلغاً نهاية كل شهر .. و هو سيرسل لابنه نقوداً ليشتري مستلزماته .. "

تنهدت أمـــي .. و أنا كنت خائفة .. قد وصلت أصوات أمي العالية لمسامعالفتى ..

+++++

في اليوم التالي .. عدت من المدرسة ( مشياً ) .. معأخي سامر الذي كان يداعب كلبه ..
هناك كلب يحب سامر كثيراً .. يلاحقه ..و ينتظرمنه إطعامه .. سامر لا يملك أصدقاء .. فيعتبر هذا الكلب .. صديقه الوحيد ..و ها هوسامر يخرج من حقيبته قطعة الخبر و يقدمها للكلب .. و هنا يبدأ الكلب بالتهام القطعة .. و يعود لمداعبة أخي ..إلى أن وصلنا للمنزل و لازال الكلب يلاحقنا ..
خاطبنيسامر :" سوف أطعمه في المنزل .. يبدو عليه الجوع "
تنهدت :" يا إلهي ؟!! لم أرَفي حياتي شخصاً يحب إطعام الكلاب مثلك "
ضحك .. و ركض نحو المنزل و الكلب يلاحقه .. الكلب ضخم جداً ..
فتح سامر الباب .. فاندفع الكلب راكضاً إلى داخل المنزل ..
كانت أمي تنظف أرضية المنزل بالماء و الصابون .. فانزلق الكلب .. و اندفعاندفاعا قوياً ..
و يال خوفي .. فقد كان ( الملك ) و أبي يتحدثان أمام الكلبمباشرةً ..
ابتعد والدي عندما رأى الكلب يندفع نحوه .. و لكن الملك لم ينتبه إلىالكلب إلا بعد فوات الأوان ..
فقد اندفع الكلب دافعاً الفتى .. فهوى الفتى علىالأرض ..و الكلب فوقه ..
هتف بخوف :" رباه .. ما هذا ؟!! "
الكلب بصراحة ضخمو مخيف .. و مؤكد أن الملك سيخافه ..
أغمض عينيه و صرخ بنا :" أبعدوه عني "

أخذ سامر يضحك ضحكاً جنونياً .. و أنا في صمت و خوف من الملك ..

هنايبعد والدي الكلب عن الفتى .. فينهض .. و يهمس بغضب و هو ينظر إلى الكلب باشمئزاز :
" كيف تدخل الحيوانات منزلكم؟!! "
ضحك سامر و هو يمسح كلبه :" لم أعهدكتخاف الكلاب .. "
قال بغضب :" أنا لا أخاف هذا المخلوق القذر "
و اتجه نحوغرفته بغيظ ..

و هنا ضحكت أمي :" إذاً الفتى المغرور يخاف الكلاب "
وضحك سامـر :" كاد يموت خوفاً "

حيث اقترب والدي من أمي و خاطبها :" غداًسأصطحب الأطفال للسوق "
" لمـــــــــــــــاذا ؟!! "
" لشراء ملابس خاصةللشتاء .. ففصل الشتاء اقترب .. و بدأ الجو يبرد "
قلت أنا :" و الفتى .. !! "
رفع والدي بيده ظرف و قال :" أرسل لي والده مبلغاً من المال ليشتري ملابساًللشتاء "
لابد بأنه سيشتري من أرقى المجمعات .. و نحن على العكس تماماً ..

ــــــــــــــ

خرج والدي من المنزل .. و انشغل سامر بإطعام الكلب ..والصغيرة نائمة .. و أمي ترتب الصالة ..
لماذا لا أذهب لأطمئن على الملك .. قد لايزال خائفاً من الكلب ..تسللت إلى غرفته بهدوء ..طرقت الباب .. فسمعته :" أدخل "
فتحت الباب .. لأراه كالمعتاد .. متمدد على سريره .. اقتربت منه باسمة .. و هوعابس بوجهي ..
جلست على السرير و خاطبته مازحة :" لازلت خائفاً من الكلب ؟!! "
رمقني بنظرة حادة .. ثم عدل جلسته .. و عاد ينظر لي ..
فوجدتها فرصةً لأسمعقصة حياته و معاناته .. خاطبته :
" ما الذي جعلك تفترق عن أسرتك و تأتي للعيشمعنا ؟!! "
أسند رأسه للخلف و خاطبني بتنهيدة :" آه .. أنها قصة طويلة .. طويلة .. "
اقتربت منه أكثر :" أحكها لي "



كنت أنا في ذهول و دهشة ممايقوله هذا الفتى .. و كأنه يحكي لي قصة خرافية مرعبة ..
غطى وجهه باللحاف .. وقال ..:" كل ذلك حدث لي .. "
صرخت به :" و لكن أنت المسيء .. لماذا فعلت ذلكبابنة عمك و أخيك و لماذا .... "
قاطعني مزيحاً اللحاف عن وجهه :" لا أدري .. كنت بلا إحساس .. كنت حقود جداً .. "
" و هل تشعر أنك أصبحت أفضل الآن "
هزَّرأسه سلبياً :" لا أعلم "
همستُ :" ما أسمك يا فتى "
نظر لي باستغراب :" وماذا تريدين من أسمي "
ضحكت مازحة :" لن أخطفه .. لا تخف "
نظر لي.. ثم همس :" خـالـد "
شهقت :" أسم جميـــل .. "
حملق بي :" و أنت ما أسمكِ "
ابتسمت :" زينــة .. "
أغمض عينيه و خاطبني :" أخرجي من الغرفة .. "
ما هذا ؟!! يطردني ؟!!
نهضت و ألقيت نظرة على الفتى الذي يغطي جسده باللحاف ..و خرجت منالغرفة ..
بحــزن كبير .. لم أكـن أتوقع أن حياته كانت تعيسة هكذا..أهذا مايجعله جاف التعامل مع غيـره ..
ربـاه .. لا أريده أن يذهب ليعالج في المشفى ..هناك لن يهتموا به جيداً .. سوف أصر على بقائه ..

أمي كانت تحضر مستلزمات صنع الكعكة و تخاطب أخي سامر :
" سوف أصنع كعكةبالفراولة .. لأجلك و لأجل زينة و هدى "
" و أبي ؟!! "
" أنه خارج المنزل ولن يعود إلا في المساء "
اقتربت من أمي قائلة :" و الفتى ؟!! "
قال أميبانزعاج :" أوه .. لا تذكريني به .. دعيه يغرق في أحلامه .. لن يستيقظ أبداً "
قلت باستياء :" ألا تطيقينه يا أمي ؟!! "
تنهدت :" أوه .. لا تتكلمي عنه يازينة .. أنه يغيظني كثيراً "

جلست بقرب سامر .. و أخذت أداعب أختي الصغيرةهدى .. و سامر يحل واجباته المدرسية ..
فخاطبته :" أين الكلب ؟! "
ابتسمساخراً :" تركته يخرج من المنزل .. لأن إن بقى الكلب بيننا لن يخرج الفتى من غرفتهخوفاً منه "

و ها هو الملك يطل علينا بنظرته تلك .. يرمق أخي سامر بنظرة لاتخلو من الغيظ ..ثم يتجاهله..
و أمي تراقب الفتى بغيظ .. أنها لا تطيقه ..
هويقترب من إبريق الماء و يحمل كأساً ليصب له شيئاً من الماء .. و لكن كان الإبريقفارغاً ..
تلتفت يمنة و يسرة يبحث عن إبريق آخر ..
فأمسكت أمي بذراعه و سحبتهإليها .. و سحبت من يده الكأس .. و أخذت تصب له ماءاً من إبريق بجانبها .. ثمناولته الكأس ..
أمسك هو بالكأس .. و شرب جرعة منه .. ثم أبعد الكأس ليراقب أخيباحتقار ( أنه لا يطيق أخي )
و في الآن نفسه تراقب أمي الفتى بغيظ .. ثم تحادثه :" ما هو حال والدتك ؟!! هل حادثتها ؟!! "
نظر هو لأمي .. ثم حمل العصا التيبجانبه .. و أردف :" لا .. "
" لماذا ؟!! ألم تتصل بأسرتك ؟!!"
بلى .. لكني لم أحادثها "
" لمــــــــــاذا ؟!! "
تنهد هو :" أنها لا تريد محادثتي .."
ابتسمت أمي :" هل أغظتها في شيء .."
سرح خالد لأفق بعيد .. فقالت أمي :" يبدو أنك أغظتها كثيراً .. لذلك هي تخلصت منك و أرسلتك لنا "
رمق خالد أمي نظرةًحادة .. ثم نظر للعصا التي بيده .. و همـس :
" يمكنني أن أغادر منزلكم هذا متىأشاء .. "
" إذاً لم لا تغادر الآن .. ؟!!"
نظر لأمي :" أوجودي يزعجكم ؟!! "
" بالتأكيــــد "
آه لقد جرحت أمي مشاعر الفتى كثيراً.. رباه..نظر خالد إلىالعصا التي بيده .. و أمي تتابع صنع الكعكة ..
يدفع الفتى العصا ببطء نحو قالبالكعكة ..ترى .. ما الذي ينوي فعله ؟!!يتابع الفتى دفع العصا ببطء نحو القالب فيغفلة من أمي ..ثم يدفع الفتى القالب بالعصا .. و أمي تنظر إليه :" مـ... "
و ماكادت أن تكمل جملتها حتى سقط القالب على الأرض و انكسر .. و تناثر خليط الكعك هنا وهناك ..رباه..
نظرت للفتى .. يبتسم .. و يمشي مغادراً المطبخ ..
رأيت فيعيني أمي غضباً كبيراً ..
عضّت شفتيها .. و ركضت خلف الفتى .. استوقفته :" انتظر "
استدار و نظر إليها بابتسامة .. فخور بما فعله .. اقتربت منه أمي .. همست فيغضب :
" مـن تظن نفســك ؟!! "
تابع مشيه نحو غرفته.. صعد السلم ..فركضت خلفهأمي :" هيه .. لن أدعك هذه المرة "
ركضت خلفه.. فاستدار لها .. و قال بتكبر :" أنا لا أحادث عجوزاً .. مثلك .. "
قبضت على قميصه بغضب .. دفعته نحو الجدار .. صرخت به :" أنا عجوز ؟!! أيها المريض العاق المجرم "
لأول مرة أرى أمي عصبيةلهذه الدرجة .. حملق الفتى بأمي بغضب و حاول إبعادها عنه ..
و لكنها عصبية .. والله الساتر ..( الله يعدي ها الهوشة على خير )

صرخة والدي كانت هي الإشارةالمرور الحمراء الوحيدة التي أوقفت اندفاع أمي ..
توقفت أمي عن السب و النطقبالكلمات الجارحة و غيره .. و تركت قميص الفتى الذي كاد أن يمّزق ..
و التفتتلوالدي ببعض الخجل ..و الفتى يرتب قميصه و هو ينظر لأمي بنظرات حادة جداً .. جداً ..
نظر والدي للفتى قائلاً :" بني .. يمكنك دخول غرفتك "
رمق الملك أمينظراتٍ لا تخلو من الغيظ .. ثم تابع طريقه نحو غرفته ..

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2007, 08:40 AM   رقم المشاركة : 16
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

و هنا وقفت أمي أماموالدي ( مستعدة للدفاع عن نفسها ),,صرخ والدي بها :" ما الذي فعلته ؟!! "
" أسمعيا أبا سامر .. هذا الفتى أولاً أسقط قالب الكعك عمداً .. ثم دعاني بالعجوز .. أنهيحتقرني و يحتقر ابني .. كيف لي أن أصمت .. أنه عبء علي ... "
" و تقومين بجرحهبهذه الكلمات ؟!! "
" هو جرحني أيضا بقوله أني عجوز .. "
اقترب والدي منها .. و قال :" أنه ضيف .. و إن أخبر والده أننا نسيء المعاملة له .. سيكون موقفي حرجاًجداً .. و خاصة أنني وعدت والده أن أهتم به لأنه مريض .. "
عضّت أمي شفتيهاقهراً .. فقال والدي :" أم سامر .. أرجوك .. أذهبي و اعتذري للفتى لأن ... "
قاطعته أمي بغيظ :" أنا أذهب لذلك الفتى لأعتذر .. لا .. لا .."
" أرجوك .. كوني لطيفة مع الفتى أكثر .. تماماً كعمته .. عمته تدعى ذكرى.. و قد كانت لطيفة معه .. حتى أصبح هو الآخر لطيفاً معها .. "

كانت أمي غاضبة جداً .. و لكن والديأقنعها أخيراً .. فصنعت أميكعكة أخرى ..
و ها هي تقف أمام غرفة الفتى .. حاملةصحناً لقطعة كعكة ..هي تتظاهر باللطف .. و لكن نيران في قلبها لم تطفأ لحد الآن ..طرقت الباب .. فهتف الملك :" أدخــل "
فتحت أمي الباب .. و ألقت نظرة علىالملك المتمدد على سريره ..
رمقها بنظرة احتقار و غيظ .. فاقتربت هي منه .. ووضعت الصحن على الطاولة الصغيرة التي بقرب السرير و قالت بمرح ( مصطنع ) :" صنعتكعكة أخرى .. هيا تذوقها .. و أخبرني برأيك "
و بكل كبرياء يشيح الفتى بوجهه عنوالدتي ..
مسحت أمي شعره الكثيف .. و همست :" أنا آسفة يا بني .. "
و لازالالفتى مشيحاً وجهه عن أمي ..
عضت شفتيها قهراً .. ونهضت خارجة من الغرفة ..
الجزء الثامن عشر
أمسية رائعة

مرت الأيام .. وبرد الجو بسرعــة .. فلمنستطع أنا و أخي الخروج للعب ..فلزمنا غرفنا .. و الملل يقتلنا ..
أخــي يقرأأحد كتبه المدرسية .. و أنا بجانبه .. خاطبته ساخرة :
" تتظاهر أنك مجتهد .. وأنا أعلم أنك أكسل طالب في مدرستك "
ابتسم سامر .. و خاطبني بنظرات ساخرة :
" ربما كنت أنا أكسل طالب في مدرستي و لكنك أكسل طالبة في العالم بأسره .. فلم أراكيوماً تحملين كتاباً "
ابتسمت ..و خاطبته بهمس :" ماذا تتوقع مستقبلنا .. أهوزاهر ؟!! أم هو دمار ؟!! "
ترك هو كتابه و قال :" دمــار .. و أكبر دمار "
آه .. معك حـق أخي ..

نهضت .. و خرجت من غرفة أخي .. ها هو والدي يحمل أكياساًكثيرة .. و يضعها على مقاعد الصالة ..
تقترب أمي منه و تسأله :" ما كل هذا ؟!! "
" مستلزمات الفتى التي اشتراها "
قالت أمي بانزعاج :" و أين هو ؟!! "
فُتح باب المنزل .. و يسرع الفتى بالدخول ..و أصابعه ترتجف بردا .. احمرتشفتاه و وجنتاه من شدة البرودة .. يسرع بغلق الباب من بعده بسرعة مانعاً تسرب أيرياح باردة من الخارجً..اقترب منا و هو يفرك يديه و قال:
" بـرد قارص "
ضحكوالدي بينما كانت أمي منزعجة جداً ..
قال والدي و هو يعبث بشعر الفتى الكثيف :" ستعتاد على برد هذه البلاد "
ابتسم الفتى و أكمل سيره نحو غرفته .. فاستوقفتهأمي :" انتظــر "
استدار إليها .. فقالت مشيرة إلى الأكياس :" ألن تحملها .. أمأنك تنتظرنا نحن لكي نحملها بدلاً عنك .. "
و لأن الفتى كان يحمل على وجهه ملامحمسالمة جداً .. حمل أكياسه الكثيرة و اتجه نحو غرفته ..
دون أن يجادل أمي .. أويرمقها بأي نظرات احتقار أو غضب أو تحدي ..
خاطبت أمي والدي بغيظ :" أنت تهتمبأمره أكثر من أبنائك .. المساكين لحد الآن لم يشتروا ملابس الشتاء .. و أنت تتجولمع هذا الفتى في المجمعات الضخمة "
ابتسم والدي :" كفاك يا أم سامر .. لمَتحقدين على الفتى..؟!! بدا لي اليوم رائعاً و لطيفاً جداً .. غداً سوف أصطحب أبنائيلشراء ملابسهم .. فلا تغضبي "
عضّت أمي شفتيها .. ثم قالت :
" أخبره أن طعامالغداء لن يتزحزح من على مائدة الغداء .. فليأتي هو ليأكل معنا .. لماذا يحتقرناهكذا ؟!! "
هزَّ والدي رأسه ايجابياً و ابتسم :
" حسناً .. كما تريدين .. فقطلا تغضبي "

اتجهت أمي نحو المطبخ و نادتنا لتناول طعام الغداء .. ركض سامر وهدى للمطبخ .. بينما اتجه والدي نحو غرفة الفتى .. ركضت خلفه ..وقف والدي أمام بابالغرفة و طرق الباب .. فسمح له الملك بالدخول ..
فتح والدي الباب .. و الفتىمتمدد على السرير كالعادة .. و قد رمى بالأكياس على الأرض دون اكتراث ..
جلس والدي على المقعد المجاور لسرير الفتى .. و أنا قمت بجمع الأكياس في زاوية واحدة .. فخاطبني الفتى :
" دعـك منها .. "

تركتها و جلست على سرير الفتى .. خاطبه والدي :
" بني .. أعلم أنك تفضل تناول غداءك وحدك و لا تحب الاختلاط بنا كثيراً .. و لكن أم سامر ترهق عندما تصعد السلم لجلب الصحون و الأواني .. لذلك ما رأيك أنتعتاد من الآن فصاعدا على تناول الطعام معنا ؟! "
كنت متأكدة أن الفتى سيعارضبشدة .. فهو كما تقول أمي " متكبر و مغرور "..
و لكنه هزَّ رأسه بالموافقة :" لابأس "
لا أصـدق .. حقاً .. أنه مزاجي ..
شد والدي وجنة الفتى مداعباً.. و نهضو قال بابتسامة :" حسنـاً .. نحن ننتظرك في المطبخ "
خرج والدي من الغرفة .. فهبنسيم بارد من النافذة .. أشار الفتى نحو النافذة و قال لي :" أغلقيها "
نهضتمتجهة نحو النافذة و لكني دست على أحد الأكياس فانزلقت و كدت أسقط ..
و لكن يداًباردة أمسكتني ..نظرت إليه .. أبعد يده عني و قد احمرت وجنتاه أكثر .. أبسبب البرد؟!!
خاطبتني بجمود :" انتبهي إلى موقع خطواتك "
ابتسمت .. و أغلقت النافذة .. نظرت ليد الفتى الشديدة البياض بسبب البرد ..خاطبته باسمة :
" يدك شديدة البرودة "
نظر هو لي .. ثم قال :" بسبب برودة الجو "
ابتسمت و قلت بمرح :" أتعلم !! أشعر أنك منذ أن جئت .. كتلة من الجليد .. لا تنصهر أبداً "
حملق بي .. و كنتأنا أدقق النظر في مقلتيه الرماديتان .. فابتسم .. و قال :
" إلام تنظرين ؟!! "
ضحكت :" لون عينيك غريب جداً .. رمادي !! لأول مرة أرى شخصاً يملك مقلة بهذااللون "
ابتسم .. و بصوت خافت خاطبني :" أنت تدققين في كل شيء "
ضحكت أناضحكاً جنونياً .. بينما كان هو ينظر لي باستغراب شديد ..
و عندما انتهت نوبةالضحك تلك .. وجهت بصري نحو أحد الأكياس .. حملته .. و فتحته ..
أخرجت منهمعطفاً أخضراً .. اشتراه الفتى من أرقى المجمعات .. أسرته ثرية ..
قلت :" رائع "
و هو ينظر لي باستغراب .. كم أنا متطفلة ..ارتديت المعطف .. و وقفت و نظرتلنفسي عبر المرآة ..
ضحكت .. فكنت مضحكة بمعطف للذكور و ليس للإناث ..


استدرت للفتى و ركضت نحو سريره و قفزت عليه و خاطبت الفتى و أنا أمثل دورالوحش :
" أنا الوحش الأخضر .. سأقتلك .. سأقتلك !! "
و بقيت أضحك .. و أضحك .. و هو لا يبعد نظرات الاستغراب عني ..

" أأنتِ مجنونة ؟!! "
كان يحملقبي باستغراب .. ألأول مرة يرى فيها فتاة مرحة مثلي ؟!!
خلعت المعطف و أعدتهللكيس .. و نهضت و قبضت على يد الفتى ( الشديدة البرودة ) ..
" هيا .. أنت وعدتأبي بأنك ستتناول غداءك معنا "
و بكل بطئ يزيح عن جسده اللحاف و بالكاد ينزل منعلى السرير .. خمول و بطيء جداً ..
سحبت يده راكضة بأقسى سرعتي .. أنا سريعةجداً .. رياضية .. و إن شاركت في سباق (المارثون) سأفوز ..
هتف بي و هو يريدتحرير يده المتجمدة من يدي ...:" توقفي .. "
و لكني كنت كالصاروخ .. قفزت منأعلى عتبة في السلم .. قفزة عالية جداً .. آه كأني طير يحلق في السماء ..
و يعودللهبوط للأرض .. رباه .. ما أجمل ذلك ..
أوه ! لحظة ! نسيت أني كنت أسحب بيديالملك .. سمعت صوت سقوط أحدهم على عتبات السلم ..
استدرت بخوف .. الفتى يقبضبيديه الاثنتين على أحدى ساقيه ..
يتوجـع ! عضّ شفتيه و نظر لي بغضب .. صرخ :" أنظري ماذا فعلتِ ؟!!"
لقد أُفلت من يدي فهوى على عتبات السلم الحادة .. و أظنأن ساقه أُصيبت ..يا لي من حمقاء .. يكفي أن الفتى مريض نفسياً .. أأريده أن يكونمريضاً جسديا أيضاًً ؟!!أسرع والدي و أمي و سامر إليــه ..صرخ بي والدي :" ما بــه؟!! "
قلت بارتباك :" لقد تعرقل و سقط على عتبات السلم ..و يبدو أن ساقه أُصيبت "
أسرع أبي إليه .. سأله بينما كان يتوجع :" أي ساق تؤلمك ؟!! "
أشار إلىساقه ..فأسرع والدي إلى رفع البنطال ..حتى كُشف جرحاًَ عميقاً .. ينزف دماً أحمراً ..
شهقت أنا ..

ــــــــــــــــــ
كنت أشعر بتأنيب الضمير .. بسببي .. الفتى جُرحفي ساقه اليمنى .. جرحاً عميقاً جداً..
هو على سريره يتوجع .. و أمي تداويالجرح .. بينما والدي يراقب الفتى بقلق ..ثم يخرج من الغرفة و يغلق الباب ..و يجلـسعلى المقعد في الصالة بقلق كبير ..و بعد فترة تخرج أمي من الغرفة و تجلس بقرب والدي :" ما بك ؟!! "
يتنهد والدي :" الجرح عميق جداً .. و أخشى أن يصل الخبر إلىأسرته .. و يظنون أننا لا نهتم بالفتى "
" أنا داويت الجرح جيداً .. و ها هوالفتى يغط في نوم عميق .. ما هو إلا جرح كأي جرح "
تنهد والدي .. فنهضت أمي وخاطبتنا :" تعالوا تناولوا غداءكم "
قلت أنا :" و الفتى .. وعدنا بأن يتناولالغداء معنا "
قالت أمي بغضب :" أنه مصاب .. ألا تفهمين ؟!! "

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2007, 08:52 AM   رقم المشاركة : 17
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

أخي يلاعب كلبـه في الخارج .. بينما كنت جالسة على عتباتمنزلنا بملل .. بالعصا كتبت على الرمال كلمة " خالد " بخط عريض و كبير.. و ها هوالكلب يركض بسرعة ماسحاً الكلمة ..
و أخي يناديه :" تعال هنا .. "
نظرت له :" أنت بسيط جداً يا سامر .. حياتك هي اللعب فقط "
اقترب مني و ابتسم .. :" لازلناصغاراً يا زينة ..و حياتنا ستكون بسيطة الآن و لكنها ستتعقد في المستقبل "

" و لمذا الفتى الذي يسكن معنا حياته معقدة .. رغم أنه أكبر مني بسنة واحدة .. "

نظرت للرمال و أكملت :" في أسرته تفرقة عنصرية .. فيغار من أخيه كثيراً .. كان مجنوناً .. آذى ابنة عمه الرضيعة دون أن يشعر .. سُجن في عيادة نفسية دون أنتطل عليه أمه .. عاش معاناة و يا لها من معاناة .. و بعد ذلك .. يريد والده التخلصمنه .. ليبعده عنه لمدة خمسة عشر سنة .. و في الفراق .. تخبره أمه أنها أخبرت أخيهبأنه مات و انتهى .. و ذلك يدل أنها تتمنى له الفناء حقاً .."

نظرت لأخيبقهر ..:" أليست حياته معقدة ؟!! "
نظر سامر إلي :" نعم .. و لكن .. ما شأننانحن به ؟!! "
صرخت به :
" لأنك لا تشعر به.. كان يحكي لي كل ما حدث له دون أنتهوي دمعة واحدة من عينه .. أنه التحمل .. أنه الصبر .. أنه الرضا بالواقع .. كلهاصفات في خالد لم أجدها في أحد غيره "
وقفت و خاطبت أخي :
" و لازال متمسكاًبأسرته .. يتصل بها .. رغم أن أمه لا تريد محادثته .. "

نظر لي أخي و قال :" أرجوك زينة .. لا تتأثري به .. ابتعدي عنه .. "

صرخت به :" لماذا ؟!! لأنهمريض نفسياً ؟!! لأنه وحيد هنا ؟!! "

جلست .. و تأملت السماء .. و قلت بهمس :
" لولا قسوة أسرته .. لما أصبح مريض نفسياً .. و لعاش في أسرته محبوباً .."

و نظرت لأخي :" سامر .. عندما يستيقظ الفتى سوف نلعب معه هنا "

ضحك :" لن يقبل .. لأنه متكبــر و... "

قاطعته :" لا ! سوف نلعبمعه .. لكي يتعود على الاختلاط بالناس .. هكذا لن يتعالج "

" و هل ستعالجينهأنتِ ؟!!"

" و لمَ لا ؟!! "

ابتسم سامر .. و أمسك بيدي مؤيداً ..

في المساء .. يحادث الفتى أسرته بالهاتف .. كنت أقف أمامه.. حيث كان يقول :
" حسناً أريد محادثة أمي .. "
و بدت بعد ذلك على وجهه ملامحهالحزن لسماعه الرفض أو التوبيخ ..
عاد يقول مصراً :" أريد محادثة أمي "
و أصرعلى ذلك أكثر حيث قال بغيظ :" لن أغلق الهاتف إلا بعد محادثتها .. أرجوك أبي "
حيث انبعث صوتاً قوياً من الهاتف يقول :" قلت لك أنها لا تريد محادثتك .. وداعاً "
أغلق الفتى الهاتف بحزن .. أمسكت كتفه مواسية :"لا بأس .. سيأتي اليومالذي يحن فيه قلب أمك "
نظر لي بحزن .. ثم اتجه نحو غرفته .. استوقفته :" لحظة "
استدار لي :" ماذا هناك ؟!! "
ابتسمت مشيرة إلى ساقه :" هل أصبحت أفضل ؟!! "
هزّ رأسه ايجابياً .. فأسرعت إليه .. و أمسكت يده ( المتجمدة ) ..:" حسناً .. هذا يعني أنك تستطيع اللعب معنا "
قطب حاجبيه و قال باستنكار :" ألعب؟!! "
" نعم .. "
سحبت يده و كنت سأركض .. فإذاً به يسحب يده من قبضة يدي و يقول :
" ستسحبينني مجدداً .. لكي أقع و أُصاب في ساقي الأخرى ؟!! "
ابتسمت ..بل ضحكتقائلة :" أنت بطيء .. جداً .. جداً .."
ثم قلت له :" اتبعني .. هيا "
ركضتخارجة من المنزل .. حيث كان أخي لازال يلاعب كلبه .. و يطعمه .. و يركض خلفه ..
ركضت نحوه .. و قلت بفرح :" الفتى سيلعب معنا .. "
قال أخي بدهشة :" حقاً؟!! "
فتح باب المنزل و خرج من الفتى .. يكاد يموت برداً .. اقترب منا و هو يفركيديه .. و الرياح الباردة تداعب شعره الكثيف .. خاطبنا :" برد قارص .."
ابتسمأخي .. و قال :" اللعب في وسط البرد رائع جداً "
أمسكت أنا بذراع الفتى و قلتمشيرة للكرة :" هيا ألن تعلب ؟!! "
أشار بوجهه سلبياً .. و قال و هو يتجه نحوأحدى الأشجار:" لا .. سأراقبكما فقط .. "

جلس مستنداً على الشجرة و قال و هويواصل فرك يديه المتجمدتان بعضهما البعض :" يكاد جسدي يتجمد "
ضحك أخي و حملالكرة و ركلها .. و بدأت أنا ألعب معه بكل حيوية .. و الفتى يراقبنا ..
إلى أنسجلت أنا هدفاً .. قفزت بفرح :" هدف .. هدف "
نظرت للفتى .. ينظر لي مبتسماً .. و شفتيه شديدة الاحمرار و وجنتاه أيضاً بسبب البرد..لقد نسى البرد و بقي يراقبلعبنا ..واصلنا أنا و أخي اللعب .. و الفتى يراقبنا .. و الابتسامة الرائعة لاتفارق وجهه الناصع البياض ..
رمى سامر بنفسه على الأرض لأخذ بعض الراحة .. واتجهت أنا نحو الفتى و جلست بجانبه ..
قلت بمرح :" ما رأيك بلعبي ..؟!! "
ابتسم ..و قال :" أنتِ ماهرة "
ابتسمت أنا .. من بعيد يركض الكلب نحونا .. أنه كلب لطيف .. و لكن لحظة ..!
الفتى يخاف الكلب .. رباه ..
يقفز الكلبنحونا .. و يقع في حضن الفتى .. نظر الفتى للشيء الثقيل الذي وقع على ساقيه فجأة ..
صرخ :" أهذا المخلوق القذر ؟!! مجدداً ؟!! "
دفع الفتى بيديه الكلبباشمئزاز.. و نهض و مشى نحو المنزل .. ثم استدار لنا و قال بغيظ :
" هذا مقلب ليإذاً ؟!! "
و عاد و متجهاً نحو المنزل .. خاطبني أخي :" ما به ؟!! "
" يظنأننا استدعيناه لهنا لكي نوقع عليه الكلب .. "
و نظرت للكلب بغيظ :" كانت أمسيةرائعة .. و لكن هذا الكلب أفسد كل شيء ؟!! "

ـــــــــــــــ

و لكنها كانت أمسيةرائعة حقاً.. و قد قضيت وقتاً رائعاً باللعب .. بمجرد أن الفتى كان يراقب لعبي ..
و قد مدحني و أطلق علي لقب " الماهرة "

الجزء التاسع عشر
أني بدأت أشفق عليه

في اليوم التالي .. كنت جالسة معالفتى في غرفته بعدما عدت من السوق ..لشراء الملابس الشتوية.. كنت أحادثه عن مايحدث لي المدرسة .. من إساءات من الطالبات .. و لكنه يبقى صامتاً و سارحاً دون أنيبادلني أطراف الحديث ..
أختي الصغيرة هدى تحوم في الغرفة و هو يراقبها .. إلىأن فتحت هي أدراج خزانته .. و أخرجت منها بنطالاً أسوداً ..صرخت أنا بها :" هدى .. كفاك تطفلاًً "
ابتسم الفتى من ناحية أخرى لدلال أختي .. فقد أخذت تركض فيالغرفة و هي تسحب من ورائها البنطال ..
إلى أن سقطت ( ساعة كحلية اللون ) من جيبالبنطال .. أسرعت هدى بالتقاطها .. و تركت البنطال و ركضت هاربة ..
الفتى نظرإليها و قد انعدمت ابتسامته .. ثم خاطبني :" هدية عمتي .. "
هدية عمته ؟!! أظنأنها غالية على قلبه .. لأنه يحب عمته كثيراً ..كانت هدى تحاول ارتداء الساعة علىيدها و هي تقول :" رائعة " نهض هو و اقترب منها بهدوء .. و مد يده نحوها قائلاً :" أعطيني إياها "
خبأت هدى الساعة خلف ظهرها و قالت بدلال :" لا ! "
ثم ركضتخارجة من الغرفة بضحكاتٍ بريئة .. و تنهد هو :" أنا لا ألعب معكِ يا شقية "
تقدمهو خارجاً من الغرفة و أخذ يبحث عن الطفلة .. التي راحت تركض في الصالة بجنون حاملةالساعة ..
اتجه نحوها .. كانت تحوم حول الطاولة التي تتوسط الصالة و على المقاعدكان يجلس سامر ..
عاد خالد ليمد يده نحو الطفلة و هو يحفظ هدوء أعصابه .. خاطبهابلطف :" أيتها الجميلة .. أعطيني الساعة "
و عادت هي لدلالها و مالت بجسدهامخبئة الساعة خلف ظهرها :" لا ! .. لا "
قطب حاجبيه و نظر للطفلة بنظرات حادةقاصداً إخافتها :" أعطيني إياها .. "
و لكنها مصرة على عدم إعطاءه الساعة .. تنهد ..:" مدللة .. "
ركضت إلى ناحية أخرى .. عض هو شفتيه .. و اتجه نحوها حيثكانت تستند على الجدار و تتأمل الساعة ..
انحنى لها .. فخبأت هي الساعة وراءظهرها .. فحاول هو مجاراتها ..
فخاطبها بلطف :" ألا تحبيني يا صغيرة ؟!! "
أشارت بوجهها سلبياً ..:" لا ".. و أخذت تضحك ..
و قهقه وراءها سامر .. وهذا ثار جنون خالد .. أدار برأسه نحو أخي بنظرة حادة ..
ثم عاد ليزمجر بهدى بغيظ .. :" أعطيني الساعة و إلا "
ارتعبت الصغيرة و رمت بالساعة تحت قديميها و داستعليها حتى حطمتها و ركضت نحو سامر خائفة ..
ارتمت في أحضانه خوفاً من الملك .. وهو نظر لساعته المحطمة بغيظ .. ثم نظر لأختي بنظرات تثير رعبها فبدأت بالبكاء .. وشدت قميص سامر مخبئة رأسها في صدره.. سامر بدأ بمشاجرة الفتى ..
" هذه طفلة أيهاالقاسي .. لمَ تعاملها هكذا ؟!! "
انتقلت نظرات الملك الغاضبة إلى سامر و تحولتلسخرية :" و ماذا بعد يا سيد سامر "
صرخ سامر بغيظ :" أتسخر مني ؟!! أيهاالمغرور المتكبر "

و انطلق سامر نحوه لتبدأ معركة عنيفة بينهما .. و الطفلة تصرخخوفاً ..
يشد سامر قميص الفتى .. و الفتى يدفع عنه أخي بقوة .. و يعود أخي لشدقميص الفتى .. كنت خائفة جداً .. فكلاهما يشتعلان غيظاً ..و ها هو أخي يغزر ظفرهالطويل في وجه الفتى .. و الفتى يقبض على يد أخي يحاول إبعاده عنه ..صرخت أنا وصرخت هدى .. حتى سمعنا صرخات أمي :" ما هذا ؟!! ماذا يجري ؟!! "
تسمر الاثنان فيمكانهما .. و كأنهما تحولا لتمثالين .. ترك الفتى يد أخي و أخي ترك قميص الفتى ..
فاقتربت أمي منهما .. لتفحص الكدمات التي على أذرع أخي و وجهه و الخدوشالغزيرة التي علت وجه الفتى ..
وقفت أمامهما و صرخت :" لمَ تتعاركان ؟!! "
قبل أن ينطق الفتى أسرع أخي بالدفاع عن نفسه :" أمي .. الفتى صرخ بوجه أختي وأرعبها .. حتى بكت "
استدارت أمي لترى أختي المرعوبة تبكي ..فأكمل أخي :" و سخرمني أيضاً "
توجهت أنظار أمي للفتى و خاطبتها بحيرة :" لماذا ؟؟!! "
انحنىالفتى لالتقاط ساعته المكسورة و رفعها أمام أمي و أجاب ببساطة :" ساعتي "
صرختأمي :" أتفعل هذا كله لأجل ساعة ؟!! "
هزّ رأسه ايجابياً ..

هنا ارتفعتشهقات أختي المسكينة المرعوبة .. فزادت أمي غيظاً ..
حتى رفعت يدها لتصفع الفتى ..احمر خده .. وضع يده على خده مصدوماً .. و بعد فترةٍ همس :" آه "
و كأن تلكالصفعة المؤلمة سلبت منه القدرة على مشاجرة أمي ..
صرخت أمي به :" وقح .. أتحسبأننا سنصمت على ما تفعله .. ؟!! "
بأسى أطال النظر لأمي و هو يعض شفتيه ..ثمانتقلت أنظاره لسامر .. ثم لي .. ثم للصغيرة .. ثم للساعة التي بيده ..
دفعتهأمي إلى الخلف بقوة .. كادت أن تسقطه على الأرض .. صرخت به و هي تشير إلى غرفته :
" أذهب .. و لا أريد رؤيتك أيها الدخيل المتكبر .. العاق المجرم "
و بقتأمي تقذف كلماتها الجارحة كالقنابل على ذلك الفتى المصدوم ..
استدار و مشى ببطءنحو غرفته .. و قبل دخوله غرفته .. ألقى علي نظرة عتاب عميقة ..
ربــاه ..!

==

اقترب موعد عودة والدي من عمله ..فازداد خوف أمي من أن لوأخبر الفتى والدي بما حدث ..
سيغضب والدي منها كثيراً .. أمي جهزت طبق لبيتزاشهية ..و اتجهت نحو غرفة الفتى .. هل ستعتذر منه ؟!!
لم تطرق الباب بل فتحته ودخلت الغرفة .. حيث كان الفتى كالعادة مستلقٍ على سريره و لكنه هذه المرة يتظاهربالنوم ..
اقتربت أمي منه .. و وضعت الطبق على الطاولة المجاورة للسرير .. و هيتقول مبتسمة:
" أعلم أنك مستيقظ .. أنك لا تجيد التمثيل "

فتح الفتىعينيه .. ثم أشاح بأنظاره عن أمي ..فقالت هي :" لست آتية لأعتذر لك لكي تشيح بوجهكعني .. عزيزي .. أنا آتية لأقول لك .. لا داعي لتشكوني عند زوجي ..و إلا سوف سأريكمن أنا .."

هنا شعر الفتى بقلق و خوف غريب .. أغمض عينيه يتهرب من أمي .. ولكنها سحبت اللحاف و أمسكت بيده:
" انهض .. و أخرج من غرفتك هذه ,, و لا تحسسزوجي أن شيئاً حدث اليوم .. أفهمت ؟!! "

صمت الفتى لبرهة و هو يشيح بنظراتهعن أمي في قلق و خوف .. ثم هز رأسه مستسلماً ..
أيعقل !! الملك يستسلم أماموالدتي .. ؟!!

ابتسمت أمي بمكر .. ثم قالت :" ستتناول غداءك معنا "

وهز الملك رأسه ايجابياً ..

أتصدقون ؟!!

خاطبته أمي بقسوة نادرة :" انهض .."

و نهض بسرعة ..!!

و أمرته أمي حيث قالت :" اتبعني "

و مشت خارجة من الغرفة .. و هو يمشي خلفها ..

ما الذي جعله ينقلبمئة و ثمانين درجة .. من الكبرياء إلى الخضوع ,,؟!!

و في المطبخ يختار الفتىله مقعداً و يجلس .. و سامر بالمقابل في قمة الدهشة .. أمي تضع الصحون على الطاولة .. و ها هو صوت والدي .. أظنه عاد من عمله ,,تخرج أمي من المطبخ لترحب بوالديبكلمات الغزل تلك .. ثم تدعوه لتناول الغداء ..
و عندما طل والدي على المطبخ .. رأى الفتى يجلس على أحد المقاعد بهدوء ..
يتقدم والدي بدهشة تجاهه .. و يهتف :" بني .. هل ستتناول الغداء معنا ؟!! "
يهز هو رأسه ايجابياً دون أن ينظر لوالدي .. بدعابة يعبث والدي بشعر الفتى و يقبله .. فوالدي يحبه كثيراً ..
يجلس والديعلى مقعده و أمي تجلس مكانها .. و نبدأ بتناول الطعام ..
حتى خاطبنا والدي :" سوف أسافر بعد يومين إلى البلاد المجاورة لمدة أسبوعين فقط .. "

كنا متعودين علىسفر والدي المتواصل .. و لكن الفتى حملق بوالدي لبرهة .. ثم همس :" ستسافر ؟!! "
هزَّ والدي رأسه بابتسامة :" نعم عزيزي .. و سوف أعود بعد أسبوعين "
نظرالفتى لأمي .. ثم عاد يحملق بوالدي و قال باستنكار :" و تتركني ؟!! "
استغربوالدي ثم قال :" ستبقى مع أم سامر و زينة و سامر و هدى .. "
أخذ الفتى يضيّقفتحة عينيه منزعجاً ..ثم رمى بالملاعق و نهض :" تباً "
و خرج من المطبخ .. و هذاما أقلق والدي ..

=

مر اليومين بسرعة .. حتى سافر والدي ..
الآنأمي تستقبل جارتنا القديمة التي كانت مسافرة لبلد آخر .. و ها قد عادت ..ضحكت أميفي وجهها :
" مرحباً أم ناجي .. لقد اشتقنا لكِ كثيراً "
جلست أم ناجي علىالمقعد و ضحكت :" و أنا أيضاً اشتقت لكم "
جلست أمي بجانبها .. فسألتها :" ماأحوالكِ الآن ؟!! "
تنهدت أمي :" أبا سامر جاء بان صديقه إلى هنا .. ليعيش معناقليلاً ثم يرحل للعيادة.. يقول أنه مريض نفسي .. و لكني لم أرَ في حياتي طفلاًمريضاً كهذا .. متكبر .. مغرور .. يسبب لي الإزعاج .. و لا أدري كيف أتعامل معه .. أنه عبئ علي "
قالت أم ناجي :" أتسمحين له أن يتكبر و هو ضيف في منزلك ؟!! "

" ماذا أفعل .. لقد حدث ذات يوم أنه أسقط قالب الكعك عمداً .. و دعانيبالعجوز و أيضاً اليوم صرخ بوجه ابنتي الصغيرة حتى أرعبها ..و تعارك مع ابني سامرحتى سبب له كدمات واضحة على وجهه و ذراعيه "

شهقت الجارة :" و تستكين ؟!! "

" لم أسكت .. بل باغته بصفعة قوية "

" فقط ؟!! "

" ماذاأفعل .. أنه مريض نفسياً .. "

" لقد حدث أن زوجي أبا ناجي .. جلب لي خادمةمتكبرة و ترفض العمل أحياناً .. فاستعملت لغة الضرب لتأديبها.. و فعلاً .. أفادنيهذا الأسلوب كثيراً"

حملقت أمي بها باستغراب :" و هل تريدين مني ضرب الفتىلتأديبه .. أتمزحين ؟!! "

" و لمَ لا .. ؟!! "

" الفتى مريض نفسياًيا أم ناجي .. "

" أنه مريض نفسياً .. و ليس مريض جسدياً .. و إن أخفتهقليلاً بالضرب .. سوف يكون كالخاتم في يدك "

" اليوم عندما صفعته .. بدا ليخائفاً جداً مني .. أظن أن نفسيته ستسوء إذ فـ... "

قاطعتها جارتنا :" جربيفقط بالحزام الجلدي .. حاولي إخافته لكي يترك تكبره و يبقى خاتماً في يدك "

كانت أمي مترددة .. و ها هي أم ناجي تقف قائلة :" حسناً .. أنا سأترككالآن .. و لكن لا تنسي .. إذ احتجتِ شيء .. أنا حاضرة .. لاسيما أن زوجك مسافر .. "

ابتسمت أمي و نهضت و أوصلت المرأة حيث الباب .. ثم اتجهت نحو غرفتها..
و أنا خرجت من المنزل بعدما ارتديت معطفي .. لأرى الفتى و أخي يتعاركان منجديد .. رباه ..
اقتربت منهما .. حيث كان أخي يصرخ بكل قوته بوجه الفتى :
" أنت يجب أن تفهم أنك ضيف في منزلنا .. ضيف .. و ضيف ثقيل أيضاً "
و من طرف آخريزمجر الفتى :" و من قال أني أريد العيش معكم أصلاً ؟!! "
" لمَ تعاملني هكذا؟!! أنا لا أفهم .. "
و يستمر الشجار .. هذا يصرخ و هذا يصرخ .. إلى أن تحولالشجار من شجار كلامي إلى شجار حقيقي ..
بدآ في العراك .. و أظن أنهما لنينتهيا .. حاولت إيقافهما و لكن لا جدوى ..
ركضت نحو المنزل .. نحو غرفة أمي .. فتحت الباب بقوة و صرخت بأمي التي تسرح شعرها ..:
" أمي .. الفتى و سامر .. يتشاجران !! "
صرخت أمي :" يتشاجران ؟!! "
" نعم .. في الخارج .. "

نهضت أمي مسرعة .. و لكنها توقفت لبرهة .. استدارت للخزانة .. اقتربت منها ..
و فتحتها و أخرجت منها حزام جلدي .. خاص لوالدي .. رباه .. ماذا تنوي أمي؟!!
ثم لفت على رأسها خماراً ..و ركضت خارجة من غرفتها .. و نزلت عتبات السلمبسرعة .. و عبرت الصالة حتى وصلت لباب المنزل..فتحت الباب بقوة و اندفعت لترىالاثنان على حالهما السابق .. يتشاجران بكل عنف
صرخت بكل قوتها .. لتوقفشجارهما الحاد ذاك ..
التفت الاثنان لها .. هي اقتربت قليلاً منهما .. و صرخت :" مجدداً "
و انطلق سامر للدفاع عن نفسه :" أمي.. أنه .. "
قاطعته أمي:" أسكت أنت "
و اقتربت من الفتى الذي ظل صامتاً منكس الرأس ..مدت يدها و قبضتقميصه بعنف و خاطبته:" متوحش ! "
ثم أبعدت يدها عنه و همست :" اتبعني "
واستدارت ناحية المنزل حاملة الحزام .. و رمق الفتى أخي بنظرات حادة جداً .. و همس :" سأريك "
و لحق بأمي .. و ها هو سامر يصدر قهقهة ساخرة :" لنرى ماذا ستفعل .. "
دخلت أنا المنزل و طللت على المطبخ .. حيث كانت أمي تقف أمام الفتى حاملةالحزام .. :
" قل لي .. لماذا أنت متوحش هكذا .. و تحقد على ابني رغم أنه لميفعل شيئاً لك "
كان الفتى ينكس رأسه بصمت .. أردف بهمس :" هو يتحرش بي .. "
" و تقوم بضربه ؟!! "
" هو أيضاً ضربني "
رفعت أمي الحزام .. :" كلامكهذا لا يعني لي شيئاً .. و بما أنك آذيت ابني للمرة الثانية .. ستعاقب ..! "
رفعالفتى رأسه مصدوماً .. نظر للحزام الذي بيد أمي .. ثم نظر لأمي بخوف :
" لاتقولي أنك سوف تعاقبيني بالحزام "
هزت أمي رأسها .. و بعد ذلك سددت ضربة قويةعلى كتف الفتى إلى صدره ..
صُدم الفتى لقوة تلك الضرب .. و لم تكن ضربة واحدة .. بل تلتها ضربات ..فانحنى الفتى بسرعة و جلس على الأرض مخبئاً رأسه تحت ذراعيه يحتميمن تلك الضربات .. و أمي لا تتوقف ..كانت توجه ضربات متتالية على ظهر الفتى و رقبته ..
ركضت خارجة من المنزل و صرخت بأخي الذي يلاعب كلبه :" سامر .. سامر .. "
اقترب مني :" ماذا ؟!! "
قلت بخوف :" أمي تبرح الفتى ضـــرباً "
ركضتإلى الداخل صارخة بأخي :" اتبعني "
ركضت نحو المطبخ و لكني صادفت الفتى يركضخارجاً من المطبخ متجهاً نحو غرفته ..
دخل غرفته و أغلق الباب بقوة .. فركضت نحوغرفته بقلق .. فتحت الباب .. لأراه يتمدد من جديد على سريره ..و غطى جسده بالكاملباللحاف .. اقتربت منه لأسمعه و هو يلهث ..
خاطبته بقلق :" أيها الفتى .. "
و لم يجيبني ..
" خالد "
و لازال صامتاً ..
" أيها الملك "
لاحياة لمن تنادي .. يظل يلهث .. مطلقاً زفرات عميقة ..

خرجت من الغرفة .. متجهةنحو أمي التي كانت في المطبخ .. علقت الحزام على المسمار الذي يتوسط الجدار ..
وابتسمت و هي تنظر له :" كلما تمرد عن أمري .. سأصعقه بالحزام "
لم أستطع الصمت .. فاقتربت منها و قلت بعتاب :" أمي هذا لا يجوز .. "
نظرت لي و قالت مستغربة :" و ما الذي لا يجوز .. هو تعدى على ابني فيحق لي معاقبته "
" و لكن أمي .. سامرأيضاً آذى الفتى .. كلاهما أخطأ .. كيف لكِ أن تعاقبي الفتى دون معاقبة سامر "
حاولت أمي تجاهلي لعدم تمكنها من إجابتي ..فأخذت تعد طعام الغداء ..حتى انتهتمن ذلك..ذهبت أمي لمناداة أخي لتناول طعام الغداء .. و ها هي تصعد السلم لمناداةالفتى ..لحقت وراءها.. دخلت هي غرفته حيث كان يغطي جسده باللحاف و نائم .. اقتربتأمي منه قليلاً ..وقفت تتأمله .. ثم أزاحت عن رقبته قميصه لترى الاحمرار الملحوظ ..ثم عادت تتأمله .. و بعد ذلك .. غطته جيداً باللحاف ..و خرجت من الغرفة ..
فبقيت أنا أتأمل الفتى .. أني بدأت أشفق عليه ..

==

مرت الأيامو مرت الاختبارات و استلمنا نتائجنا اليوم .. عدت مع أخي من المدرسة ..
نتيجتي؟!! لا تسألوني عنها .. نتيجة أخي ؟!! أيضاً لا تسألوني عنها ..
كنا خائفان منأمي كثيراً و خصوصاً أنها عصبية .. عندما وصلنا للمنزل .. صادفنا أمي ..
خرجت منالمنزل و هي تضبط خمارها و قالت لنا :
" ادخلا المنزل .. سأذهب لشراء بعضالحاجيات و آتي فوراً "
دخلت مع سامر الذي تنهد :" الحمد لله .. لمتسألـــــــنا عن نتائجنا "
" ستسألنا عاجلاً أم آجلاً "

دخل سامر المطبخو هو يرمي حقيبته فوق طاولة الطعام متجاهلاً وجود الملك .. يجلس على أحد المقاعد ويحتسي الشاي .. جلس سامر على أحد المقاعد و أخرج شهادته من حقيبته .. و تنهد و هوينظر إليها :" رباه .. ما هذه النتيجة ؟!!"
ابتسم الفتى .. و سأل سامر ببعضالسخرية :" ما هي نتيجتك ؟!! "
اشتعل سامر غيظاً .. لاسيما أنه مقهور من درجتهالمتدنية هذه .. صرخ :" و ما دخلك أنت ؟!! "
ظل الفتى يبتسم ساخراً .. ثم نهضحاملاً كوب الشاي و اقترب من أخي .. و انحنى ليرى علامات أخي ..ابتسم :
" هكذاإذاً .. درجاتك متدنية جداً "
اشتعل أخي غيظاً .. و نهض صارخاً بالفتى :" لا يحقلك أن تسخر من درجاتي لأنك لا تدرس .. جاهل .. تركت دراستك لتبقى عبئاً عليناجميعاً "
انعدمت ابتسامة الفتى و تحولت ملامحه إلى الغضب.. صرخ بأخي :
" أنالم أكن أجلب لوالدي نتائج متدنية كنتائجك هذه .. لو أكملت دراستي لأصبحت أفضل منكبكثير "

و هنا اشتعل أخي .. و لكن الفتى فعل شيئاً أثار جنون أخي أكثر .. فقد سكب الشاي الساخن على قدمي أخي ..
و هنا ( بالطبع ) يبدأ عراكهما الطويلالذي لا ينتهي .. و يبدو أنه لن ينتهي ..لأن أمي خارج المنزل .. و لا أحد يستطيعإيقافهما ..
كنت مرتكبة .. و خائفة .. و ها هي أختي هدى تستيقظ من نومها و تأتيلتشاهد هذا العراك العنيف ..
استمر العراك فترة طويلة .. كُسرت أواني كثيرة .. وتبعثرت المقاعد هنا و هناك ..و الذي أخافني أن الفتى كاد ينفجر غيظاً .. و كماتعلمون هو أكبر من أخي بسنتان .. و طبعاً أقوى منه .. فقد كان يرطم أخي المسكينبالأرض بقوة .. و أخي يصرخ .. و أنا لا أستطيع فعل شيء ..و أختي تكاد تموتخوفاً..
و هنا التقط الفتى سكيناً كبيرة .. و حاول بها قتل أخي .. رباه .. رباه .. هل يريد أن يجدد جرائمه في أسرتنا ؟!!
لا ! .. لا!!

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2007, 09:04 AM   رقم المشاركة : 18
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

سدد الفتى السكيننحو وجه أخي فخدشه .. فصرخت أنا رعباً .. و لم يكتفِ هذا المجرم ..بل استمر بخدشأخي في صدره و ذراعيه و حتى رقبته ... رباه .. لن يتركه .. سوف يقتله بالتأكيد ..هنا استرجعت كل لحظاتي الرائعة مع أخي .. نلعب .. نلهو .. نتشاجر .. نتعارك .. نبكي .. نضحك.. كنا ثنائي رائع .. لا أصدق أني سأفارقه ..!!

و ها أنا أسمعضحكات أمي .. :" تفضلي يا أم ناجي .. تفضلي "


صرخت بقوة :" أمـــــــــــــــــــــــي !! "
و لحقت صرختي تلك بكاءاً طويلاً ..

=

أخي المسكين .. يتمدد على سريره و يئن بألم .. تحاول أمي تهدئته .. بينما كانت أم ناجي تداوي جرح صدره العميق و أذرعه و وجهه أيضاً .. و بعض الخدوشالسطحية ..
أمي صرخت بي :" أين ذلك المتوحش ؟!! "
أعقبت :" في غرفته .. "
ضمت أمي رأس سامر إلى صدرها .. و قبلت جبينه بحنان .. :
" لا تخف عزيزي .. لن أتركك مرة أخرى ..ستبقى في ظل حمايتي من ذلك المتوحش "
و المسكين أخي يقبضبيده يد أمي و يئن :" أمي .. أمــــــي .. "
إلى أن هدأ أخي و غط في النوم .. يؤسفني أمره كثيراً .. لا أريد رؤيته على هذا الحال .. تعودت أن أراه نشيطاً .. مرحاً .. لا عليلاً مريضاً ..

نهضت أمي و جارتنا أم ناجي بهدوء .. و خرجنامن غرفته .. حيث بدأت تلك الجارة بالصراخ بوجه أمي :
" لا تقولي لي أن ضيفكم فعلهذا بابنكِ "
هزت أمي رأسها .. فصرخت أم ناجي :
" و تستكين ؟!! كاد أبنك أنيموت لولا رحمة الله"
حملقت أمي بالجارة .. ثم بدا في عينيها الغيظ .. و الشررينفلت من مقلتيها ..

اتجهت نحو المطبخ و دخلته .. ثم خرجت بيدها الحزام .. رباه .. صرخت :" أمي لا .. الفتى لا يتحمل "

هنا خفضت أمي رأسها .. و الأخرى جارتنابدت خجلة من نفسها لأنها تحرض أمي لفعل الخطأ ..أعادت أمي الحزام لمكانه .. و جلستمع جارتنا في الصالة ..و بدأت تحادثها ..أما أنا ركضت نحو غرفة الفتى .. منذ أن فعلفعلته تلك .. حبس نفسه في غرفته ..
فتحت الباب بهدوء .. الغرفة مظلمة ..و أشعةالشمس لا تكاد تسلل من بين الستائر..
اقتربت قليلاً من السرير .. تحسست بيديالجسد المستلقي على السرير و المغطى باللحاف ..
و ها أنا أسمعه يلهث خوفاً .. أهو خائف من أمي ؟!!
همست :" لا تخف .. أنا زينة .. و أمي لن تفعل بك شيئاًصدقني "
و لازال صامتاً ..و لكني فوجئت .. بعد ثوان نهض الفتى بسرعة .. انطلقنحو النافذة و فتحها على مصارعيها..
وضعت يدي أمام عيني أحتمي من أشعة الشمسالمفاجئة.. بعد ثوان فتحت عيني لأراه يقدم على جريمة حقيقية في حق نفسه ..

الانتحار ..

الجزء العشرين
العودة

مال الفتى بجسده إلى خارج النافذة الكبيرة تلك .. و ها هو يغمض عينه و يهذي بكلمات لا أفهمها ..
و بعد ذلك .. أنه يسقط من الطابق الثاني إلى الأرض .. أنه ينتحر .. أنه يقوم بجريمة شنيعة ..
وجدت نفسي ممسكة بالفتى .. أغلفه بذراعي .. أصرخ :" أرجوك لا ! .. كفاك جرماً .. لا تفقد أملك في الحياة "
أجبرته على الابتعاد عن النافذة .. و عندما استلقى على سريره .. أحكمت أنا إغلاق النافذة .. النافذة .. خطر كبير على خالد ..
جلست بقربه حيث كان يتحاشى النظر إلي .. وجدت نفسي أصرخ به :" مجنون .. مجنون .. ما الذي يجبرك على فعل هذا بنفسك .. فلتعلم ..! أنك تعذب نفسك بكل ما تفعله من إساءة للآخرين .. أراك كئيباً لأنك تفعل هذا .. لو نفضت هذه الأفكار السوداء .. لشفيت من مرضك النفسي هذا .."
همس :" أخرجي "
صرخت :" لا ! لن أخرج .. لأنك مجنون .. سأخبر والدي بما تفعله يا هذا "
اقتربت منه و صرخت :" و سوف أخبره أنك آذيت أخي .. و سأخبره أنك تشاجره دائماً و سأخبره .... ... "
صمتت .. فقد رأيت شيئاً جديداً في خالد .. دموع ؟!! هل يملك هذا الملك دموعاً ..
اقتربت منه أكثر .. حيث كان يشيح بوجهه عني .. خاطبته بلطف :
" أرجوك لا تبكي .. لن أخبر والدي بشيء فقط لا تبكي "
=

بعد أيام من صمت الفتى المتواصل .. و بعد أن عاقبتنا أمي بعدم مشاهدة التلفاز بسبب درجاتنا المتدنية ..
ها قد عاد والدي من سفره .. رميت بجسدي في حجره .. كم اشتقت له ..هذه المرة بالذات .. اشتقت لوالدي كثيراً أكثر من كل مرة ..لأن حدثت أحداث كنا بحاجة لوجود أبي معنا ..
و لكني أخبرته بمحاولة انتحار الفتى .. فكان ذلك خطيراً جداً عليه ..
ها هو والدي ينطلق نحو غرفة الفتى .. النافذة مفتوحة .. و لا أحد على السرير ..رباه ..
بعد ثوان مملوءة بالخوف همس والدي :" أين هو ؟!! "
تقدمنا نحو النافذة .. طللنا للخارج .. و هنا شهقت أنا .. أيمكن أنه .. انتحر ؟!!
بعد فترةٍ مليئة بالخوف .. سمعنا صوتاً جافاً :" ماذا هناك ؟!! "
التفتنا إلى مصدر الصوت .. كان هو .. يخرج من الحمام و يضع على كتفيه الفوطة ..
آه .. الحمد لله ..
هنا يقترب والدي منه .. و يضمه إليه ..
=
أبي الآن يجر سرير الفتى لينقلـه إلى غرفة سامر .. طبعاً .. لقد خاف على خالد كثيراً .. لذلك قرر أن ينقل سريره إلى غرفة سامر .. ذلك أفضل .. رغم أن سامر و الفتى يتشاجران دائماً ..
يقف الفتى بجانبي و هو ينظر لوالدي بغيظ .. لأنه سيرغم على مشاركة سامر غرفته ..و لا تنسوا أنه غاضب مني كثيراً .. لأني أخبرت والدي بالحقيقة..
و عندما انتهى والدي من نقل السرير اقترب من الفتى ليسحبه من يده متجهاً نحو الغرفة ..أدخله والدي الغرفة و أجلسه على سريره و قال له :" هنا ستنام من الآن فصاعدا .. و سوف أنقل خزانتك قريباً "
أدار الفتى برأسه لجهة سامر و أشار إليه بسبابته و قال مخاطباً والدي باستنكار :" أنا سأنام مع هذا ؟!! في غرفة واحدة ؟!! "
و هنا صرخت أمي :" و ماذا في ذلك؟! ألا يعجبك ابني ؟!! إذ كان لا يعجبك فأخرج من منزلي فوراً "
و خاطبها والدي :" هدئي من روعك عزيزتي .. الفتى لا يقصد ذلك "
أشارت أمي إلى وجه الفتى المستغرب و صرخت بوالدي :" هذا الفتى متكبـر .. "
تنهد الفتى بملل .. و استلقى على سريره و كالعادة يطردنا قائلاً :" أخرجوا "
فخرجنا تاركين أخي و الفتى ينامان في غرفة واحدة ..

=
في منتصف الليل أيقظني ضجيج في الخارج ..نهضت بسرعة .. و فتحت الباب لأرى أخي سامر يخرج من غرفته مسرعاً .. راكضاً نحو غرفة والدي و والدتي .. ركضت خلفه ..
طرق هو الباب بقوة .. فخرجت أمي و هي تفرك عينيها و تقول بقلق :" ماذا ؟!! ما بك ... "
قال أخي بخوف :" الفتى .. لا أعلم ماذا حدث له .. "
صرخت أمي :" ما به ؟!! انتحر ؟!! "
" لا ! لا !... اتبعيني أمي "
و هنا خرج والدي من غرفته قائلاً:" ماذا هناك "
" أبي الفتى .. "
و ما كاد أن يكمل جملته .. حتى اندفع والدي إلى تلك الغرفة و ركضنا نحن جميعاً وراءه ..فتح والدي الباب و انطلق نحو سرير الفتى و نحن خلفه ..
على السرير الفتى مستلقٍ .. يقبض بيديه الاثنتين على رأسه و يتوجع ..وجهه محمر جداً ..
اقترب والدي منه بخوف .. همس :" ما بك ؟!! "
و يزداد توجعاً ... يعض على شفتيه ألماً .. ما به ؟!!
ينظر والدي إلينا بوجل ثم يعود يغلف الفتى بذراعيه و يمسح شعره :" ما بك ؟!! "
يعض الفتى على شفتيه و يهمس بألم :" رأسي ...!!! "

و هنا يسرع والدي بمساعدة على النهوض ..يساعده على ارتداء قميصه .. ثم معطفه .. و يخرجان من المنزل فتوقفهما أمي :" إلى أين ؟!! "
" إلى المشفى "
و الفتى لازال يقبض بيديه على رأسه .. و يتوجع كثيراً .. لا أتحمل رؤيته هكذا ..

=

اتجه أخي لغرفته و النعاس بادٍ على وجهه .. أما أنا تسمرت على المقعد في الصالة .. فصرخت بي أمي :
" أذهبي و اخلدي للنوم "
" لا .. سأنتظر عودة الفتى .. "
" لن يعود الآن .. قد ينام في المشفى .."
" و ما أدراكِ أمي ؟!! الفتى لا يعاني أي أمراض جسدية "
تنهدت أمي و جلست بجانبي .. و قالت في قلق :" ماذا جرى له يا ترى ؟!! "
قلت :" أجبرتموه على النوم مع أخي .. "
ابتسمت هي بسخرية :" أتعتقدين أنه يمثل دور المريض لكي يعود ينام وحيداً ؟!! "
ماذا ؟!!!
=
بعد فترة طويلة .. كانت أمي تكاد تنام .. مسكينة هي .. مجبرة على انتظار والدي..
لقد تأخروا !!

فجأة يفتح الباب الرئيسي للبيت و يدخل والدي ممسكاً بالفتى .. نهضت و نهضت أمي..
يبدو على وجه الفتى الإرهاق .. و ها هو أبي يخاطبه بلطف :" أصعد للغرفة لتنام .. استرح و لا تفكر بشيء "
هزّ هو رأسه ايجابيا.. و اتجه نحو الغرفة .. و دخلها ..
فسألت أمي والدي قائلة :" ما به ؟!! "
جلس والدي على المقعد و أردف :
" قال لي الطبيب أن هذه نوبات تواتيه بسبب مرضه النفسي .. ربما تذكر شيئاً أثار حزنه .. و غيظه .. "
قالت أمي :" و لكنها نوبات حادة جداً .. كان يتوجع كثيراً "
" نعم .. كلما تذكر الفتى شيئاً يحزنه أكثر .. سوف يتألم أكثر.. لذلك نصحني الطبيب بعدم إغاظته "

و قال والدي موجهاً الحديث لأمي بالذات :" لذلك يا أم سامر .. كوني ألطف معه .. فما هو إلا طفل مريض "

نكست أمي رأسها .. ثم رفعته و قالت :" ماذا فعل له الطبيب ؟!! "

" لم يفعل شيئاً سوى أنه أعطاه بعض المهدئات .. و لازال رأسه يؤلمه قليلاً "

نهض والدي و خاطبني :" زينة ! أذهبي للنوم .. الساعة متأخرة .."
نهضت و قبلت والدي و والدتي و ركضت نحو غرفتي .. استلقيت على سريري ..
ترى هل لازالتِ تتوجع أيها الملك ؟!!
=

في صباح اليوم التالي .. تجمعنا حول طاولة الطعام لتناول الإفطار ..
ها هو الفتى بيننا .. تظهر هالات سوداء تحت عينيه .. المسكين .. لم ينم البارحة جيداً بسبب آلامه ..
أضحكني مظهره هذا.. شعره غير مرتب كلياً.. و من أين سيجد له وقتاً ليرتب شعره و هو تحت ضغوط كثيرة؟!
يتناول فطوره بهدوء شديد .. أمي وضعت أمامه طبقاً .. فرفع هو رأسه و نظر لها .. هي ابتسمت له و مسحت شعره .. أظن أنها أدركت أنه مسكين .. يحتاج لمن يساعده .. لا يعاكسه ..
عندما انتهينا من تناول الطعام .. نهض سامر و قال لي :" زينة دعينا نلعب قليلاً "
هززت رأسي ايجابياً .. ثم قلت :" و لكن لماذا لا يشاركنا الفتى اللعب ؟!! "
و أشار أخي إليه و قال :" أطلبي منه ذلك "
اقتربت منه حيث كان يراقب والدي كيف يداعب الصغيرة هدى في صمت ..
أمسكت يده و قلت في مرح :" هيا .. تعال ألعب معنا "
نظر لي بانزعاج شديد .. و حاول سحب يده من قبضة يدي ..

لكني سحبتها قائلة :" هيا ! أنهض .. "
همس منزعجاً :" أوه.. اتركيني "
و لكني كنت مصرة .. فسحبت يده أكثر حتى صرخ بي أبي بقوة :" زينــة ..! "
تسمرت بخوف .. و صرخ والدي بي :" الفتى متعب ألا تفهمين ؟!! دعيه هيا "

تركت يد الفتى ( المتعب ) .. و ركضت مع أخي سامر خارج المنزل لنعلب ..
و لأننا في إجازة .. فلا شيء يوقفنا .. نلعب و نلعب و لا نتعب .. حتى الكلب تعب .. و نحن لم نتعب بعد ..
حتى خاطبني أخي و هو ينظر لساعة يده :" أوه .. زينة .. لقد استغرقنا وقتاً طويلاً في اللعب "
" هيا .. ألن تكمل ؟!! "
قال مشيراً برأسه بالنفي :" لا .. لقد تعبت ..! "
و مشى متجهاً نحو المنزل .. ركضت خلفه و خاطبته :" هل أصبحت بخير ؟!! "
ابتسم في وجهي :" نعم .. لم أعد أشعر بأي ألم "
ركضنا نحو المنزل و دخلنا مصدران ضجيجاً .. فخرجت أمي من المطبخ و وضعت سبابتها أمام فمها عمودياً :
" شششش .. الفتى نائم "
أشارت إلى الفتى المستلقي على الأريكة و غاط في نوم عميق .. و ها هي تقترب منه حاملة لحاف و غطته جيداً و خاطبتنا بهمس :" الفتى متعب .. ألا تفهمان ؟!! "
نظرت له و قلت :" و لكن لماذا ينام هنا ؟!! "
اقتربت أمي منا و همست :" نام هنا و انتهى الأمر .. هيا ابتعدا و ألعبا في مكان آخر .."

=

الإجازة هي جميلة أحياناً .. و لكنها مملة أحياناً أخرى ..
ها هو والدي يعود من عمله و يجلس على أحد المقاعد ليتأمل النائم على الأريكة .. أنه إن نام لا يستيقظ أبداً..
جلست بجانب والدي و همست :" أبي ! "
التفت لي :" ماذا "
" ملل .. "
ابتسم و قال :" عزيزتي .. سوف يقام مهرجان غداً .. و لن تشعرين بالملل .."
قلت بفرح :" مهرجان ؟!! أين ؟!! "
" في الساحة المقابلة لمتجر الحلوى .. سوف تلعبون و تمرحون و تشترون و كل شيء .. "
أشرت للفتى :" و الفتى ؟!! سيأتي معنا ؟!! "
" بالطبع عزيزتي .. جميعنا سنستمع في المهرجان "

قفزت من الكرسي و أسرعت لإخبار أخي ..

في المساء ..يغطي والدي الفتى جيداً و يقبل جبينه و يقول له :" لا تفكر في شيء .. نم بهدوء .."
في طرف آخر أخي غارق في النوم .. يخرج والدي من الغرفة .. فيستوي الفتى على سريره و يسند رأسه للخلف و يغمض عينيه و يعود ليفتحها .. و الحزن باد على ملامحه .. اتجهت نحو غرفتي خلدت للنوم .في اليوم التالي ها هي الاستعراضات و الألعاب و الفرح و المرح في تلك الساحة .. ينطلق أخي بفرح نحو أحدى الألعاب الالكترونية .. و والدي و أمي يقلبون في الحاجات المعروضة للبيع ..
آه مهرجان رائع .. هناك من يعزف ..و هناك من تنثر الورد علينا و هناك و هناك ..كم هذا رائع ..

" الدنيا تغرق ..! "

التفت إليه .. الفتى .. يقف يحملق بالناس بنظرة غريبة .. خاطبته :" ماذا تقصد ؟!! "
تنهد بعمق و أشار لجميع الناس :" أنهم يغرقون و هم لا يعلمون ؟!! "
قلت مستغربة :" يغرقون ؟!! "
تقدم هو نحو بائع الحلوى .. الذي يوزع الحلوى على الأطفال ..أبعد الفتى الأطفال عن طريقه و عندما بلغ البائع ..ضرب بقبضة يده الطاولة فسقطت علبة الحلوى على الأرض و تناثرت الحلوى هنا و هناك ..
همس بغيظ موجهاً حديثه للبائع :" توقف عن هذا "
البائع يشتعل غيظاً .. أمسك بذراع الفتى و صرخ به :" كيف تجرؤ ؟!! "
ردد ذلك المجنون عبارته بنظرة عميقة :" توقف عن هذا "
" و من أنت أيها الفتى .. أذهب و ألعب بعيداً .. "
و ها هو سامر ينطلق نحوه ليسحبه.. و لكنه مصر على مشاجرة الرجل .. همس و هو يعض شفتيه :
" أنت لا تفهم "
صرخ البائع :" و من الذي يفهم أيها العبقري ؟!!"
و هنا أخرج البائع علبة حلوى أخرى ليوزعها على الأطفال .. فأوقفه الفتى :" توقف .. قلت لك توقف عن هذا "
صرخ الرجل موجهاً حديثه للناس :" من والد هذا الفتى ؟!! فليأتِ و يأخذه و إلا.... "
نكس الفتى رأسه و همس :" لن يأتِ .. لأنه مات .."
صُدم البائع .. و هنا ابتعد الفتى عن حشد الناس و جلس على العشب مبتعداً عن موقع المهرجان ..
ركضت نحوه .. جلست بجواره .. نظرت له .. ينكس رأسه بحزن ..خاطبته بحيرة :
" ما بك ؟!! أحياناً جنون و أحياناً حزن .. أحياناً غضب و أحياناً تعب .. "
نظر لي بابتسامة ساخرة .. ثم همس :
" من حقكم أن تلقوا بي في تلك العيادة النفسية .. لأنكم لا تفهموني و لن تفهموني "
" ما الذي لا نفهمه .. وضح لي .. "

تنهد بعمق .. ثم استلقى على العشب و أغمض عينيه ..
=
في اليوم التالي .. اصطحبنا والدي إلى أحد الأسواق لشراء ما نحتاجه ..و تركنـا أمـي و الفتى في المنزل .. لم ننتهي من التسوق إلا في وقت متأخر .. الساعة التاسعة ليلاً.. عدنا للمنزل بينما كان البرد قارصاً ..
دخلت المنزل .. و أخذ أبي ينادي أمي .. خرجت أمي من المطبخ باسمة :" العشاء جاهز "
جلست على مقعدي و جلس سامر على مقعده و هدى اختارت مقعدها بقرب والدتي و بدأنا في تناول العشاء ..
و سامر أخذ يحدثني عن الفتيان الذين يتعرضون له في المدرسة .. بدت لي حياته في المدرسة كئيبة فهي شبيهة بحالي أنا ..طبعاً .. إذ كنت طالباً موضع سخرية .. ستتألم جداًَ ,,
المدرسات تسخرن مني.. و الطالبات أكثر .. يحاولن إحراجي قدر الإمكان ..
سامر يتألم جداً عندما يظهر ضعيفاً أمام حشد الطلاب الذين يندفعون نحوه لضربه .. و ليثبتون له أنهم أقوى منه و هو ضعيف .. و لكني أتألم عندما تقف الطالبات و يرمقوني بنظرات و ضحكات ساخرة .. و أتعذب من حديثهن ( وشوتهن ) فيما بينهن عني ..
ترى إلى متى سأظل هكذا ؟!! موضع سخرية الجميع ..!
قطع سرحاني سؤال والدي الموجه لأمي :" أين الفتى ؟!! "
" لا أعلم ! ربما نائم "
تركت أنا الملاعق .. و نهضت قائلة :" شبعت و الحمد لله .. "

. ركضت خارجة من المطبخ .. اليوم لم أرى وجه الملك بتاتاً .. ركضت نحو غرفته ..عندما بلغتها طرقت الباب .. فلم أسمع أي صوت .. أيمكن أنه نائم ؟!!فتحت الباب بهدوء .. و ألقيت نظرة على الغرفة .. لا أحد !!
أغلقت الباب و رحت أبحث عنه في أرجاء المنزل .. رغم أن الفتى لا يمكث إلا في غرفته و أحياناً قليلة إذ شعر بالعطش يطل على المطبخ ..
فتشت كل ركن و زاوية من المنزل و لكـن لم أجد الملك !!ربما هو خارج المنزل .. أيمكن أنه .. فرَّ هارباً ؟!!
ركضت بخوف نحو باب المنزل .. خرجت من المنزل و أنا أرتعش برداً .. البرد يتضاعف آلاف المرات في الليل .. لا أعتقد أن الفتى يستطيع المشي وسط هذا البرد القارص .. أنه ليس معتاداً على البرد ..كان المطر يتساقط بغزارة .. فاستعرت مظلة والدي و اندفعت أبحث عن الفتى .. هنا و هناك ..آه أكاد أجن .. لا أحد يسير في الشوارع في هذا الوقت .. برد قارص و أمطار غزيرة .. ركضت بسرعة .. و أخذ أدير عيني أبحث عنه بقلق .. و لكن لا جدوى ..يستوجب علي البحث أكثر ..أخذت أمشي و أنا أبحث عنه هنا و هناك .. أين هو ..
ابتعدت عن المنزل كثيراً .. و لكني لم أجده لحد الآن !! شعرت بالبرد .. يجب أن أعود للمنزل قد يقلق والدي علي .. و لكـن ! ماذا عن الفتى ؟!!
أدرت رأسي للخلف .. ربـاه .. الليل مخيف .. الظلام موحش .. و لا أحد يسير في الشوارع غيري ..
عدت أنظر للأمام .. لحظة .. كأني رأيت شبح خالد ..
دققت أكثر في ذلك الشيء المتكوم على نفسه بقرب إحدى الأشجار .. رباه .. خالد ..
اقتربت أكثر .. أكثر.. لأراه أمامي يخبأ رأسه بين ركبتيه .. و يغلف جسده بذراعيه و يرتعش برداً ..
يرتدي قميصاً قصير الأكمام و ليس سميكاً أبداً .. يتجمد برداً .. أنحيت له .. فشعر بي .. رفع رأسه ببطء ..
ثم نظر لي .. رباه وجهه ازداد احمراراً من شدة البرد .. يرتعش برداً ..المطر يبلل جسده بأكمله ..
ظللته بالمظلة .. و صرخت به :" ماذا تفعل هنا ؟!! "
كان ينظر لي بنظرات غريبة جداً .. و كأن هموم الدنيا كلها انصبت على رأسه ..
همست بلطف أكبر :" ألا تشعر بالبرد "
هزّ رأسه ايجابياً ..فقبضت على يديه فإذاً بهما جليد صلب .. همست به بقلق :" أنك تكاد تتجمد حتى الموت "
همس هو :" أرسلوني إلى العيادة النفسية "
" لماذا ؟!! هل فعلت أمك مالا يرضيك ؟!! هل قالت لك شيئاً "
عاد يقول و هو يعض شفتيه :" أرسلوني إلى العيادة النفسية.. لا أريد البقاء بينكم "
قلت بانفعال :" لماذا ؟!! أرجوك أخبرني ما الذي حدث .. ! "
نكس رأسه و بحشرجة أردف :" المريض النفسي لا يستطيع العيش بين بقية الناس العاديين .. "
رفع رأسه فإذا بوجهه أكثر احمرار .. و عينيه تلمعان .. و كأن سيلاً من الدموع على وشك التدفق ..
يا إلهي لأول مرة أراه بهذا الشكل .. قبضت على كتفيه و قلت بترجي :" أرجوك لا ! .. "
حدق بي طويلاً بتلك النظرة الكئيبة .. فضغطت على ذراعيه و قلت بهمس و كلي قلق :
" خالد .. دعنا نعود للبيت "
نكس رأسه :" دعيني أبقى هنا قليلاً "
" لا ! .. ستتجمد .. أنك تتجمد ! سوف نعود للمنزل و يمكنك أن تطلب من والدي أن يرسلك إلى العيادة النفسية .. فقط لا تبقى هنا .. المكان موحش و بارد .. ستمرض ..! "
نظر لي بنظرته الكئيبة تلك .. ثم بدا متقبلاً الفكرة .. مددت يدي له و أعنته في النهوض .. لاسيما أنه متعب جداً .. و مشينا معاً عائدان إلى المنزل .. نظرت له .. مرهق جداً ..
عدت أمشي و هو بجانبي يمشي .. حتى بلغنا المنزل .. تصلبت نظراته عند المنزل عندما رأى والدي يحوم بقرب الباب .. و سامر بجانبه ..
وقف دون أن يتحرك خطوة واحدة للأمام .. و نظراته مركزة على والدي ..
خاطبته :" هيا بنا "
نظر لي .. ثم عاد ينظر لوالدي .. حتى واصل مشيه نحو والدي و أنا بجانبه أظلّه بالمظلة ..
رأيت على والدي ملامح الصدمة لرؤية الفتى يمشي نحوه .. اقترب منه بسرعة و هتف :
" ماذا كنتما تفعلان في الخارج ؟!! "
نظر لي الفتـى .. ثم نظر لوالدي مرة أخرى .. فعاد والدي يسأله :
" و لمَ أنت مبلل هكذا ؟!! و كيف تخرج بملابس صيفية و البرد قارص "
نظر الفتى لوالدي نظرات عميقة .. ثم همس :" أرسلوني إلى العيادة النفسية .. "
" و لكـن يجـب .... "
قاطعه الفتى بزمجرة و بصوت غاضب :
" ليس من حقك أن تبقيني هذه المدة كلها في منزلك .. أنا جئت هنا لأعالج فقط .. "
تقدم الفتى بخطوات إلى الأمام صاعداً عتبات البيت .. و والدي يراقبه .. دخل المنزل .. فنظر لي والدي :
" ماذا حدث ؟!! "
" لا أعلم .. كان مصراً على ألا يخبرني بشيء "
دخلت أنا المنزل و لحق بي والدي .. انطلق والدي نحو غرفة الفتى..و أنا وقفت أمام أمي متسائلة :
" أمي .. ماذا حدث بينك و بين الفتى ؟!! "
قالت مستغربة :" لا شيء جديد .. أهناك شيء ؟!! "
يبدو أن أمي صادقة !
تركتها و انطلقت نحو غرفة الفتى .. فتحت الباب ! .. كان يضع حقيبته الكبيرة الخاصة للسفر على سريره ..
و يبقى ينقل ملابسه و حاجياته من خزانته إلى الحقيبة .. و هو يشتعل غيظاً ..
و والدي يحاول إقناعه :" ماذا تفعل !.. ألا تعلم أي حياة ستعيشها هناك .. سيعاملونك كالمجنون .. يصعقونك بالكهرباء و ستدمن على الحقن المهدئة .. "
وقف الفتى أمامه .. :" لا ! .. أظن أن الطب متطور في هذه البلاد .. و هناك أطباء و خبراء نفسيين "
و واصل عمله .. فوقف والدي أمامه يصدّه .. حملق به بحيرة و قال :" ما الذي حدث ؟!! "
عضّ شفتيه .. ثم واصل عمله :" انتهى الأمر .. و لا مجال لمناقشة الموضوع "
ابتعد والدي عنه قليلاً .. و هكذا أكمل الفتى عمله .. و خاطب والدي بجدية أكبر :
" غداً أرسلني إلى العيادة النفسية .. فلم أعد أستطيع البقاء "
ثم خلع قميصه المبتل ذاك ..و حمل الحقيبة من السرير إلى الأرض .. ثم استلقى على سريره و غلف نفسه باللحاف .. و أغمض عينيه و الغضب يتفجر من رأسه ..
و هنا أطفأ والدي النور .. و خرج من غرفة الفتى و اقترب من أمي الجالسة في الصالة و خاطبها :
" أظن أن الحق مع الفتى .. ليس من حقنا إبقائه هنا أكثر.. "
اقترب والدي منها أكثر و جلس بجانبها قائلاً :" غداً سوف أرسله للعيادة .. "
قالت أمي مستغربة :" ما به ؟!! لماذا يريد الذهاب للعيادة ؟!! "
التفت لها والدي :" لا أعلم أصر على عدم البوح بشيء .. و هذا ما يحيرني .. ما الذي جرى ؟!!! "
أشاحت أمي بوجهها إلى التلفاز .. فنهض والدي حائراً ..!

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2007, 09:17 AM   رقم المشاركة : 19
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

في صباح اليوم التالي يجر الفتى حقيبة ليغادر المنزل .. حتى دون أن يلقي نظراته الأخيرة علينا ..نحن سنزوره بالطبع في المشفى و لكنه أتى للمنزل و أضاف جواً جديداً و ها هو الجو سيختفي لمغادرته ..استوقفه والدي :
" ألن تسلم على سامر و زينة و أم سامر .. لا تنس أنك ستغادر منزلنا و لن تعود إلا بعد خمس سنوات "
توقف الفتى قليلاً لينظر لسامر .. ثم ينقل نظراته لي .. ثم لأمي .. و تراءى لي شبح ابتسامة .. يبتسم لي ؟!! اقترب مني قليلاً تاركاً حقيبته .. و هو يبتسم لي ..
توقف عند بعد خمس خطوات .. ثم همس :" سأشتاق لكم .. "
شعرت بالسعادة .. ممزوجة ببعض الحزن .. الفتى سيغادر منزلنا و لن يعود إلا إذ بلغ الخامسة عشر ..
ابتسمت في وجهه .. و ها هو سامر يرد نيابة عني :
" و نحن أيضاً سنشتاق لك و سنزورك بين فينة و أخرى .. أليس كذلك أبي "
( ما دخلك أنت ؟!! الحديث موجه لي أنا )
و ها هو الفتى يدير رأسه للخلف ليرى والدي يهز رأسه ايجابياً ..و يعود ليحملق بي ..
ثم مد يده لأخي بابتسامة رائعة قائلاً :" وداعاً ! يا صاحب الكلاب .. "
و انفجر أخي ضحكاً قابضاً على يد الفتى بيديه الاثنتين :" وداعاً ! وداعاً "
سحب الفتى يده بلطف من قبضة أخي .. ثم مدها نحوي .. و بدعابة خاطبني :" و أنت أيتها المرحة الماهرة "
مددت يدي لأسلم عليه .. و ضحكت قائلة :" وداعاً .. أيها الملك !! "
ثم تركت يده ليبتعد عني متجهاً نحو والدي .. فيخاطبه أبي :" ألن تسلم على أم سامر ؟!! "
أدار هو برأسه نحو أمي حيث كانت ترسم على شفتيها ابتسامة صغيرة ..
اقترب الفتى من أمي و بقي يحملق بها .. فارتسمت على وجهها ابتسامةً حنونة ..
و أنحت جذعها لتضمه إلى صدرها ..



هنا يغادر الملك .. و لكننا لم نتركه .. بل نظل نزوره بين فينة و فينة في المشفى .. بصراحة مظهره على السرير الأبيض و بملابس المرضى يشعرني بأنه ضعيف .. أمي تحسنت علاقتها معه .. فبدأت تعامله كابن لها .. و خصوصاً بأنه مريض .. أخبرنا الطبيب أن خالد يتحسن بسرعة .. و يتقبل العلاج النفسي رغم أنه أحياناً قليلة يضجر و يثور .. و يحتاج الطبيب لتهدئة أعصابه بالمسكنات .. و لكن هذه الحالة لا تواتيه إلا نادراً ..
يقول الملك .. أن بعض الممرضات لا يحسنون معاملته و هذا ما يجعله يكره المشفى ..,
طبعاً ! فبعض الممرضات المبتدئات لا يدركون أحاسيس المرضى النفسيين و يظنون أنهم مجانين بلا عقول ..
استمر الحال هكذا .. كل يوم نذهب لزيارة الفتى لتقديم طعام الغداء له .. و كل يوم أتلقى منه شكوى من جميع المحيطين به .. حتى زملائه المرضى النفسيين .. فهل يا ترى سيتقبل خالد هذا الحال ؟!!

=

مـر من الزمان الكثير .. حتى استطاع خالد الخروج من المشفى ليعيش عشر سنوات معنا ..
أصبحت متحجبة .. و هذا ما يجعله ينام في الملحق التابع للمنزل ..و لكنه بدا مهتماً لأمري كثيراً ..
فقد رأيته رجلاً ناضجاً واعياً .. و قد بلغ ما فوق العشرين .. يخاف علي من الشبان التافهين المتناثرين في الشوارع ..يحاول قدر الإمكان حمايتي حتى من أي نظرة من أي شاب ..
في الفترة الأخيرة يزورنا والد خالد و عمه الذي يصغره بسنتين .. و أسمه على ما أظن ( إياد ) ..
و عمته الكبرى " ذكرى" .. و أحياناً يصطحبون معهم عمته الأخرى التي تدعى سمية ..بدت لي أسرته في غاية اللطف .. و لاسيما أنهم يكثرون المدح فيا ..
و لكن الذي يحيرني ! .. أن خالد لم يرَ أمه لحد الآن ! و لم يسمع صوتها ..!و كل ما سألته عنها يقول لي أنها لا تريد التحدث معه ..!! أيعقل ؟!! ألازالت لا تطيق سماع صوته .. قلبها حجري و قاسٍ جداً ..
من الذي يكره سماع صوت خالد ؟!! أنه أصبح ملاكاً .. يزداد إشراقاً يوماً بعد يوم ..
بعد أن أكمل دراسته .. و ها هو يدرس دراسات عليا .. و لكنه لن يباشر بالبحث عن وظيفة ..لأن والده أخبره الوظائف أصبحت متوافرة في بلده الأصلي .. و لا داعٍ للبحث عن وظيفة ..
و لكني فرحةٌ جداً .. لاسيما أن أبي أكمل بناء بيت آخر في إحدى مدن بلدنا الأصلي و سنهاجر له .. ما إن ستتدبر أمورنا .. و الذي أسعدني أن " خالد " سوف سيعود معنا أيضاً ..

الجزء الواحد والعشرين
و مرت السنين

خالد .. ! بداية قصته .. أنه شهد جريمة قتل بشعة .. بعدما ابتعد عنعمه ليلهو قليلاً و لكنه توقف عند أحد البيوت المهجورة لرؤيته رجلاً .. يعذب امرأةبالسكاكين .. قطعها و عذبها إلى أن ماتت .. الرجل قتل المرأة و لكنه لم يعلم أنه قدأثّر على قلب طفل رآه ..و لأن خالد فهم ذلك المشهد بالخطأ ..فقد اعتقد أن ما يقومبه الرجل صواب ..حاول في البداية قتل أخيه الذي يغار منه ..ثم قتل ابنة عمه حقاً ..و دفع الثمن غالياً .. تخلت عنه أمه .. و الجميع اقتنع أنه مريض نفسياً ..و هكذابدأ خالد بالعلاج في المشفى في بلده .. ثم انتقل إلى عيادة أخرى في بلد آخر .. فقدتخلى عنه الكثيرون ..و ها هو يكمل علاجه .. و يكمل دراسته .. و يصبح شخصاً يستحقالإعجاب..
حتى بلغ سن الرشد .. نضج .. أصبح عاقلاً و واعياً .. رجلاً بمعنىالكلمة ..بلغ الخامسة عشر سنة ! بمَ يذكركم هذا الرقم ؟!!
بعمر خالد .. بعد خمسةعشر سنة .. أي انتهت المدة المحكومة على خالد بالبقاء خارج البلاد ..
و حان موعدالعودة ..
==
كنت جالسة في الصالة أقلب قنوات التلفاز .. الساعةالحادية عشر ليلاً .. آه رباه ..
ذكرى في غرفتها .. و عادل خارج المنزل .. ابنيوائل و إياد و سالم و مروة و سمية .. يتجولون في الأسواق.. بحثناً عن هدايا لابنةأختي " سارة " فغداً عيد ميلادها ..
رباه .. أنا الآن وحدي ! الملل يقتلني .. أقلب القنوات و لا أجد فيها شيئاً مسلياً ..
دخل عادل المنزل ! آه .. و أخيراً .. ؟!!
اقترب مني حاملاً هاتفه الخلوي .. على وجهه ابتسامة عريضة و فرح شديد .. صرخ بي :
" أين ذكرى ؟!! "
" في غرفتها "
خرجت ذكرى من غرفتها فإذا بعادليركض نحوها بسرعة ( لم هذا الجنون ؟!! )
يناولها الهاتف و يقول بفرح :" خالد ! لديه خبر رائع "
إلى متى سوف ترافقنا مكالمات هذا الفتى .. أقصد الشاب .. لأنهالآن كبر و أصبح شاباً..
اقتربت ذكرى و سألت عادل :" أي خبر ؟!! "
ناولهاالهاتف .. و حضّها على محادثة المجرم ذاك ..قرّبت الهاتف لأذنها :" آلو خالد ! ماذاهناك ؟!! "
ثم اتسعت فتحتا عينها و شهقت :" أحقاً ما تقول ؟!! "و قالت و هيتلتقط أنفاسها :" لا أصدق "
ثم قالت :" حسنٌ عزيزي .. " أغلقت الهاتف .. و خاطبتعادل بجنون :" أنا سأصعد لأرتدي عباءتي "
و شقت طريقها بسرعة .. و هي تضحك بفرحو جنون ..ترى ماذا قال لها خالد ؟!!
و في جهة أخرى يركض عادل بفرح كالأطفال .. خارجاً من المنزل ..ماذا دهاهما ؟!!
و ها هي تخرج ذكرى من غرفتها و عيناه تلمعانفرحاً .. تكاد تبكي ..و قد تجهزت للخروج من المنزل ..
استوقفتها :" ذكرى ! ماذاهناك ؟!! "
وقفت أمامي بفرح .. ثم قبضت على يدي الاثنتان ,, و صرخت :
" غيداء ..! الفقيد سيعود إلى أرض الوطن أخيراً ..! "
نظرت لها بأعين حائرة .. الفقيد .. خالد .. ابني .. الذي نسيت شكله .. و لكني لم أنسى جرائمه ..
سيعود لأرض الوطن؟!! أي .. سيعود فرداً بيننا ؟!!
لكننا رفضناه .. أني حتى لا أذكر صوته .. و لاحتى لمحة من ملامحه وجهه..
لا أذكر إلا جرائمه البشعة ..!
لا أتخيل أن يعودخالد بيننا .. ذاك الإنسان .. سيعود ليعيش هنا ؟!!

تركتني ذكرى .. و ركضت خارجةمن المنزل و هي تردد:" لا أصدق أني سأقف أستقبل الفقيد .. أخيراً ؟!! "
تكادتموت فرحاً.. و أنا أكاد أموت حيرة .. أموت خوفاً منه ..و حقداً عليه ..
بنيوائل ! كيف ستكون نظرته لأخيه المجرم هذا .. سيرفضه ؟!! أم يرحب بمن حاول قتله فيالماضي..
هل سيفتخر ابني أن له أخاً هكذا .. مجنون ..! مريض ! .. مجرم .. مخيف .. مريب ..غامض ..
و بقية الشبّان و الشابات .. مروة سمية .. إياد و سالم .. هلسيقبلون وجود هذا الإنسان بينهم ؟!!
أيتذكرني ؟!! أم يكرهني ؟!!
قال عادل منقبل .. أن خالد حينما يعود .. سوف يعيش في شقة خاصة له .. بعيدة عنا ..ذلك أفضل ..!
ما هو شكله الآن ؟!! هل تغيـــر ؟!!
غفوت قليلاً .. لأفكاري الكثيرة .. غفوت قبل أن أستعيد كل ذكرياتي التعيسة مع هذا الابن .. ليتني لم أنجبه ..
ليستغفوة .. و أنما نوماً عميقاً .. فتحت عيني على وجه ذكرى المشرق الذي يهزّني :
" غيداء ! .. أنهضي .. أنظري لمنزلك كيف أشرق .. لدخول النور كله له .."
نهضت ونظرت لعادل الذي يخرج من غرفة إياد .. و يقترب مني بابتسامة مشرقة جداَ,,
هناشهقت ..! فقد رأيت حقيبة سفر بقرب ذكرى .. صرخت :" أهو في المنزل ؟!! "
ابتسمتذكرى و أشارت إلى غرفة إياد :" هناك ! .. أنه يرتاح قليلاً .. "
صرخت بعادل :" ألم تقل بأنه سيعيش في شقة ؟!! "
هزّ رأسه :" بلى .. و لكنها ليلة فقط .. سينامقليلاً ليرتاح .. ثم يذهب لشقته المجهزة "
كنت خائفة .. ثم قلت :" و أين سينامإياد ؟!! "
" في غرفة أخيه سالم .."
اقترب مني عادل و أمسك كتفي باسماً :" ألن تطلي على أبنك لتري كيف أصبح ؟!! "
عارضت بشدة :" كلا ! .. "
استاء عادلمن ردي .. و لكن ذكرى لم تكترث بي .. تزداد إشراقاً و بهجة ..أخذا يتحدثان عنه بكلفرح ..
نظرت للغرفة التي يمكث فيها أبني الآن .. ( ابني ؟!! ) .. ترى لمَأقولها و أنا أكره أن يكون هو ابني ..
=
تمدد عادل على السرير بفرح كبير .. يغمض عينه و يهمس :" تصبح على خير .. بني! خالد "
أسندت رأسي على الوسادة .. نظرت لعادل .. غطَّ في نومٍ عميق ..ها أنا أسمع أصوات وائل و سالم و إياد و مروة وسمية .. أظنهم عادوا .. و ها هو صوت ذكرى يوقف ثرثرتهم .. تخبرهم بوجود " خالد " فيغرفة إياد ..فتتعالى أصواتهم دهشة ! من كان يتوقع أن هذا الإنسان سوف يعود الآن ..آه لم عدت الآن ؟!! لست مستعدة لرؤيتك !
انعدمت أصوات الجميع .. أظن أن كلواحدٍ فيهم ذهب ليخلد للنوم .. و لكن النوم فارق أجفاني ..لا أصدق أن مصدر خوفي ورعبي موجود معي في منزل واحد ! رباه يجب علي إقفال الباب جيداً .. قد يحاول .....
لحظة ! ما الذي أفكر به ؟!!خالد تعالج .. لم يعد مريضاً ! .. لمَ الخوف؟!!
و لكني بجنون نهضت لأقفل الباب ..مددت يدي و أدرت المفتاح .. و لكن ! يالقسوتي !.. يال سوء ظني ..
عدت أفتح الباب ببطء .. و طللت على الخارج .. سكونرهيب ..استدرت و نظرت لزوجي المتمدد على السرير .. ثم عدت أنظر للخارج بقلق .. خرجتبهدوء .. و أغلقت الباب من بعدي .. أرجوا ألا يستيقظ عادل ..
على أطراف أقداميأتسلل نحو الغرفة التي تسبب كل قلقي ..ترى ! ماذا أريد أن أفعل ؟!!وقفت أمام الباببخوف .. مددت يدي .. و أمسكت بمقبض الباب .. تنهدت بعمق !
أرجوا أن تكون نائماًأيها المجرم .. أنا أريد فقط رؤيتك .. أرجوك لا تؤذيني ..فتحت الباب بهدوء و أناأغمض عيني.. و تتسارع نبضات قلبي .. كأنه طبل أفريقي مجنون ..
دخلت و أغلقت منورائي الباب .. و فتحت عيني !

==

ليت العمى أصاب عيني ... و ليتنيشللت .. ليتني مت .. عقاباً على ما فعلته في السابق..

اقتربت من ذلك السرير .. انعدم خوفي فجأة ..أي شعور غريب غلّف قلبي .. لا أعلم .. تبلل وجهي بالعرقالمتصبب ..

آه .. لم أكن أتوقع أنه كبر هكذا .. خالد ! الطفل ..! ابنالعاشرة ! .. على السرير أمامي بطول .. و عرض ..


تحدثت ذكرى عنه .. حاولت وصفه لي من قبل و هو كبير .. و لكني لم أسمح لعقلي حتى أن يتخيله ..


أبني عزيزي .. ينام دون تبديل ملابسه هذه .. حتى حذائه لم يخلعه ..

يغمض عينيه بهدوء شديد .. نائم بهدوء شديد ..

وجهه ..! كالقمرالمنير .. لم تتغير ملامحه كثيراً ..

ربــاه .. تذكرت كلمات عادل و ذكرى :" لماذا تطعنين أبنك ؟!! "
" أنت تقتلينه بهذه الكلمات "
" أبنك مظلوم "
" أرجوك غيداء لا تقسي عليه .. "

نفضت كل تلك الكلمات و عدت أتأمله ..

كان حلماً هذا الجسد المتمدد أمامي .. أجمل حلم عبر رموشي ..

كمكنت أحلم أن أراك هكذا .. بدون مرض... بدون نقص .. كأي شاب و ربما أفضل ..


يدي جُرت نحو هذا الشاب .. أريد إيقاظه .. و أخبره أني أمه ..


و لكني تجمدت لآخر لحظة .. انسحبت .. و شعرت بغصة !


الآن ياغيداء تدعين نفسك بأمه ؟!! كان مريضاً فرفضته .. و لما عاد كاملاً .. أدعيتِ أنكأمه ؟!!


تراجعت للوراء .. شعرت بصرخة تكاد تخرج من داخلي .. تصرخ باسمه ..


و شيء يبلل وجهي المصدوم لرؤية هذا الكيان !


قبضت بيديعلى فمي مانعة تسرب أي صرخة .. و دموعي تبلل وجهي .. أي عقاب ستعاقبني إياهربي!


أنا من فرقت بين أبنائي الاثنين .. فضلت المجتهد الوسيم .. و تخليتعن المريض المجرم!


وكأنني انتزعته مني .. انتزعت كل مشاعر الأمومة التيبداخلي تجاهه ..


و ها هي تنصب علي من جديد !




استيقظخالد !.. أنا هي من ظلمتك ..


أنا أمـك !

=======================

عدت و تمددتعلى السرير .. أنظر لعادل .. و أعود أكمل نحيبي !!
رفعت يدي .. ناجيت ربي ..أرجوك رباه سامحني .. أنا لم أكن أدرك معنى الأم ..
لقد كبرت و رأيتهكبيراً .. رأيته بريئاً من كل اتهاماتي ..


رأيته رباه على ذلك السرير .. بوجه مشرق ..


قد كان في صغره في مريضاً و لكنه تعالج .. أرجوك رباهساعدني .. أريد أن أتقرب له ..


أريد أن أشعره بحناني .. عمري الذي فاتهو .. هو ينتمي لي .. هو أبني ..

هو جزء لا يتجزأ مني .. رباه لا تحرمني منه ..

هو كوني .. هو حياتي الضائعة .. هو قلبي التائه .. هو نبضي ..


أرجوك رباه ساعدني لأتقرب لأبني أكثر ..


طوال الليل لميلامس النعاس جفوني .. أبكي بصمت في غرفتي تارة .. و أذهب لأطل على ابني تارة ..


هذا هو ابني .. هو من ظلمته محكمة الحياة ..

!!



في اليوم التالي .. استيقظت بتقاعس .. نظرت للساعة .. الساعة التاسعة ..

رباه !!

لقد تأخرت في نومي .. عادل لم يكن بجانبي ..نهضت بسرعة و غسلت وجهي و استبدلت ملابسي ..

و تذكرت أن في المنزل ابنيالعزيز ..

الشاب الذي قاوم كل مصاعب الحياة وحده ..

رغم كل شيء ..

رغم قسوتي ..

و بعده عنا ..

خرجت من الغرفة .. أصوات الجميعتنبعث من المطبخ ..

اتجهت نحو غرفة ابني .. أخذت شهيقاً .. و فتحت الباببابتسامة رائعة ..

صُدمت ..!!


الغرفة مرتبة جداً .. و لا أحديمكث فيها ..

أيعقل أنه يتناول فطوره مع الجميع ..؟!!


لا أصدق ..


ركضت نحو المطبخ .. طللت عليهم بسرعةأفتش من بينهم " خالد "

أين هو !! .. أني لا أرى الجسد الذي رأيته بالأمس ..

و كأنه اختفى ..أين ذلك الوجه ؟!! أريد رؤيته مجدداً ..


و كأن ما رأيته البارحة خيالخالد .. و لا أثر له الآن ..

دعاني عادل لتناول الفطور..

آه .. أينخالد ..

ليت عيني العمى .. فقط لا تمحون صورة خالد الرائعة التي رأيتهاالبارحة من عيني ..

أدرت عيني عليهم واحداً تلو الآخر ..

هتف بي بنيوائل :" أمي ما بكِ ؟!! "


نظر لي عادل بقلق :" غيداء ! عزيزتي ما بكِ "


كنت حائرة ! أيمكن أن ما رأيته بالأمس خيال و وهم ..

لا أثرلحقائب خالد و لا حتى هو ..


الغرفة مرتبة جيداً..


أكاد أجـن ..!


قلت بارتباك :" أين خالد ؟!! "


بدا الجميع مستغربٌ جداً ..


آه .. إذاً ما رأيته بالأمس وهم ..


لا !
لا أصدق ..

" لقد رحل إلى شقته منذ الصباح "
كان قول عادل بعث ليراحة .. على الأقل لم أكن أتوهم ..
و لكني فجأة شعرت بغيظ ..
كيفيرحل بدون أن يراني ؟!!
بدون أن يسلم علي .. أنا أمه ..
قلت باستنكار :" بدون أن يسلم علي ؟!! "
تبادل الجميع النظرات ..
و قالت ذكرىتخاطبني :" أنا من قلت له أنك لا تريدين رؤيته ..لأنك .. ."
صرخت بهابغيظ :
" ماذا ؟!! من قال أني لا أريد رؤيته ؟!!
أنت تكذبين لتشوهينصورتي في عين ابني أليس كذلك ..
يا خائنة ..
تريدين خطف أبني مني ..
أنا لم أصدق أنه عاد أخيراً ..
لماذا تفعلون هذا ؟!! "
تراجعت للوراء و صفعت الباب .. و اتجهت نحو الصالة ..
جلستعلى المقاعد .. أشعلت التلفاز ..
كنت غاضبة من الجميع .. الآن سيظن خالدأنني لا أريد رؤيته لأني لا أطيقه ..
رباه ! أنها ذكرى الخائنة ..
رن الهاتف المزعج .. آه .. تظاهرت باني لا أسمع شيئاً ..
و ها هوإياد يخرج من المطبخ و يخاطبني مستغرباً :" غيداء .. لمَ لا تجيبين على الهاتف ؟!! "
تنهدت منزعجة .. فرفع هو السماعة :" آلو ..! "
ثم ابتسمبفرح :" آه .. خالد .. كيف حالك .. هل وصلـ... "
لم يكمل جملته لأني هجمتعلى السماعة هجوماً ..
سحبتها منه .. و قربتها إلى أذني .. فسمعت صوتاًجافاً و رائعاً .. :
" نعم .. أنا أمكث الآن وحدي في الشقة .. "
كان صوته رائعاً جداً على الهاتف .. صوت رجل ..!
وددتمحادثته ..!
و لكني رميت السماعة بين يدي إياد ..
و جلست علىمقاعد الصالة من جديد..
إياد أصبح صديقاً لخالد .. لاسيما و أنه كانيسافر لزيارة خالد في تلك البلاد ..
يقول إياد .. أن شخصية خالد أعجبته كثيراً.. و وجدها خالية من الجرم و الحقد ..
أما سالم .. فتبع وائلالذي سمع كلامي من قبل ...
بعدما أخبرته أن أخيه مات ..
ولكن بعد ذلك توضح كل شيء لوائل .. فكبر .. و لاحظ كلمة(خالد) تتردد على ألسنةالجميع ..
( أيعقل أن الميت يتحدث عنه الجميع باستمرار ؟!! )
أخبرته أنه حي و لكنه مجرم .. لذلك طلبت منه الابتعاد عنه ..
فكرهه .. عندما قلت له ما فعل .. و سالم أيضاً كرهه..
مـازن .. عاد لنا بابتسامة تسامح .. و قد أدرك أن خالد كان مريض .
.مروة .. لايهمها أمر خالد أبداً ..
و سمية .. أنها تعتبر خالد أقرب أخٍ لها ..
أغلق إياد السماعة ..
و ها هي مروة تمسك بذراع إياد بمرح :
" ستوصلنا إلى منزل سارة أليس كذلك ؟!! "
ابتسم إياد و قرص خدأخته مداعباً :
" بالطبــع عزيزتي .. "
===============
( يسعدني أن أعرفكمعلى نفسي لأبرز دوري في هذه القصة )

البارحة لم أفاجئ بعودة خالد .. لأنهبلّغني من قبل أنه يجهز نفسه للعودة للوطن ..


و صباح هذا اليوم استيقظتلأراه يجر حقيبته خارجاً من المنزل ..

ودعني و ودع عادل و ذكرى فقط ! و رحللشقته تلك ..

و ها أنا أزوره في شقته ..

سألته بينما كنا نحتسي الشاي :

" ألا تشعر بالوحدة هنا ؟!! "

نظر لي .. ثم هزّ رأسه ايجابياً :

" بلـى .. "

" ستبقى وحدك في هذه الشقة إلى متى ؟!! "

راقبالدخان المتصاعد من الشاي ثم قال :


" لا أعلم .. "

ابتسمت و ربتُعلى كتفه :

" ألا تشعر بالحنين إلى والدتـك ؟!! "


نظر لي .. فقلت :

" أرجوك لا تحقد عليها .. أنها تحبك صدقني .. "


ارتسمت علىشفتاه ابتسامة ساخرة و همس :

" منذ متى ؟!! "


" منذ أن أنجبتك .. أرجوك تقرب لها .. و هكذا ستعطيها فرصة ........... "


قاطعني :" إياد ! .. أغلق الموضوع "

=

" أسرة زينة .. "
بعد أن استحم .. اقترب منيو نطق بهذه الكلمتين .. و الابتسامة مرسومة على شفته ,,
سألت مستغرباً :
" ماذا ؟!! "
جلس على المقعد المجاور و أخذ ينشف شعره بالفوطة ثمقال باسماً :
" أود زيارتهم "
ابتسمت :
" و هل تريد العودةلتلك البلاد لتزورهم "
" لا .. لقد استقروا هنا في المدينة المجاورة .."
هززت رأسي ايجابياً و قلت :
" إذاً تريد زيارتهم .. "
" نعم .. ستأتي معي ؟! "
" بالطبع "
=

خرجتمعه من الشقة .. و صعدنا السيارة .. أي ( سيارتي ) .. شغلت السيارة و انطلقتمخاطباً خالد :

" ألا تريد أن تتدرب على سياقة السيارة ؟!! "

هز رأسهايجابياً :" بلى ..و لكن ليس في هذا الوقت .."

ابتسمت :" يقول والدك أن هناكفرص عمل كثيرة .. ألن تباشر بالبحث عن وظيفة "

أخذ يراقب الناس من خلالالنافذة و التيارات الهوائية تلفح وجهه .. ثم همس :" بلى .. و لكن ليس الآن "


قلت مستغرباً :" لماذا التأجيل ؟!! أأنت منشغل بشيء آخر "


هزّ رأسه سلبياً :" لا .. و لكني لم أتأقلم بعد على حياتي هذه .."


عدت أنظر للطريق .. ثم طلبت منه أن يدلني على منزل ( أسرة زينة ) كما يقول ..

و ها نحن نوقف السيارة أمام ذلك المنزل ..


لم يكنمنزلاً فاخراً جداً و لا عتيقاً جداً .. أظن أن حالهم المادي متوسط ..
قرعنا الجرس و بقينا لعدة ثوانٍ ننتظر ..
نظرت له ..
على وجهه ترتسم ابتسامة ارتياح .. أيحب هذه الأسرة لهذه الدرجة ؟!! خاطبني :
" منذ أن عدت للوطن لم أراهم .. لقد اشتقت لهم كثيراً "
ابتسمت له :" يبدو أنك تحبهم مثلما لو كانوا أسرتك الأصلية "
هزَّ رأسه ايجابياً :" نعم .. "
ها هو أبا سامر يطل يفتح البابلنا بابتسامة ... يشهق لرؤية خالد .. و يندفع ليطوقه بذراعيه ..
" لقداشتقنا لرؤية بني .. رغم أنك لم تفارقنا سوى يومين .. "
هزَّ رأسه خالدايجابياً بابتسامة صغيرة و قال :" نعم و أنا اشتقت لكم جميعاً .. "
و هكذايرحب بنا أبا سامر في بيته .. و بعدها تمطرنا زوجته بالكلمات المرحبة ..
وأبنهما سامر أيضاً .. و الفتاة التي يتحدث عنها خالد دائماً ( زينة ) .. كانت طيبةجداً .. ترتدي وشاحاً تغطي شعرها عنا .. كانت متحجبة .. كانت علاقتها مع خالدطبيعية جداً .. و لا يتخللها الخجل.. طبعاً لأنهما عاشا سنوات طويلة مع بعضهما البعض ..

استغرقنا وقتاً طويلاً في الحديث .. عن هذا و ذاك .. نظرت لخالد .. يعجبني هذا الشاب ..
يستند إلى الخلف .. و يرفع رجلاً فوق رجل .. و بطريقةرائعة و حركات رهيبة .. يتحدث مع أبا سامر و تشاركهما ( زينة ) الحديث أحياناً ..

و هكذا تنهض المرأة العجوز و تقول :" سوف تتناولان الغداء معنا "
نظرتلساعتي .. رباه تأخرنا .. خالد حرك يده اعتراضاً و قال :" لا ! سوف نخرج الآن .. "
و هكذا يبدأ الجميع بالإلحاح علينا .. و لكنا نجونا بصعوبة .. خرجنا من المنزلبحجة أننا نريد التسوق قليلاً ..
و لكن .. الفتاة ( زينة ) .. قبل خروج خالداستوقفته قائلة :" خالد ! "
التفت لها بابتسامة .. فقالت بترجي و هي تميل برأسها :" أرجوا أن تداوم على زيارتنا .. "
هزّ خالد رأسه مبتسماً .. و هكذا خرجنا منمنزل أبا سامر و صعدنا السيارة ..

أخذت أتجول مع خالد قليلاً ..أطلعه علىهذا المطعم .. و هذا المجمـع .. و عند خروجنا من أحد المجمعات .. صادفنا مجموعة منالشبان الذين حياتهم هي التدخين .. و مطاردة الفتيات و السخرية من الناس ..
تجاهلتهم أنا كعادتي و لكن خالد ركّز عيناه عليهم .. ثم خاطبني باستغراب :" من هؤلاء ؟!! "
طبعاً خالد ليس معتاداً على رؤية هؤلاء الشبان ذوي قصات و صبغاتالشعر المختلفة .. و ملابس الأجانب ..و تصرفاتهم الرذيلة ..
أجبته:" شبانتافهين عابثين .. لا عليك منهم .. "
سحبت يده .. و لكنه لازال يرمي الشبانبنظراته تلك ..
و في مكان آخر صادفنا مجموعة فتيات يتلقطن الأرقام من الأرض التييرميها الشبان أمامهن ..و طبعاً لباسهن لم يعجب خالد .. و سألني عنهن .. فأجبته .. فظل لا يبعد نظرات الاحتقار عنهن ..
خالد باختصار ! ليس معتاداً على كل هذا ..وخصوصاً أنه ملتزم جداً ..
صعدنا السيارة التي اشتراها لي عادل منذ حوالي ستةأشهر ..ليست رائعة جداً .. ولكنها جيدة .. على عكس سيارة وائل .. شغلتها و قدتهاببطء للازدحام ..
أخذ خالد يعبث بهذا الشريط .. و هذا الشريط .. ثم التقط نظارتيالشمسية .. و ارتداها .. و التفت لي ..
انفلتت ضحكة مني .. و قلت :" تبدو كشرطيأجنبي "
خلع هو النظارة و نظر إليها و ابتسم :" حقاً ؟!! "
أدار رأسه ناحيةالنافذة .. و بقي يتأمل حشد الناس ذاك .. فأشرت أنا إلى مجموعة الفتيات .. نهلة وليلى و منى.. و أروى طبعاً آتون لشراء ملابس أنيقة لحفل عيد ميلاد سارة.. أو شراءهدايا ..
خاطبته مشيرا لهنً :" أنظر لمجموعة الفتيات تلك "
" نعم .. ما بهم؟!! "
" هؤلاء بنات خالاتك ..نهلة و ليلى و منى و أروى "
قطب حاجباه متعجباً .. و ركز أكثر فيهن .. و نظر لي .. ثم عاد ينظر لهن .. و قال :" و أين حجابهن ؟!! "
قلت ببساطـة :" لا يرتدن الحجاب "
يتحدث و كأنه ولي أمرهن .. و له أحقيةالتحكم فيهن .. :
" كيف ؟!! ألن يبلغن سن البلوغ ؟!! "
قلت بضحكة :" هكذا هوالجيل الجديد .. و من لا يكون هكذا يكون متخلفاً "
قطب حاجباه استنكاراً .. فقلتأنا بابتسامة :" أتريد أن نذهب لنسلم عليهن ؟!! "
" لا.. لا أريد مقابلتهن .. "
عارض بشدة .. و كأنه سيقابل جورج بوش ..
و هنا تلتفت لي نهلة .. و تنبهالفتيات الباقيات لي .. فيلحون لي .. و كأنهم سيقتربون مني لإيصالهن لمنازلهن ..
فأسرع أنا بالسيارة خشية من هذا المعقد الذي يجلس بجانبي .. لو صعدت الفتيات السيارة .. لترك هو مصاحبتي
أظن أنهن سيغضبن مني كثيراً .. و خصوصاً .. أني دائماً أوصلهن بسيارتي ..!
__________________

الجزء الثاني والعشرين
سارة


بينما كنت أنا أقلب فيهذه الدمية و تلك الدمية .. لأن أختي سارة لا تحب إلا الدمى و لا شيء سوى ذلك .. معأنها بلغت الواحدة و العشرين .. و مرحلة الطفولة و المراهقة تعدتها ..و لكنها لاتزال طفلة .. و بريئة أيضاً ..
و الأخريات يبحثن على ملابس للحفل .. تقترب منيأختي أروى و هي تقرب فستاناً كلاسيكي و قصير إليها ..و تسألني :" ما رأيك ؟!! منى ! "
" لا .. أنه لا يناسبك .."
و تعود هي للبحث عن شيء آخر ..أما ليلى فهي تتبعأروى في كل شيء ..الاثنتان يبلغان العشرين و تصرفاتهما أركز بكثير من تصرفات أختيالمدللة سارة ..أما المسكينة نهلة .. تواجه صعوبات كثيرة في اختيار ملابس أنيقة لها .. لأنها سمينة و ليس كل شيء يعجبها يطابق مقاسها ..
أنا .. بكل رقة أتخير ليشيئاً جميلاً و مميزاً ..لأرتديه في هذه الليلة ..و طبعاً معضم الشبان يقعون فيالإعجاب بي .. ربما لأني أحسن وضع المساحيق .. و حتى أحسن تسريح شعري بطريقة جذابة .. و أيضاً .. أظهر بملابس أنيقة جداً .. تجذب الجميع لي ..
بعد ذلك خرجنا منالمجمع بعد أن اشترينا الكثير من الهدايا و الملابس .. و الآن سنتصل للسائقلإيصالنا لمنازلنا ..حملت هاتفي الخلوي فإذا بنهلة توقفني مشيرة إلى سيارة رماديةاللون :" أنظري .. إياد "
آه .. إياد .. أنه يقرب لنا من بعيد .. فهو عم لوائلابن خالتي غيداء ..يبلغ من العمر ثلاثة و عشرون سنة ..
هادئ .. مسالم .. مرح .. اجتماعي .. مثقف .. و أصلع .. ( أنه يتميز بصفته هذه )
قلت أنا :" إذاً لا داعيلنتصل للسائق .. فلدينا سائق .."
رفعنا أيدينا نلوح له ,, هناك شاب يجلس فيالكرسي الآخر أظنه أحد أصدقاء إياد .. و لكن لا بأس .. يمكننا أن نجلس في المقاعدالخلفية ..و خصوصاً .. أن السيارة واسعة ..
و لكن الذي صدمنا أن إياد رآنا .. ولكنه أسرع بالسيارة .. آه .. أتهرب منا يا إياد ؟!! سأريك ..
اشتعلنا غضباً .. وها هي نهلة تهدد و توعد ..و أروى غارقة في الضحك .. تشمت منا و هي منا ..
و ليلىبكل هدوء تقول :" يمكن أنه لم يرانا .."
صرخت بها نهلة :" بل رآنا و فرَّ هارباً .. "
================================================== ====

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2007, 10:40 PM   رقم المشاركة : 20
سوسو الدلوعه
طرفاوي نشيط جداً
 
الصورة الرمزية سوسو الدلوعه
 







افتراضي رد: جنون خالد

يعطيك الف عافيه اخوي محب ال البيت
بصراحه أنا توني أقراء القصه
اذا في تكمله اتمنى انك تكملها


اختك في الله

 

 

 توقيع سوسو الدلوعه :
رد: جنون خالد
سوسو الدلوعه غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 08:58 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد