منذ فترة طويلة قرأت مقالة لـ : عبد اللطيف الزبيدي ، ومازلت أحتفظ بنسخة منها ، أظنها تصلح أن تكون تعقيباً على هذه الأخبار الطريفة ، وهي بعنوان :
مدينة النحو
يسرني دائماً أن أزور مدينة النحو ، مدينة عريقة ، بنيانها شامخ وأرجاؤها فسيحة ، والعلاقات بين أهلها واضحة في أغلب الأحيان ، ومع ذلك ترى الكثير من الناس لا يعرف حتى أين توجد .
مدينة النحو لا تشبه بانكوك أو هامبورج ، رغم كثرة ( الشواذ ) فيها ، لكن ( القاعدة ) راسخة .
سكانها يعرفونني وأعرفهم . منهم من لا أعرفه إلا بالوجه . فريق معارف وفريق نكرات . ككل مدينة .
أمر بالفعل ، الصحيح لا المعتل ، أحييه لشدة الشوق إليه . أعاتبه : لماذا غبت عنا كل هذه السنين ... وتركت الساحة للأفعال المعتلة ؟.
قلوبنا ليست من حجر حتى نطيق هجرك . فعندما تتوارى ، أيها الفعل الصحيح ، تظلم الدنيا في عيوننا ، وتجثم على صدورنا كآبة خرساء ، نحن جملة بدون فعل . فكم تستطيع أن تدوم جملة بغير فعل ؟. إلا كدوام وضع قائم على حراب البنادق !.
أما الصرح العتيد فيشاد من قواعد راسخة من خرسانة العدل وأسمنت الإخاء المسلح وأعمدة الحرية الشامخة والصرح التاريخي لا يكون أبداً مبنياً للمجهول .
ينظر إليّ الفعل نظرة خاطفة ، ثاقبة ، كنظرة الشاهين معناها : ( أتريد فعلاً بغير فاعل ؟. ) .
أمرُّ بأحياء المدينة أبحث عن الفاعل ، فإذا هو بعيد عن الجملة .. بعيد . يا إلهي !. هو ذا الفاعل تحاصره جحافل لغوية هائلة من حروف الجر وأدوات النصب .
لماذا ابتعد الفاعل عن الجملة ؟. وإلى أين كل هذا الجر ؟.
ولماذا كلُّ هذا النصب ؟. أوضاع الإعراب مريبة ؟. حرف جر صغير يجر مدينة وتاريخاً وشعبا ؟!.
مدينة النحو تغيرت . وشابت وما شاب الزمان الغرانق . فمن المؤسف أن تشوه علاقات الإعراب إلى هذا الحد !. عجباً !. حروف الجر الضاربة بالجزم تصبح نائبة الفاعل ؟!.
أقول كلمتي وأسير ، مكتوب اليدين إلى الوراء كالأسير . فأنا متفرج جيد ، والمدينة متحف أين منه عجائب الدنيا ؟!.
لا احتاج إلى نظاراتي لا تعرف على المفعول به ، فمن بعيد لاحت لي الفتحة الظاهرة في آخره . كائن عجيب . راض بما يفعلون به .
. لا يشكو ولا يبكي . لكنه شخصية لا تخلو من الطرافة . بل إنك إذا حاورته وجدته على جانب من الحكمة .
حذارِ أن تقول له : كيف صرت المفعول بك ؟. فإن يمطرك بخطبة رنانة في ضرورة الرضا بالجبرية . وإن ذلك هو ما قسّم له . وإن اعتقاد الفرد بمسؤوليته عن وجوده ومصيره خيانة عظمى للمبادئ السامية . وتمرد على الدساتير والاقانيم والقوانين والأعراف !.
أما إذا جئته في لحظاته الرومانسية ووجدته في مجلس أنس مع بعض الحالات الشاذة أجابك في غنج ودلال :
ـ أنا المفعول بيه .. أنا المفعول باشا بيه !.
فليس لك إلا الانصراف .. فمن الصعب أن تقلب العلاقات النحوية رأساً على عقب . وأنّي لك ذلك وأنت لست مذيعاً ؟.
ليس مستحسنا التوقف كثيراً عند المفعول باشا بك ، فقد بلغني أن محيط المفعولات غير سليم .
<span style='color:indigo'>
هو ذا المفعول فيه تسأله :
ـ ما الذي فعلوه فيك ؟. لماذا أنت هكذا ذليل كأنك عَيْرُ الحي الذي قيل فيه :
[poet font="Simplified Arabic,4,darkred,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
ولا يُقيم على ضيم يراد به = إلا الأذلاّن عَيْرُ الحيِّ والوتدُ
هذا على الذل مربوط برمته = وذا على الخسف لا يرثي له أحدُ
[/poet]
ـ يجيبك بكامل الاستكانة :
ـ الحمد لله على أنني لست المفعول المطلق ! فذاك قصة عجيبة .
المفعولية دينه وديدنه . هو يعتبرها رسالة يضطلع بها . لأنه أصلاً يؤكد الفعل بكل فخر واعتزاز .
قلت : حنانيك .. حنانيك أيها المفعول فيه ، أوضح .
قال :
ـ المفعول المطلق كائن ماهر في المزايدة . تصور أمة تصاب بنكبة ، نكسة ، هزيمة ، فإن المفعول المطلق يكرس ذلك الفعل العدواني على أمته !!.
لكنك إذا سألته عن فلسفته في هذا السلوك أجابك :
ـ ظروف الزمان والمكان هي المسؤولة ! وجان جاك روسو يقول : الإنسان طيب بطبعه والمجتمع يفسده . كذلك المفعول طيب بطبع والجملة تفسده . بدليل أنه بمجرد انفصاله عن الجملة تزول عنه المفعولية . فيمكن أن تراه مع جمع المذكر السالم أو جمع المؤنث السالم . ويمكن أن يتحول إلى علم شهير يشار إليه بأسماء الإشارة .
لك أن تردّ عليه في هذه الحالة بقولك : عندما ينفصل عن الجملة ينطبق عليه بيت أبي الطيب :
[poet font="Simplified Arabic,4,darkred,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍ = طلب الحربَ وحدَه والنزالا
[/poet]
ما بين كل المفعولات هناك واحد فقط نجا من وصمة عار المفاعيل . لكنه وصولي حقير . ذلك هو المفعول لأجله . قلت له :
ـ لماذا فعلوا كل هذا لأجلك ؟. وكيف تميزت عن سائر المفعول بهم وفيهم والمطلقين ؟. قال :
ـ أنا أعرف من أين تؤكل الكتف . هات أذنك :
إذا أردت الفرد الوصول وأن يصبح الاسم الموصول فلابد من همزة وصل .
فقد كنت واحداً من المفعولات لكنني أقمت علاقات وثيقة مع العزيزة كان وأخواتها والحبيبة إن وأخواتها . وهن أوصلنني إلى الفاعل . فصار يشملني " بالعطف " وجعل لي في " المعية " مجموعة تخدمني من حروف الجر وأدوات النصب . وطالبت فيما بعد بأن يكون لي " جمع تكسير " وهكذا تحسن " الحال " وصرت " المستثنى " و " البدل " بل ونائب الفاعل .
قلت له : ويحك هذا هو " التمييز " بالنسبة والعدد في الوقت نفسه !. أنت حقاً من أهل " الاختصاص " ولا أجد لك أيَّ " نعت " .
تركت المدينة . فابن الرومي يقول : ( من أوحشته البلاد لم يُقم ) .
قال أبو الزبائد في ( كتاب الفرائد ) :
" مدينة النحو تقع في قارتين . فاعلها ممتنع عن الفعل . ومفعولها لا يدري من أوقع عليه الفعل . وقد أتخذ أهلوها شعاراً ، كان حقاً وأرادوا به باطلاً ، من قول أبي العلا :
" ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل "
فقد جعلوا ما نافية . لكنها عندهم غير نافية للجنس !! " .
</span>
.
.