ولكنك متهم بالحضور الشعري المناسباتي؟ شعر المناسبات يكتشف أدوات الشاعر قدراته أم انه يبدد طاقاته تلك؟
- أنا لستُ متّهما بالحضور الكثيف في المناسبات.. وإنما مُدانٌ بذلك.. أيْ أن التهمة قد لبستني ولا أستطيع أن أدرأها عني. يزعم البعض أنَّ علاقةَ الشعر بالمناسبات علاقةٌ عقيمةٌ وأنَّ الكتابةَ عنها أشبهُ باستولاد العقم، وفي هذا الزعمُ قسوةٌ كبيرةٌ في حالة تعميمِهِ خصوصا وأنَّ المناسبةَ شُرْفَةٌ يقوم من خلالها المبدعُ بِجلوة ذاته في كامل زينتها الفنيّة والتعبير عن مواقفه الوجدانيَّة من الحياة بوصفه إنساناً يحاول أن يصقل آدميَّتَهُ في أتُّون الكلمة الحرَّة حيث أنَّ الشعرَ الذي هو عِلَّةُ وجودٍ وجوهرُ ديمومةٍ لا يؤمن برماديَّة الموقف من الحياة وإنَّما دائما ما ينحاز انحيازَهُ المطلق للجمال الإنسانيّ.
• هل هناك تعريف أو مقاييس للقصيدة في نظرك؟
- من الصعب أن نضع مقاييس للقصيدة فالشعر حالة مطلقة لا يمكن أن نضع لها حدودا حيث أنّ المشاعر لا يمكن تجزئتها فإما أن تُعطى كاملة أو تُحجب كاملة.. لا يمكن لأحد أن يمنح أحدا كيلوغراما من شعوره ويدّخر الكيلوغرامات الأخرى. لكن رغم ذلك لو أحببنا أن نضع مقاييس لغوية وبديعية للقصيدة فنستطيع أن نقول أن مقدار الكثافة المجازية في التعبير عن معاناة الإنسان هو ما يميّز قصيدة عن أخرى.. هذا إضافة إلى القدرة على تطريز النص بقمصان التشابيه وأردية الكنايات. أخيرا، القصيدة يجب أن تتحرّر من البلاغة المفرطة والبيانات السياسية أو الاجتماعية وتهبط إلى الواقع حتى نسمع صليل خطاها على أرضيّته.
• ذكرنا في بداية اللقاء أنّ لك سبعة دواوين شعرية، وقد تحدّثت عن آخر ديوان «أعشاش الملائكة».. فهل تحدّثنا عن الدواوين الستّة التي سبقته؟
الشاعر جاسم الصحيح- الدواوين الستّة الأولى هي كالتالي:
1- ظلّي خليفتي عليكم
2- عناق الشموع والدموع
3- حمائم تكنس العتمة
4- أولمبياد الجسد
5- رقصة عرفانية
6- نحيب الأبجديَّة
دواويني جميعها ملطَّخة بحمأ تجاربي الحياتيَّة رغم نظافتها اللغوية التي دائما ما أحاولها من خلال كنس كتاباتي من الشوائب الطافية على سطح المعنى. لكلِّ ديوان حكايته وتاريخه وربما عمره الافتراضي أيضا في عالم الكتابة.. وإن كنت أرى أنني لو اكتفيت بديوان أو ديوانين حتى الآن لكان أفضل لأنَّني اكتشفت متأخِّرا كالعادة أنّ الإنتاج الشعري معتمد إلى حدٍّ كبير على الوعي الشعري وهذا الوعي لا يأتي إلا بعد حفر عميق في المنتجات القديمة والمشاركة الحيَّة في منجزات الحياة وليس الاكتفاء فقط بالتفرُّج.. فالقصيدة التي يجب أن تُسمَّى حقًّا قصيدة هي تلك التي تختصر المسافة بينها وبين كاتبها وتكون ترجمة فنِّيَّة لحياته كذلك فإنّ القصيدة ليست صورة فوتوغرافية من الواقع وإنما صورة جماليَّة منه تعيش في عالمها الخاصّ بها.
منذ العنوان لديواني الأول «ظلّي خليفتي عليكم» حاولتُ أن أكون توفيقيا في الكتابة فحاولتُ أن أرسِّخ أقدام قصيدتي في أرض صلبة من التراث وأن أُبرز ملامحها في صُور شعرية جديدة قدر الإمكان. ولم أصدر ديواني الأول حتى نقشتُهُ أوَّلاً في قلوب الناس عبر النشر في الجرائد والمجلات داخل وخارج الوطن وطالبني الكثير بالطباعة فأقدمتُ عليها، وعندما لاقى هذا الديوان صدى رائعا في الأوساط الثقافية شجَّعني كثيرا على الاستمرار في الطباعة إلا أنني شعرتُ – كما قلتُ لك سلفا – أنني بالغت في الطباعة أكثر مما ينبغي وربما لو كنت اكتفيت بالأجمل من القصائد لكان أفضل.
دواويني - كما سبق أن ذكرتُ – تختلف في مواضيعها من واحد إلى آخر باختلاف مزاجي ونموّ أفكاري وتطوّر نظرتي للحياة من وقت إلى آخر.. إلا أنّ وشيجة القربى التي تربط ما بين الدواوين كلها هي الواقعية فأنا لا أنتمي للإنشاء كثيرا بقدر ما أنتمي للحقيقة. هناك تعالقٌ بالمرأة بوصفها صدفةَ هذا الكوكب ومليكة التاريخ الإنساني، كما أنّ هناك تعالقاً بالسماء بوصفها مصدرا للطهرانية أحيانا ومنبعا للحيرة والقلق في أحيان أخرى. وتستمرّ التعالقات بالحياة على رحابتها من أصغر الكائنات إلى أكبرها بوصفها عرضةً للقلق الوجودي.. وما القصيدة بالنسبة لي سوى هذا القلق الممزوج بالدراية والمعرفة في قالب لغوي شفاف ونظيف.