وأنا أتصفح في القوقل وجدت هذا المقال ..
محمود البريكان … الشاهد الأبدي
للكاتب /
أحمد ثامر جهاد
الأيام الصموت ، وقبلها الشهور والسنوات التي مضت بزحف بطئ ، رسمت كلها – مرة تلو أخرى - لوحة للوجع العراقي ، سيل من الأحزان في موت كثير ، حتى صاح البعض شاهقا ( عراقية هي الأحزان إذا اجتمعت ) لقد كانت ذاكرتنا على صواب وهي تشهد في تلك الأحزان بوحا هامسا للصديق والقريب قبل أن يرى الجمع ويلمس بنفسه هشاشة التماثيل الإمبراطورية في كرنفال الانفجار الدامي لمخزون الكبت العظيم .ومن وجه إلى آخر طالعتنا الدهشة والذهول أمام انزياح الكابوس الصدامي الذي استنطقت درامية سقوطه الهزيل فرحة كيانية وهياجا شعبيا صائتا شغل الساحات الفسيحة لبعض الوقت مُزيلا بقايا مُذلة من رنين التظاهرات القسرية السابقة بعد تحطم إطارها الصوري الزائف . لكن الفرحة تلك بدت وكأنها ابتسامة سريعة باهتة بمواجهة هول انكشاف أسرار الموت الجهنمي للأحبة الغائبين في مقابر موحشة ، ولآخرين مازالوا في غياهب المجهول ، فما كان لها إلا أن تستعين بأمل شفيف يعدُ بمستقبل ممكن .
لكن ماذا عن ذاك الرحيل المبكر والمحسود في لحظة ما ، أو هذا المتزامن مع بزوغ ضوء نهار جديد ، ألم يسهم هو الآخر في إشاعة مرارة ما لعدم اكتمال الشمل الفتات ؟
هذه غصة في القلب ورثاء للنفس وعليها من كل ما جرى بنا عبثا . فلابد لهذا القول أن يكون …إذا ما حاولنا مكرهين استعادة المشهد بحزم يليق بمن يأمل في تخطي المحن ، ما أكثرها .
· في غفلة يرحلون :
على خلفية العقود الدامية ، فقدانات شتى تواصلت فطالت أعلام الثقافة العراقية وأخذت شعراءنا منا( محمود البريكان ، رعد عبد القادر ، جان دمو ) تاركة لنا من دون ابتهاج عظيم عزاءً أوحدا في ذكراهم الجميلة وإبداعهم النازف شعرا . صحيح ان المبدعين لا يرحلون ابعد من واقع غيابهم الفيزيقي طالما ان ارثهم الإبداعي باق يحارب الاندثار والنسيان ما أمكنه ذلك ، لكننا نفتقدهم بحال من الأحوال رغم ملفوظات المنطق والقدر وسنة الحياة … فهل سيكون لحديثنا هنا دلالة ابعد من الحضور الطاغي لظاهرة الغياب الشعري ؟
لنتذكر معا ، من دون مزيد من الرثاء والأسى ، ان بعضهم كان لا يرهبه الموت بقدر ما يرهبه انحباس الكلمة التي تسحق روحه مرارا إن لم تفجرها مخيلته قولا مبدعا ينحت الحواس ويذكيها ، وليس أدل على ذلك من شاعرنا ( البريكان ) الذي كرس للشعر حياة بأكملها ، رؤية ووجودا .
ان الرحيل المفاجئ للشاعر محمود البريكان وضع الوسط الثقافي العراقي في حيرة حقيقية ، تمتد من المسؤولية المعلقة أساسا في موقعة نتاجه الشعري نقديا ضمن حركة الشعر العراقي الحديث إلى انتفاء القدر المعرفي اللازم عن مسيرة البريكان الشعرية والحياتية وكذا السياقات والأحداث التي أثرت به ، بصورة اشمل من واقع الشتات الأدبي المنشور عنه . لذلك بدا الحال إلى - حد ما - متناغما ما بين المفارقة والتناقض ، حيث لم تشعر الثقافة يوما بالتقصير والحفاوة في آن ، مثلما شعرت وهي تودع آخر معاقل التحديث في الشعر العراقي – إن لم يكن أهمها – من دون أن تكون قد استقبلته فيما مضى بشكل فاحص أو لائق أو متحضر . حتى ان شعورا بالإرباك والذنب تلّبسَ الحياة الأدبية العراقية ، لا سيما انها تعاملت مع ظاهرة الشاعر طوال فترة حياته كقيمة شعرية يستدل بصمتها المعنوي فحسب . وباتساع زمن ذاك الصمت المشفوع ظاهريا بحضور محدود لكن مؤثر ، دخل البريكان ، عن بعد ، إلى مملكة التأثيرات الموجهة للإبداع الشعري خاصة ، ليس لأنه لغز محير يستعصي خطابه على التفسيرات المجربة أو التقليدية ولا حتى بصفته موهبة فذة منغلقة على نفسها تبز السائد في العمق ، إنما لإمكانية ارتباطه الوثيق بسايكولوجيا الثقافة وافقها الرمزي . واتفق هنا مع الناقد (حيدر سعيد ) الذي يذهب إلى القول " كان عدم وجود حكم نقدي واضح في شعر البريكان عاملا مهما في وضع هذا الشعر في ( وضع سائب ) ضمن المشهد التاريخي العام للشعر العراقي الحديث ، وبالتالي ، لا أحد منا يملك تصورا واضحا عن موقع البريكان من تطور الشعر العراقي … بقي شعر البريكان غير خاضع لنمذجة فنية واضحة …" وقد أسهمت الدراما المأساوية التي ختمت حياة البريكان قتلا شنيعا في صياغة هوية غيابه الفعلي ، لتضع سؤالا وجوديا على سؤال : أهكذا يرحل الشعراء عن عالمهم ؟ متى يكون بوسع الكلمات والجمال مقارعة العبث والموت ؟
بوسعنا ان نتصور انه اكثر من سواه استطاع إبراز وتخصيص وتجلية المعنى المبثوث في موته / مقتله وقذفه في وجه الأحياء منظورا بشكل يمزج حيوات الشاعر كلها ( الحياة ، الممات ، الإلهام ، الخلود ) . فالشاعر يرثي ذاته بكلماته عينها التي بوسعها الشهادة على الممات مثلما على الحياة .وكأن مصرع البريكان الشاعر صورة دالة على عصر بأكمله ، أدركه فصمت ببلاغة صوفية . ربما كان رحيله نحتا ذاتيا بارعا لجملة شعرية أخيرة أراد كتابتها فكتبته هي مثل نقش دموي موجع على ذاكرة التاريخ والثقافة .
هناك دلائل كثيرة تجعل البريكان اكثر تطلبا اليوم وغدا ، وهانحن نرى بأعيننا أن إبداعه الشعري يمر من بيننا متماسكا بمحض قدرته الذاتية – بصفة خاصة - ليصبح أسطورة شعرية تتحدى الاندثار أو الإهمال ، بالرغم من أننا نسهم بشكل محدود في رسم مصائر حياتنا .والبريكان هذا الشاعر الكياني جعل من ظهوره القليل في الأوساط الثقافية حادثة مضيئة نادرة تقرأ التداعيات القائمة حوله . فقد أسفرت عزلته عن رغبة كاسحة في هجس لذة الابتعاد عن الأضواء والترفع عن الحياة المجانية مع ان الدخول إلى دير الرهبنة الشعرية لم يكن خيارا سهلا أمامه ولا مغريا للمكوث طويلا فيه ، لكنه خيار واع بكل الأحوال يسكن الأعماق ويتغذى من المرارة المؤسية التي تتلبس الحياة كلها ، تلك التي ما ان نتأملها حتى نشعر ان لحظة يأس واحدة يمكنها التناسل ، كافية لطلاق العالم .
شاعرنا الراحل قال على غرار المعري : ( عبث كلها الحياة ، فما اعجب إلا من راغب في ازدياد ) . وأوضح لمجايليه انه سيخاصم العالم من حوله مؤثرا عليه المصالحة مع الذات فقط .ليس غريبا ذلك على شخص البريكان وهو الذي يرى ( ان كل آداب العالم وفنونه ما عاد بوسعها ان تمنع جريمة صغيرة واحدة من ان ترتكب ولا تخفف من مظاهر العبث الشامل …) من هنا اختار البريكان غرفته الصغيرة لتكون نافذته على العالم ، ولتتفتح بين يديه أسرار العزلة وجمالها الأخاذ ، وبحماس جنوني يدفعه إلى خلق عالمه الشعري الخاص واكتشاف فرادة صوته الكتابي ، فارتبط مع شعره بعرى وثيقة هيأت له وعيا حادا بقضايا عصره الأزلية : الوجود والحقيقة ، الموت والمعنى .
هكذا نرى ان قصائد البريكان مثلت النسيج الوجودي لحياته وأحلامه ورؤاه منذ وقت مبكر . حيث عدت قصيدته الأولى المنشورة في مجلة الأديب اللبنانية عام 1948 علامة فارقة بالنسبة لشاعر كان يتلمس للتو خطواته في طريق طويل . في حين دشنت محاولاته الشعرية اللاحقة اتجاها تحديثيا ساد المشهد الشعري العراقي وتزامن مع ظهور شعرية الرواد ، السياب ونازك الملائكة ، وقد يرى البعض انها تخطتهم حينا لتؤشر موهبة فريدة ارتسمت ملامحها المبدعة عبر كلمات متقدة وروح مفكرة كشفت النقاب عن أوهام كبرى تبدد حياتنا في دروب عادية مبتذلة وغايات عابرة .
أبوسعنا القول ان إبداع البريكان ألغى الفواصل الممكنة بين حياته وشعره مثلما صهر حادث رحيله ، وبتوازن عجيب ، ارث كلماته في صورة ناطقة ؟ هل نشك يوما ان الشعر استحق فعلا من البريكان ان تكرس له حياة كاملة ؟
ينتظر الشاعر منا جميعا جهدا ثقافيا منظما يضعه بجوار أبدية مصرع لوركا وسواه من الأفذاذ الذين لخصت كلماتهم جلّ حياتهم وأحلامهم ، مطلقة كل حين هواجس أرواحهم ، غير آبهة بتقلبات الزمن وهوى الملكوت الزائف ( فلا مجد عند الموت … هكذا تحترق الدهور في ثانية … تنصهر ولا يصدر عنها صوت … ) مثلما المح البريكان يوما .
لقد رحل الشاهد الأبدي وتركنا لعالم عابث ، رحل الإنسان لا الشاعر ، وكأن ناقوسا مجلجلا يدق هناك من سطره الشعري الأول في قصيدة ( بلورات ) يسمع عاليا وهو يردد بنبر حزين :
( كساعة خفية يدق قلب الصمت ) .