رحيل محمود البريكان
مثلما قتلت المتنبي شجاعته، فقد قتلت الشاعر محمود البريكان عزلته، ولطالما اراد ان يستكين الى نفسه، ويرسم عالمه الخاص داخل اقحوانة صمت، بالرغم من كل ما يمتلك من هيجان شعري، وفيض ابداعي، يتابع قطراته النادرة جميع الذين يهتمون بالابداع الشعري الحقيقي، والبريكان من مواليد البصرة جنوبي العراق عام 1931، بدأ كتابة القصيدة مع جيل السياب ومنذ ذلك الحين، اي منتصف القرن الماضي، وحتى رحيله قبل ايام، يتطلع شعراء ونقاد ومتذوقو الشعر في الوطن العربي لقراءة قصيدة للبريكان، ومع كثرة الطلبات ومناشدة اصدقائه وزملائه لنشر اشعاره، الا انه كان يفضل الصمت، او يعتذر بالصمت ايضاً عن الدعوات التي توجه اليه لنشر مجموعته الشعرية الكاملة، وحتى في المقابلات الصحفية، فانه يلوذ بنخيل البصرة، او ينسحب حيث يتلاطم موج الشعر، وغالباً ما يعتذر عن الحديث الى الصحافة.
وظل ابداعه لغزاً، وصمته شعراً ابداعياً كبيراً، وصادف ان اعلمني بخبر رحيله الشاعر المبدع سامي مهدي، وكان حزيناً، يحيط به صمت الشاعر الراحل وابداعه الثر.
وحاولت دور نشر عربية عديدة الحصول على قصائد البريكان، لكنه كان يرفض بالصمت، ولا يرد على تلك الطلبات، واخبرني الشاعر سامي مهدي انه سعى مرتين لطبع اشعاره، مرة قبل عشرين عاماً، عندما كان مسؤولاً عن الشؤون الثقافية، وكتب رسالة الى البريكان، ولم يرد عليها، وثانية قبل ستة اشهر اي قبل مهرجان المربد الماضي بمدة، وربما سيكون جوابه مكتوباً بخط يده، ضمن ارثه الشعري الكبير، الموجود في داره التي غالباً ما يكون فيها لوحده، يزوره بعض ادباء البصرة، يحاورونه ويتحاور معهم، ويعرفون ان الصمت قمة إبداعه، وان إبداعه يجوب العالم.
ولا بد من القول، انه لم يسافر أديب عراقي خلال العقد الماضي لحضور ملتقى ادبي او تجمع ثقافي، الا وبادر الأدباء في عموم الوطن العربي بالسؤال عن البريكان، وعن جديده، وتتمحور جميع الأسئلة، عن استمرار صمته، وعزلته العجيبة، هذه العزلة التي رافقته منذ الخمسينيات وحتى رحيله. فقد رحل عن هذه الدنيا، وهو داخل بيته لوحده في أحد أحياء مدينة البصرة جنوبي العراق، تاركاً وراءه إبداعه الذي انتظره الكثيرون، ورحل العديد من أصدقاء البريكان ولم يطلعوا على قصائده اللائذة بالعزلة.
وليد الزبيدي
.
.