الخلافات بين الزوجين تخلق في الاُسرة أجواء متوترة ومتشنجة تهدد استقرارها وتماسكها ، وقد تؤدي إلى انفصام العلاقة الزوجية وتهديم أركان الاُسرة ، وهي عامل قلق لجميع أفراد الاُسرة بما فيهم الأطفال ، ولها تأثيراتها السلبية على المجتمع أيضاً ، لأنّ الخلافات الدائمة تزرع القلق في النفوس ، والاضطراب في التفكير والسلوك ، فتكثر التعقيدات والاضطرابات النفسية في أوساط المنحدرين من أُسر مفككة بسبب كثرة الخلافات والتشنجات ، فتنعدم فيهم الثقة بالنفس وبالمجتمع ، لذا حثّ الإسلام على إنهاء الخلافات الزوجية وإعادة التماسك الاُسري ، قال تعالى : ( وإن امرأةٌ خافت مِن بَعلِها نُشُوزاً أو إعراضاً فلا جُناحَ عليهِما أن يُصلِحا بَينَهُما صُلحاً والصُّلحُ خيرٌ... ) .
وأمر القرآن الكريم الزوج بالمعاشرة بالمعروف فقال : (... وَعَاشِرُوهن َّبالمعرُوفِ فإن كَرِهتُموهنَّ فعسى أن تَكرَهُوا شيئاً وَيَجعَل اللهُ فيه خَيراً كثيراً)وحذّر الإسلام من الطلاق وإنهاء العلاقة الزوجية ، قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : « ما من شيء ممّا أحلّه الله عزَّ وجلَّ أبغض إليه من الطلاق ، وإنّ الله يبغض المطلاق الذوّاق » (2).
وقال عليه السلام : « إنّ الله عزَّ وجلَّ يحبُّ البيت الذي فيه العرس ، ويبغض البيت الذي فيه الطلاق، وما من شيءٍ أبغض إلى الله عزَّ وجلَّ من الطلاق» .
وإذا لم تنفع جميع محاولات الاصلاح وإعادة العلاقات إلى مجاريها ، وإذا لم تتوقف المشاكل والتوترات إلاّ بالطلاق ، فقد يكون الطلاق سعادة لكلا الزوجين ، ومع ذلك فقد منح الإسلام الفرصة للعودة إلى التماسك الاُسري ، فأعطى للزوج حق العودة أثناء العدة دون عقد جديد ، وبعد العدة بعقد جديد ، وجعل له حق العودة بعد الطلاق الأول والثاني ، وفيما يلي نستعرض المواقف والمظاهر المتعلقة بالخلافات الزوجية .
الشقاق والنشوز :
إذا حدث الشقاق ، وضع الإسلام أُسساً وقواعد موضوعية لانهائه في مهده ، أو التخفيف من وطأته على كلا الزوجين ، فإذا كانت الزوجة هي المسببة للشقاق والنشوز بعدم طاعتها للزوج وعدم احترامه ، فللزوج حق استخدام بعض الأساليب كالوعظ أولاً ، والهجران ثانياً ، والضرب الرقيق أخيراً (1) .
قال تعالى : ( ... واللاتي تَخافُونَ نُشُوزهُنَّ فَعِظُوهنَّ واهجرُوهُنَّ في المضَاجعِ واضرِبُوهُنَّ فإن أطعنَكُم فلا تَبغُوا عَليهِنَّ سبيلاً إنّ اللهَ كانَ عَليّاً كبيراً) .
ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة السعي في المصالحة ببعث حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة ، كما جاء في قوله تعالى : ( وإن خِفتُم شِقَاقَ بَينهما فابعثُوا حَكماً من أهلهِ وحَكماً من أهلِها إن يُريدا إصلاحاً يوفِّقِ اللهُ بينهما إنَّ الله كان عَلِيماً خَبِيراً ) .
وينبغي على الحكمين مراجعة الزوج والزوجة قبل بدء التشاور ، فان جعلا إليهما الاصلاح والطلاق ، انفذوا ما رأياه صلاحاً من غير مراجعة ، وإن رأيا التفريق بينهما بطلاق أو خلع ، لا يحق لهما امضاء ذلك إلاّ بعد مراجعة الزوجين .
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : « ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستأمرا الرجل والمرأة ، ويشترطا عليهما إن شئنا جمعنا ، وإن شئنا فرّقنا ، فان جمعا فجائز ، وإن فرّقا فجائز »
ويجوز للحاكم الشرعي أن يبعث الحكمين من غير أهلهما .
ومهما اتفق الحكمان فلا يجوز الفصل بين الزوجين في حال غياب أحدهما .
وإن كان أحد الزوجين مغلوباً على عقله بطل حكم الشقاق .
وفي جميع مراحل عمل الحكمين يستحبُّ لهما الاصلاح إن أمكن ذلك ، لعموم أدلة بغض الطلاق وكراهيته من قبل الله تعالى .
ومن الأفضل اختيار الحكمين على أساس العلم والتقوى والكفاءة في مواجهة الاُمور ، والقدرة على استيعاب المواقف المتشنجة ، والصبر عليها ، وأن يقولا الحقّ ولو على أنفسهما .
وينبغي على الحكمين أن يمنحا الفرص المتاحة لاعادة مسار العلاقات الزوجية إلى حالتها قبل الشقاق والنشوز ، وإن طالت مدة الاصلاح والمفاوضات المتقابلة .
الإيلاء :
وليس أمام الزوجة إزاء هذه الحالة إلاّ أحد خيارين ؛ إمّا الصبر على ذلك حفاظاً على كيان الاُسرة من التفكك ، وإمّا اللجوء إلى الحاكم الشرعي ، فإن رفعت خصومتها إليه أنظر الحاكم زوجها أربعة أشهر لمراجعة نفسه في ذلك ، فان أبى الرجوع والطلاق جميعاً حبسه الحاكم وضيّق عليه في المطعم والمشرب ، حتى يفيء إلى أمر الله تعالى بالرجوع إلى معاشرة زوجته أو طلاقها .
قال تعالى : ( لّلِّذينَ يُؤلُونَ مِن نِّسائِهم تَربُّصُ أربعةِ أشهُرٍ فإن فاءُوا فإنّ اللهَ غَفُورٌ رَّحيمٌ * وإن عَزمُوا الطَّلاقَ فإنّ اللهَ سميعٌ عليمٌ ) .
وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : « إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته ولايمسها ولا يجمع رأسه ورأسها ، فهو في سعة ما لم تمضِ الأربعة أشهر ، فإذا مضت الأربعة أشهر وقف ، فإمّا أن يفيء فيمسّها ، وإمّا أن يعزم على الطلاق فيخلّي عنها ، حتى إذا حاضت وتطهّرت من حيضها طلّقها تطليقة قبل أن يجامعها بشهادة عدلين ، ثمّ هو أحقّ برجعتها ما لم تمضِ الثلاثة أقراء » .
اللعان :
إذا قذف الرجل زوجته الحرّة بالفجور ، وادّعى أنّه رأى معها رجلاً يطأها ، فان لم يأتِ بشهود أربعة ، لاعَنَ الزوجة .
والذي يوجب اللعان أن يقول : رأيتك تزنين ؛ ويضيف الفاحشة منها إلى مشاهدته ، أو ينفي ولداً أو حملاً .
أمّا إذا قال لها : يا زانية ؛ ولم يدّعِ المشاهدة ، فلا لعان بينهما ، وإنّما يكون الزوج قاذفاً .
قال الإمام الصادق عليه السلام : « لا يكون لعان حتى يزعم أنّه قد عاين » .
وصيغة الملاعنة كما ورد في القرآن الكريم : ( والّذينَ يَرمُونَ أزواجَهُم ولم يَكُن لهم شُهداءَ إلاّ أنفُسُهُم فَشهادةُ أحدِهِم أربَعُ شَهاداتٍ باللهِ إنّهُ لَمنَ الصَّادِقينَ * والخَامِسةُ أنَّ لَعنتَ اللهِ عليه إن كان مِنَ الكاذِبينَ * وَيَدرَؤا عنها العذابَ أن تَشهدَ أربعَ شَهاداتٍ باللهِ إنَّهُ لمِنَ الكاذبينَ * والخامسةَ أنَّ غَضَبَ اللهِ عليها إن كانَ مِن الصَّادِقين ) .
فيقول له الحاكم قُل : (أشهدُ بالله إنّي لمن الصادقين فيمن ذكرته عن هذه المرأة من الفجور) .
ويكرر ذلك أربع مرّات ، فإن رجع عن قوله ، جلده حدّ المفتري ثمانين جلدة ، وردّ امرأته عليه .
وإن أصرّ على ما ادّعاه ، قال له قل : (إنّ لعنة الله عليَّ ان كنت من الكاذبين) .
ويقول الحاكم لزوجته قولي : (أشهدُ بالله إنّه لمن الكاذبين فيما رماني به) وتكرّر القول أربع مرات .
وتقول في الخامسة : (إنّ غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين) .
فإذا قالت الزوجة ذلك ، فرَّق الحاكم بينهما ، ولم تحلّ له أبداً ، وقضت منه العدّة منذ تمام لعانها له .
أمّا إذا كانت الزوجة خرساء ، فرّق بينهما ، وأقيم عليه الحدّ ، ولا تحلّ له أبداً ، ولا لعان بينهما .