الخلل في توزيع المسؤوليات بين الأبناء يبدأ من الوالدين
بيروت: سناء الجاك
بعض الظلم العائلي لا منطق له، يتورط فيه أحد الابناء ويحمل تبعاته مدى الحياة، جريمته أنه يتمتع بوعي واحساس بالمسؤولية يفوق ما لدى اشقائه. وفي أحيان اخرى، تكون أن الابن لا يقوى على معارضة اهله ومعاندتهم، ليصبح ومن دون تكليف رسمي ملزما دائما بأعباء الاسرة على حساب أموره الخاصة وحتى أحلامه المستقبلية، وكأن قدره الغرق في العمل وحمل الهموم ليستفيد من عمله اشقاؤه الذين يتقاعدون عن المسؤولية لا مبالين، ما دام غيرهم يقوم بها بحجة انهم غير قادرين على القيام بما يقوم به الأخ الشاطر أو المتفاني.
تقول اختصاصية علم الاجتماع سهى هاشم «ان الخلل في توزيع المسؤوليات بين الاولاد يبدأ من الوالدين، وليس ضروريا كما يتبادر الى الاذهان ان يكون العبء منوطا بالابن البكر فقط، اذ نلاحظ احيانا ان هذا الابن يحصل على امتيازات أكثر مما يلزم بواجبات، وتحديدا في المجتمع الشرقي».
اما عن سبب اعتماد الام على من يبدي استعدادا للمساعدة من دون تذمر أو شكوى، على أساس انه الابن الشاطر، فتقول هاشم: «الام هي الاكثر حاجة الى المساعدة، لذا تجد في الابن القادر على تحمل المسؤولية منقذا وداعما، وتتجه اليه تلقائيا. والامر ليس بالضرورة سيئاً، فالصداقة التي تنشأ بين الاثنين تصبح وثيقة ومريحة لهما مع الوقت، لا سيما اذا لم تقترن بسلوك استغلالي او باستقواء من طرف على آخر». لكن الوضع قد يتحول حساسا عندما نجد الابن (أو الابنة) مكلفا على الدوام بالذهاب الى الدكان لشراء ما تحتاجه العائلة في حين ينصرف اخوته الى ألعابهم او يجلسون امام شاشة التلفزيون ويتابعون برنامجهم المفضل. كما نلاحظ ان الابنة التي تتبرع برعاية شقيقها (او شقيقتها)، الصغير في غياب الاهل تصبح مع الوقت ملزمة بهذه المهمة وعليها التوفيق بين تأديتها ومراجعة دروسها. والفتاة التي تشعر بتعب والدتها وتسارع الى مساعدتها في الاعمال المنزلية، لا تملك بعد ذلك اعلان رفضها او تخليها عن وظيفتها الجديدة. وتقول احدى الفتيات ان أمها لم تكن تنادي سواها اذا احتاجت الى مساعدة، وكأن شقيقاتها الباقيات «بنات الست» وهي وحدها «ابنة الجارية» او سندريللا، لكن من دون أمير سيحضر لانقاذها.
ويفسر استاذ علم النفس وليد طراف، هذا الاحساس انطلاقا من عقدة الاضطهاد التي «تسود بعض الاسر، وهي عقدة لا تكون حقيقية في كل الأحوال. فالأهل يتصرفون من دون خلفية، لكن التباين هو في طبع الاولاد وتنوع شخصياتهم. ولأن مجتمعنا الشرقي لا يولي اهمية للاحوال النفسية لأفراده، قد يتأزم الولد من تراكم سلوكيات معينة، ولا يجد طريقة للاعلان عن احتجاجه، فيتحول غضبه الى شعور بالاضطهاد، تكفي كلمة لطيفة في حينه لإزالته. وتجدر الاشارة إلى ان المجتمع الشرقي يعتبر الولد قاصرا وتابعا لأهله ولا يحق له الاعتراض على تصرف معين من أهله حياله. لذا ينصاع علنا ويراكم عقده سرا».
وسرعان ما يفرض هذا الوضع واقعا جديدا في يوميات الاسرة. وبعد حين يصبح بديهيا الطلب اليه تنفيذ كل كبيرة وصغيرة، بحيث يصل الى مرحلة يشعر معها بالاضطهاد والظلم ويتضخم احساسه بأنه مستغل ويتم التعامل معه على أنه استثمار، وكأن دوره هو العطاء فقط. فيعاني من كونه صاحب واجب لا صاحب حقوق اسوة ببقية افراد العائلة. واذا قصّر في العطاء قد ينال لوما او توبيخا او عقابا عاطفيا في صغره وكبره. صحيح ان هذا الضغط يبلور كفاءته ويمنحه قدرة على انجاز ما يوكل اليه من مهمات ببراعة وسرعة واتقان، لكن الصحيح ايضا ان الآخرين يعتادون عليه في هذا المستوى من الاداء، يحولونه الى كائن اقرب الى الكمال ولا يسمح له بضعف بشري وإلا كان الشعور بالذنب من نصيبه. تصادر ارادته لتصبح الطلبات أوامر مموهة، يستحيل عليه رفضها. وما يزيد من هذه المعاناة الصامتة في معظم العائلات التي تعيش هذا الوضع ان تحمل المسؤولية من قبل احد الابناء يعني لمن حوله انه يقوم بواجباته لا اكثر ولا اقل، ونادرا ما يسمع كلمة شكر او ثناء لما يقدمه، إلا في حالات اظهاره بعض التبرم وذلك لاعادة شحنه وتجديد توريطه.
وقد لا يقتصر الامر على ابتزاز الابن الشاطر بالكلام المعسول ورفع المعنويات، اذ غالبا ما تترافق هذه الظاهرة مع أخرى أخطر، وهي الغيرة من شطارته، ولا تكون النتيجة محاولة للتنافس معه وتقديم الجهد العملي لازاحته من موقعه، انما يصار الى تسخيف ما يقوم به او حتى اتهامه بانه يسلب الاخرين دورهم ويدخل انفه في ما لا يعنيه او يدعي مثالية او يعتقد انه الاقدر على تقديم نصيحة او معلومة، مستثمرا مكانته بهدف ارضاء حبه للسيطرة والاستحواذ على تقدير والديه واحترامهما.
ويعتبر طراف «ان الاهل الواقعين اصلا تحت وطأة ظروف حياتية ضاغطة قد يسيئون التصرف، فيعتبرون ان ما يبذله الولد هو تحصيل حاصل، لا لزوم لإطرائه او تشجيعه او حتى الاهتمام به انطلاقا من انه قوي وصلب، فيهملونه مقابل الاهتمام بالاخوة غير المسؤولين، الذين يحصلون على أكبر نسبة من التشجيع لقاء اتفه الامور. وذلك في سعي لتحسين قدراتهم وحثهم على مزيد من التقدم، وتحديدا في مسيرتهم المدرسية، فلا يوكلون اليهم أي مهمة ويمهدون لهم الاجواء حتى يتمكنوا من الدرس بهدوء وتركيز».
وغالبا ما تنعكس تداعيات هذا الوضع مع تعاقب السنوات. الابن يكبر وتكبر معه مسؤولياته، إذ لا تعود مقتصرة على الطلبات الصغيرة، انما يدخل حاملا نصيبه من المسؤولية الى العالم الحقيقي. فيجد نفسه مرغما على تقديم العون المادي لجميع افراد الاسرة وغالبا ما يناط به تولي حالات الطوارئ والقيام بالمهمات الصعبة التي يتهرب منها باقي أفراد العائلة. وتترافق هذه الوتيرة مع كل ما يحيط بها من تبعات، ليصبح الاستغلال الاخوي أكبر والغيرة أشد واللامبالاة مدموغة بالانانية. وقد تؤدي هذه التبعات الى أزمات نفسية واجتماعية معقدة يصعب التعامل معها، سواء من جهة الاهل الذين يقعون حينها في مطب التمييز بين الابناء او لجهة الابناء انفسهم الذين تتخذ علاقاتهم منحى عدائيا في السر وعاديا في العلن.
وتزيد هذه الحالة حدة، الا ان نتائجها تختلف باختلاف شخصية الابن. فإذا كان انفعاليا متطرفا قد يعبر الى المقلب الاخر في سلوكه وبعد التزام اعمى بعائلته وتفان لا حدود له، يصل الى حافة الانفجار، فيجنح الى الثورة على نفسه في الدرجة الاولى لاعتقاده انه احد المساهمين في ما وصل اليه، وعلى من حوله بعد ذلك، ضاربا بعرض الحائط النسب وصلة الرحم. وقد يقرر الاستقالة نهائيا من اي شكل من اشكال المسؤولية العائلية، ليغرق في انانية مفرطة حاملا شعار: «انا ومن بعدي الطوفان».
أما في غالب الأحيان، وتحديدا لدى الابناء الذين يفتقدون الى شخصية قوية، ويخافون المواجهة، نجد ان شعورهم بالظلم لا يغير واقعهم، فيكملون ما هم عليه، لكن مع كبت عنيف لاحتجاجهم وعجزهم عن التحرر. وغالبا ما تقودهم هذه الحالة الى عجز في مجالات حياتية أخرى، فيرافقهم الشعور بالضعف في زواجهم وحيال اولادهم، كذلك تنعكس على ميدان العمل، فنجد انهم لا يملكون الجرأة للمطالبة بحقوقهم، ويقتنعون بأنهم مضطهدون ومعذبون، ولا يتوصلون الى اشباع نفسي وعاطفي. ويبقى الاحتمال الثالث لواقع ارهاق الابن بالمسؤولية لمصلحة بقية أفراد العائلة، وهو التعامل مع الامر بالتي هي أحسن.
وهذا الحل ينتهجه في اغلب الاحيان الاشخاص المتوازنون، الذين يملكون اسلوبا للتفاهم وتوضيح الامور من دون اثارة الحساسيات، بحيث يتوصلون إلى صيغة معقولة، تفهم الآخرين حدودهم وتقطع عليهم الطريق لمزيد من الاستغلال، مع المحافظة على الالتزام بالاسرة والقيام بمسؤولياتهم على أحسن وجه، لكن ليس على حساب مسؤولياتهم تجاه أنفسهم