العودة   منتديات الطرف > الواحات الإسلامية > ۞ ۩ ۞ الواحة الإسلامية ۞ ۩ ۞




إضافة رد
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 25-02-2005, 03:37 PM   رقم المشاركة : 1
BoSs
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية BoSs
 






افتراضي تفسير سورة الفاتحه

سورة الفاتحة



تعليمُ العبادِ كيفيةَ الحمد

طلب حقيقة العون والاستعانة والهداية من الله تعالى

خاتمــــــة في بَيَان الأسرَار القُدْسِيّة في فاتِحَة الكِتاب العَزيز



أعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجيم



تَفْسِيرُ الاسْتِعَاذَة: المعنى: أستجير بجناب الله وأعتصم به من شر الشيطان العاتي المتمرد، أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أُمرت به، وأحتمي بالخالق السميع العليم من همزه ولمزه ووساوسه، فإِن الشيطان لا يكفه عن الإِنسان إِلا الله رب العالمين .. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إِذا قام من الليل، استفتح صلاته بالتكبير ثم يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه) [أخرجه أصحاب السنن: أبو داود والترمذي، والنسائي وابن ماجه].



بســــمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحيمِ



تَفْسِيرُ البَسْمَلَة: المعنى: أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء، مستعيناً به جلَّ وعلا في جميع أموري، طالباً منه وحده العون، فإِنه الرب المعبود ذو الفضل والجود، واسع الرحمة كثير التفضل والإِحسان، الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام.



تـــنبيـــه:

{بسـمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحيمِ} افتتح الله بهذه الآية سورة الفاتحة وكل سورة من سور القرآن - ما عدا سورة التوبة - ليرشد المسلمين إلى أن يبدءوا أعمالهم وأقوالهم باسم الله الرحمن الرحيم، التماساً لمعونته وتوفيقه، ومخالفةً للوثنيّين الذين يبدءون أعمالهم بأسماء آلهتهم أو طواغيتهم فيقولوا: باسم اللات، أو باسم العزى، أو باسم الشعب، أو باسم هُبَل.

قال الطبري: "إِن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه، أدَّب نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم بتعليمه ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وجعل ذلك لجميع خلقه سنّةً يستنّون بها، وسبيلاً يتبعونه عليها فقول القائل: بسم الله الرحمن الرحيم إِذا افتتح تالياً سورة ينبئ عن أن مراده: أقرأ باسم الله، وكذلك سائر الأفعال".



بَين يَدَي السُّورَة



هذه السورة الكريمة مكية وآياتها سبعٌ بالإِجماع، وتسمى "الفاتحة" لافتتاح الكتاب العزيز بها حيث إِنها أول القرآن في الترتيب لا في النزول، وهي - على قصرها ووجازتها - قد حوت معاني القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإِجمال، فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد باليوم الآخر، والإِيمان بصفات الله الحسنى، وإِفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء، والتوجه إِليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إِلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتضرع إِليه بالتثبيت على الإِيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وفيها الإخبار عن قصص الأمم السابقين، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه، إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراض وأهداف، فهي كالأم بالنسبة لبقية السور الكريمة ولهذا تسمّى "أم الكتاب" لأنها جمعت مقاصده الأساسية.



فضـــلهَــا: أ- روى الإِمام أحمد في المسند أن "أبيَّ بن كعب" قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم أم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ما أُنزل في التوراة ولا في الإِنجيل ولا في الزَّبور ولا في الفرقان مثلها، هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه) فهذا الحديث الشريف يشير إلى قوله تعالى في سورة الحجر {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87].

ب- وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد بن المعلَّى: (لأعلمنَّك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين، هي السبعُ المثاني والقُرآن العظيم الذي أُوتيتُه).



التسِمَيــــة: تسمى "الفاتحة، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والشافية، والوافية، والكافية، والأساس، والحمد" وقد ذكر العلامة القرطبي عددها لهذه السورة اثني عشر اسماً.



تعليمُ العبادِ كيفيةَ الحمد



{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)}



علمنا الباري جلّ وعلا كيف ينبغي أن نحمده ونقدسه ونثني عليه بما هو أهله فقال {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي قولوا يا عبادي إِذا أردتم شكري وثنائي الحمد لله، اشكروني على إِحساني وجميلي إِليكم، فأنا الله ذو العظمة والمجد والسؤدد، المتفرد بالخلق والإِيجاد، رب الإِنس والجن والملائكة، ورب السماوات والأرضين، فالثناء والشكر لله رب العالمين دون ما يُعبد من دونه {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أي الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام، بما أنعم على عباده من الخَلْق والرَّزْق والهداية إِلى سعادة الدارين، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم الإِحسان {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أي هو سبحانه المالك للجزاء والحساب، المتصرف في يوم الدين تصرّف المالك في ملكه {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الإنفطار: 19].



طلب حقيقة العون والاستعانة والهداية من الله تعالى



إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ(7)}.



{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي نخصُّك يا الله بالعبادة، ونخصك بطلب الإِعانة، فلا نعبد أحداً سواك، لك وحدك نذلُّ ونخضع ونستكين ونخشع، وإِيَّاك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإِنك المستحق لكل إِجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عوننا أحدٌ سواك .

{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي دلنا وأرشدنا يا رب إِلى طريقك الحق ودينك المستقيم، وثبتنا على الإِسلام الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وأرسلت به خاتم المرسلين، واجعلنا ممن سلك طريق المقربين {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أي طريق من تفضّلت عليهم بالجود والإِنعام، من النبييّن والصدّيقين والشهداء والصالحين، وَحَسُنَ أولئك رفيقاً {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} أي لا تجعلنا يا الله من زمرة أعدائك الحائدين عن الصراط المستقيم، السالكين غير المنهج القويم، من اليهود المغضوب عليهم أو النصارى الضالين، الذين ضلوا عن شريعتك القدسية، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية، اللهم آمين.



خاتمــــــة :في بَيَان الأسرَار القُدْسِيّة في فاتِحَة الكِتاب العَزيز



لا شك أن من تدبَّر الفاتحة الكريمة رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه، فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله، الموصوف بالرحمة التي تظهر آثارها رحمته متجددة في كل شيء، فإِذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإِله {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وذكّره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله، وجميل آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثمّ تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة، ليست عن رغبةٍ ولا رهبة، ولكنها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية بـ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ومن كمال هذا الإِله العظيم أن يقرن الرحمن بـ "العدل" ويذكّر بالحساب بعد الفضل فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيُدين عباده ويحاسب خلقه يوم الدين {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}.

فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وإِذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير،والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إِلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إِلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه فليلجأ إِليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.

وليسأله الهداية من فضله إِلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إِليه فلا يوفقون للعثور عليه، آمين. ولا جرم أن "آمين" براعة مقطع في غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إِلى الله بالدعاء؟ فهل رأيت تناسقاً أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه بين معاني هذه الآية الكريمة؟

وتَذَكَّر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي : (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ..) الحديث وأدم هذا التدبير والإِنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة وغيرها على مكث وتمهّل، وخشوع وتذلَل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، فإِن ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضلُ من تلاوة في تدبرٍ وخشوعٍ".

 

 

BoSs غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-02-2005, 10:12 AM   رقم المشاركة : 2
الغريب
المشـرف العــام
 
الصورة الرمزية الغريب
 






افتراضي

جزاك الله كل خير على هذا التفسير

وآمل كتابة المصدر إن أمكن ..




وفق الله الجميع ..

 

 

 توقيع الغريب :
الغريب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-02-2005, 10:50 AM   رقم المشاركة : 3
العصري
مشرف سابق







افتراضي

أخ ( seeyou)

جزاك الله من حسناته ..

ووفقت دوما لمراضيه . . .

وتأكد أننا بنتظارك دوما وخصوصا مواضيعك القيمة والمفيدة منهـــــــــــــــا . . .

العصري . . .

 

 

 توقيع العصري :



عِلاقـتي مَعَ البَردْ على عكس علاقة بعض النواعم معَ الأسواق النجدية ... ،
:
إلا إنّي أشتاق للــ برد النجدي ، ورؤية النواعم هناك ، وكذلك الأسواق النجدية
/
عَلي أحمد .
العصري غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-02-2005, 11:04 AM   رقم المشاركة : 4
المحلل
مراقب سابق






افتراضي


نشكرك يا أبا ماجد لنقل هذا التفسير من كتب العامة
و لا بأس بالاطلاع على تفسير الخاصة


من كتاب




* بسم الله الرحمن الرحيم .
* الحمد لله رب العالمين .

اختلف في كلمة « الله » هل هو علم شخصي ، او من الصفات الغالبة المخصوصة به تعالى ، بحيث صار كالعلم له ؟ فخليل بن احمد وسيبويه والمبرد على انه اسم غير مشتق ، انفرد الحق سبحانه به ، كأسماء الاعلام ، وعليه كثير من العلماء .
وقيل : انه من الاسماء المشتقة ، وعليه جمهور المعتزلة . واستدل الامام على كونه علما ، بأنه لو كان صفة مشتقة ، غلبت في الاستعمال على المعبود بالحق ، لم يكن قولنا « لا اله الا الله » صريحاً في التوحيد ؛ لان المفهوم من المشتق هو الموصوف بالمشتق منه .
وهذا مفهوم كلي لا يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة فيه ، فثبت انه لو كان صفة لكان كليا ، ولو كان كليا لم يكن قولنا « لا اله الا الله » صريحا في التوحيد ، فعلم انه اسم علم وليس من الصفات .
واجيب بأنه وان كان في الاصل وصفا ، الا انه غلب عليه تعالى ، بحيث لا يستعمل في غيره ، وصار كالعلم له في عدم تطرق احتمال الشركة اليه ، فحصل التصريح بالتوحيد .
واستدل القائل بكونه صفة ، بأنه لو كان علما لذات مخصوصة لم يكن للحكم عليه بأنه احد فائدة ، وقد قال الله تعالى « قل هو الله احد » .
واجيب عنه : بأن المعنى انه احد في المعبودية بالحق ، لا يشاركه فيها أحد ، وهذه الصفة لازمة له تعالى مفهومة من لفظ « الله » كما يقال لزيد الذي هو العالم الكامل في البلد : ان زيداً واحد في البلد ، بمعنى انه واحد في العالمية على وجه الكمال ، بحيث لا يشاركه فيها احد في البلد .
على ان ما ذكره مشترك بين كونه علما وصفة غالبة الاستعمال في ذاته المخصوصة ، بحيث صارت كالعلم له ، ولا يطلق على غيره .
وقد يجاب : بأن المراد من الاحد ما لا جزء له بوجه ، لا الوحدانية الدال عليه الله .
والحق ان شيئا من الادلة لا تفيد الجزم بكونه علما ، او صفة ، فتأمل .
وأما حمده سبحانه على بعض صفاته ، كقول القائل حمد الله على علمه ، فراجع الى الحمد على آثاره المرتبة عليه من الافعال المحكمة المتقنة الدالة على ان فاعلها عليم حكيم ، وهو عين ذاته المقدسة .
خلافا للاشعرية القائلة بزيادة الصفات على الذات ، فهي مستندة الى الذات صادرة عنه من غير اختيار منه ، والا لزم منه : اما تقدم الشيء على نفسه ، او التسلسل ، فالحمد عليه ليس هو الثناء على مزية اختيارية ، فتأمل .
و « الحمد » لما عم الفضائل والفواضل ، فالمحمود لا بد وان يكون على احد من هذه الامور : اما كاملا في ذاته وصفاته ، او محسنا ، او مرجو الاحسان ، او يكون ممن يتقى منه ويخاف .
فذكر الصفات المذكورة بعد اسم الذات ، للاشارة الى ان المحمود في هذا المقام جامع للفضائل الكاملة والفواضل الشاملة ، فهو احق بالحمد والتعظيم من كل من يحمد ويعظم ، لجمعه جميع ما يحمد عليه ، بخلاف غيره من المحمودين .
* الرحمن الرحيم .
الرحمة رقة القلب وانعطاف ، اي : ميل روحاني يقتضي التفضل والاحسان ، واذا وصف الله تعالى بها ، كان المراد بها غايتها ، وهي التفضل و الاحسان ؛ لان الرقة من الكيفيات المزاجية التابعة للتأثر والانفعال ، والله منزه عنها .
وهو : اما من باب المجاز المرسل ، بذكر السبب وارادة المسبب ، اذ الرحمة سبب التفضل والاحسان .
واما على طريقة التمثيل ، بأن شبه حاله تعالى بالقياس الى المرحومين في ايصال الخير اليهم ، بحال الملك اذا عطف على رعيته ورق لهم ، فأصابهم بمعروفه وانعامه ، فاستعير الكلام الموضوع للهيئة الثانية للاولى ، ومن غير تمحل في شيء من مفرداته .
وقيل : ان صفات الله التي على صيغة المبالغة كلها مجاز ؛ لانها موضوعة للمبالغة ، ولا مبالغة فيها ، فانها في صفات تقبل الزيادة والنقصان ، وصفاته تعالى منزهة عن ذلك .
فيه ان صيغ المبالغة قسمان : قسم تحصل المبالغة فيه بزيادة الفعل ، والثاني بتعدد المفعولات ، ولا شك ان تعددها لا يوجب للفعل زيادة ؛ اذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة ، وعليه تنزل صفاته تعالى ، ويرتفع الاشكال .
والرحمن ابلغ من الرحيم ، فعند اعتبار الابلغية فيه باعتبار الكمية ، نظرا الى كثرة افراد المرحومين ، يقال : يا رحمن الدنيا ورحيم الاخرة ، لشمول رحمة الدنيا للمؤمن والكافر .
وعند اعتبار الابلغية فيه باعتبار الكيفية ، وهي جلالة الرحمة ودقتها بالنسبة الى مجموع كل من الرحمتين ، يقال : يا رحمن الدنيا والاخرة ورحيم الدنيا ، لجلالة رحمة الاخرة بأسرها ، بخلاف رحمة الدنيا .
وباعتبار نسبة بعض افراد كل من رحمة الدنيا والاخرة الى بعض ، يقال : يا رحمن الدنيا والاخرة ورحيمهما ؛ لان بعضا من كل منهما أجل من بعض ، وبعضا من كل منهما أدق . وقد ورد كل ذلك في الادعية المأثورة عنهم ـ عليهم السلام .

وأما وجه تقديم الرحمن على الرحيم ، فقيل : لما كان الملتفت اليه بالقصد الاول في مقام العظمة والكبرياء ، جلائل النعم وعظائمها دون دقائقها ، قدم الرحمن واردف بالرحيم كالتتمة ، تنبيهاً على ان الكل منه ، وان عنايته شاملة لذرات الوجود ، كيلا يتوهم أن محقرات الامور لا تليق بذاته ، فيحتشم عنه من سؤالها .
ففيه اشارة الى ان العاقل ينبغي له ان يرجع في حوائجه كلها اليه وينزلها به ، جليلة كانت او حقيرة ، ولا يأنف من رفع المحقرات اليه ، فانه غاية التوكل عليه .
يا موسى سلني كل ما تحتاج اليه حتى علف شاتك وملح عجينك .
* مالك يوم الدين .
لما وصف الله سبحانه نفسه بالرحمن الرحيم الدالين على كمال لطفه واحسانه وجوده وامتنانه على العباد في الاخرة والاولى ، اوجب ذلك غروراً ، وغلب به الرجاء على الخوف ، بل صار رجاءً بحتاً ، فكان موضع طغيان ومحل عصيان .
فعقب ذلك بما يدل على غاية قدرته ، وكمال سطوته في يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والامر يؤمئذ لله ، دفعا لذلك الغرور ، وحسما لمادة الشرور .
فهذه الاضافة والتخصيص للتهويل والتخويف ، وبذلك يصير الرجاء معادلا للخوف ، بحيث لا يرجح احدهما على الاخر .
فهذا في الحقيقة اشارة الى اسباب الخوف والرجاء ، فالرحمن الرحيم ينشأ منهما الرجاء ، ومالك وملك يوم الدين يورثان الخوف لمكان الجزاء .

* اياك نعبد واياك نستعين .
« اياك نعبد » مدحة وثناء لله رب العالمين ؛ لانه بيان للحمد « واياك نستعين » مسألة ودعاء وطلب حاجة ؛ لانه مبين بـ « اهدنا الصراط المستقيم » . ومن شرائط اجابة الدعاء تقديم المدحة لله والثناء عليه قبل المسألة ، كما ورد في غير واحد من الاخبار : اذا طلب احدكم الحاجة ، فليثن ربه وليمدحه ، فان الرجل منكم اذا طلب الحاجة من السلطان هيأ له من الكلام احسن ما يقدر عليه (1) .
وفي حديث سيدنا امير المؤمنين سلام الله عليه : المدحة قبل المسألة (2) .
فهذا منه سبحانه تعليم للعباد ، وارشادهم الى طريق المسألة ، وكيفية الدعاء ، وطلب الحاجة منه عز اسمه .
وأما ايثار صيغة المتكلم مع الغير على المتكلم وحده ، فلعل النكتة فيه ارشاد الله تعالى الى ملاحظة القارىء دخول الحفظة ، او حضار صلاة الجماعة ، او جميع حواسه وقواه الظاهرة والباطنة ، او جميع ما حوته دائرة الامكان واتسم بسمة الوجود .
وذلك لان هذه السورة نزلت لتعليم العباد ، وارشادهم الى طريق الاخلاص ، وسبيل الاختصاص ، والاقبال عليه تعالى .
فكأنه قال لهم : قولوا اياك نعبد بصيغة المتكلم مع الغير ، ارشدهم الى ان عبادته سبحانه لا يبنبغي ان تكون بمجرد اللسان ، حتى تكون منزلة صلاة الفذ ؛ بل به وبالجنان المستلزم لمتابعة القوى والاركان ، فيتحقق به مصداق صيغة المتكلم ، فحينئذ تكون تلك الصلاة بمثابة صلاة الجماعة .
____________
(1) اصول الكافي : 2 / 485 ح 6 .
(2) اصول الكافي : 2 / 484 ح 2 .


بيان ذلك : انه لما كانت بين الجوارح والقلب علاقة شديدة ، يتأثر كل منهما بالاخر ، كما اذا حصلت للاعضاء آفة ، سرى اثرها الى القلب فاضطرب ، واذا تألم القلب بخوف مثلا سرى اثره الى الجوارح فارتعدت ، كان القلب بمنزلة السلطان ، والجوارح بمنزلة العسكر .
فمتى توجه القلب الى جناب الله تعالى ، كان كل جارحة على الوجه المطلوب في احوال الصلاة ، بأن لا يطرق رأسه ، وينظر حال القيام الى موضع سجوده ، ولا يسمع الى كلام احد غير ما يقوله مع معبوده ، وتكون يده ورجله وحركاته وسكناته على الوجه المطلوب ، بأن لا يلتفت الى غير جنابه الاقدس ، وبذلك تصير الصلاة صلاة جماعة ، فيحقق مساغ نون المتكلم مع الغير ، فيصح له ان يقول : اياك نعبد واياك نستعين .
والحاصل : انه انما اختار صيغة المتكلم مع الغير على صيغة المتكلم وحده ، ليدل بذلك على عظم شأن عبادة الله تعالى ، لما فيه من الاشارة الى ان هذا الامر العظيم والخطب الجسيم مما لا يمكنه ان يتولاه وحده ، بل يحتاج الى معاون ونصير وممد وظهير . وكذا الكلام في طلب الاعانة .
وأما ما قيل بلزوم الاحتراز بذلك عن الكذب الظاهر ، وما نقل عن مالك بن دينار انه قال : لولا اني مأمور بقراءة هذه الآية ما كنت قرأتها قط ، لاني كاذب فيها .
فهو غير لازم ؛ لان نبينا واوصياءه ـ عليهم السلام ـ كانوا يقرؤون هذه الآية مع استعانتهم بغير الله تعالى في الامور الدينية والدنيوية ، وهذا مما لا يمكن انكاره .
كيف ؟ والانسان مدني بالطبع يحتاج بعضهم في امور معاشه ومعاده الى بعض . فالاستعانة بغيره تعالى من حيث انه جعله سبباً ، وابى ان يجري الاشياء الا بأسبابها ، راجعة الى الاستعانة به تعالى ، ولا يلزم منه كذب ولا تهور ، فان لكل امرء ما نوى ، وانما الاعمال بالنيات .
وكذا الكلام في الخضوع لاهل الدنيا من الملوك والوزراء ونحوهم ، فانه ان كان من باب التقية ودفع الضرر ، فظاهر انه لا ينافي دعوى حصر الخضوع في الله .
وان كان من باب التعظيم ورعاية الادب من حيث ان لوجودهم مدخلا في حفظ بيضة الاسلام وترويج شريعة سيد الانام عليه وآله السلام ، فكذلك .
ولذلك جوز بعض علمائنا السجود الذي هو اقصى غاية الخضوع للملوك والابوين والاخوة ، كما وقع في اخوة يوسف ـ عليه السلام ـ على قصد الادب والتعظيم ، واعتقاد انهم عبيد مخلوقون .
فان الخضوع للانسان يقع على وجه الادب والتعظيم ، ويكون راجحا اذا كان في العرف تركه اهانة والانسان اهل التعظيم ، لانه عبد الله ، فتعظيمه تعظيم الله .
وبالجملة الاستعانة بغير الله وتعظيمه وتكريمه بالقيام له ، بل الخضوع ونحوه اذا كان اهلا له ، او من باب التقية ودفع الضرر ، او لان له مدخلا في تحصيل المعاش والمعاد ونحو ذلك ، لا ينافي دعوى حصر العبادة والاستعانة في الله تعالى ، بعد ان كانت نيته صادقة وغرضه ما ذكرناه ، فتأمل .



يتبـــــع >>>

 

 

 توقيع المحلل :
لا تكن ليناً فتُعصر .. و لا صلباً فتُكسر
المحلل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-02-2005, 11:25 AM   رقم المشاركة : 5
المحلل
مراقب سابق






افتراضي

تكملـــة >>>



اقول : والعبادة نسبة بين العابد والمعبود ، فتحققها ذهناً وخارجاً موقوف على تحققهما ، لكن المعبود ادخل في ذلك من العابد ، اذ لولاه لما عبد العابد ، فلم يتحقق العبادة .
فينبغي للعابد ان يعبده كأنه بحضرته ويراه ، فان لم يكن يراه فانه يراه ، كما قال سيد الاوصياء وسند الاتقياء سلام الله عليه وعلى ذريته الاصفياء : اعبد الله كأنك تراه ، فان لم تكن تراه فانه يراك .
فينبغي لك التبتل والانقطاع اليه بتجافيك عن دار الغرور ، وترقيك الى عالم النور ، ومؤانستك به ومجالستك له ومكالمتك معه ، فتكون صلاتك بذلك معراجك ، تعرج فيها الى سماء الحقيقة .
كما ورد في الخبر عن سيد البشر ـ صلى الله عليه وآله ـ عدد قطرات المطر : الصلاة معراج المؤمن .
فانه يعرج فيها بنعت بعد نعت ، ووصف بعد وصف ، من مرقاة الى مرقاة ، ودرجة الى درجة ، حتى اذا بلغ محل الحضور وعالم النور ، يرفع عنه الحجاب ، ويقام على الباب ، ويرخص في الخطاب ، فيقول بلسان ذليق طليق اياك نعبد واياك نستعين .
فيصير جليسا لربه ، دثارا لخالقه ، مقترحا على رازقه ، منادما لمالك دار الفناء ودار البقاء ، مشرفا بحضرة سلطان السماء ، فيقول : اهدنا الصراط المستقيم .
فيكون حاله حال راهب لما قيل له : ما اصبرك على الوحدة ؟ قال : انا جليس ربي ، اذا شئت ان يناجيني قرأت كتابه ، واذا شئت ان اناجيه صليت .


* اهدنا الصراط المستقيم.
الهداية هي الدلالة على ما من شأنه الايصال الى البغية من غير ان يشترط في مدلولها الوصول ، ولذلك كانت الدلالات التكوينية المنصوبة في الافاق والانفس ، والبينات الواردة في الكتب السماوية على الاطلاق ، بالنسبة الى البرية كافة برها وفاجرها هدايات حقيقية فائضة من الله تعالى .
وهداية الله تعالى انما يتحقق باحداثه الشوق في السالك ، واهتياجه قلبه وجذبه الى ارادته ومحبته والمواظبة عليه .
فان الشوق وهو ادراك لذة المحبة اللازمة لفرط الارادة الممتزجة بالم المفارقة ، يكون في حال السلوك بعد اشتداد الارادة ضروريا .
وربما كان حاصلا قبل السلوك ، وذلك اذا حصل الشعور بكمال المطلوب ، ولم تنضم اليه القدرة على السير ، وقل الصبر على المفارقة ، وكلما ترقى السالك في سلوكه كثر الشوق وقل الصبر ، حتى يصل الى المطلوب ، فتخلص حينئذ لذة نيل الكمال من الالم ، وينتفي الشوق .
ولكن هذا الطريق مع كمال وضوحه مخوف ، وفيه مهالك ومواقع ، والسالك فيه يحتاج الى العنايات الربانية والهدايات السبحانية ، فانه ما دام في سيره الى الحق يكون مضطربا غير مستقر الخاطر ، لخوف العاقبة ، وما يعرض في اثناء السير والسلوك من العوارض العائقة ، كالانحراف عن القصد في عبادة الله ، واستيلاء القوى الشهوانية ، بحسب مجرى العادة في استعمال الشهوات المألوفة ، فان هذه وامثالها تصد السالكين عن السلوك الى الله ، وهم على خوف منها ومن خواطر الشيطان ، ونعم ما قيل :
كيف الوصول الى سعادة ودونـها * قلل الجبـال ودونهــن حتوف
والرجل حافية ومـالي مـركـب * والكـف صفر والطريق مخوف

فاذا هب نسيم العناية الازلية ، وارتفعت الحجب الحائلة الظلمانية ، تنور القلب بنور العيان ، وحصلت الراحة والاطمئنان ، وزال الخوف وظهر تباشير الامن والامان .
كما اشار اليه امام الانس والجان سيدنا امير المؤمنين عليه سلام الله الملك المنان ، عند ذكر السالك على ما هو المذكور في نهج البلاغة بقوله :
قد أحيا عقله ، ومات نفسه ، حتى دق جليله ، ولطف غليظه ، وبرق له لامع كثير البرق ، فعن له الطريق ، وسلك به السبيل ، وتدافعته الابواب الى باب السلامة ودار الاقامة ، وتثبتت رجلاه بطمأنينة قلبه (1) في قرار الامن والراحة ، بما استعمل قلبه وارضا ربه (2) .
____________
(1) في المصدر : بدنه .
(2) نهج البلاغة : 337 ، ك : 220 .


أقول : فمعنى « اهدنا » زدنا هدىً بمنح الالطاف ، وعن علي ـ عليه السلام ـ معناه ثبتنا .
ولفظ الهداية على الثاني مجاز ؛ اذ الثبات على الشيء غيره .
وأما على الاول ، فان اعتبر مفهوم الزيادة داخلا في المعنى المستعمل فيه ، فمجاز ايضا . وان اعتبر خارجا عنه مدلولا عليه بالقرائن ، فحقيقة ، اذ الهداية الزائدة هداية ، كما ان العبادة الزائدة عبادة ، فلا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز .
واما المراد بالصراط المستقيم المبين بصراط المنعمين عليهم دون المغضوب عليهم ولا الضالين ، فهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وحسن اولئك رفيقا .
وصراطهم في الدنيا ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصر واستقام ، فلم يعدل الى شيء من الباطل ، وهو دين الاسلام الحاصل لكل من اصحاب المرتبتين جميعاً ، وان كان حصوله لهم وثباتهم عليه مقولاً بالشدة والضعف .
ثم ان هذا هو بعينه صراطهم في الاخرة ؛ لانه يوديهم الى الجنة . فيدخلونها خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ، وما هم منها بمخرجين .
فان قلت : هذه الآية قد تلاها نبينا واوصياؤه ـ عليهم السلام ـ فما كانوا يريدون بالهداية المذكورة فيها ؟
قلت : كانوا يريدون بها الثبات على الصراط المستقيم ، وهو دين الاسلام ، لان ميلهم عنه كلاً او بعضاً امر ممكن بالذات ، وهذا القدر كاف في طلب الثبات عليه ، وذلك لان العصمة البشرية لاتجعل المعصوم مسلوب القدرة على المعصية ، والا لم يكن له في تركها ثواب ، وكان احدنا اذا كف نفسه عن المعصية اكثر ثواباً منه ؛ لان له دواعي وبواعث عليها دونه على ما هو المفروض .
او يقال : هو بالنسبة اليهم تعبد محض . او هو من قبيل بسط الكلام مع المحبوب ، فلا يضر امتناع ميلهم عنه . والوجه هو الاول .
وسمي بالمستقيم لانه يؤدي من يسلكه الى الجنة ، كما ان الصراط يؤدي من يسلكه الى المقصد .
وروي ان المراد به كتاب الله (1) .
فالمطلوب الهداية الى فهم معانيه ، والتدبر في مقاصده ومبانيه ، واستنباط الاحكام منه ، والتعمق في بطون آياته ، فان لكل آية ظهرا وبطناً .
وعن علي ـ عليه السلام ـ في « اهدنا الصراط المستقيم » قال : ادم لنا توفيقك الذي به اطعنا في ماضي ايامنا حتى نطيعك كذلك في مستقبل اعمارنا (2) .
والصراط المستقيم هو صراطان : صراط في الدنيا ، وهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير واستقام ، فلم يعدل الى شيء من الباطل . وصراط في الاخرة ، وهو طريق المؤمنين الى الجنة الذي هو مستقيم ، لايعدون عن الجنة الى النار ، ولا الى غير النار سوى الجنة .
* صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين .
قيل : المراد بهم المسلمون ، فان نعمة الاسلام رأس جميع النعم .
أقول : وذلك لان من انعم الله عليه بنعمة الاسلام لم يبق نعمة الا اصابته ، لاشتمالها على سعادة الدارين .
واجل نعمة انعم الله بها على عباده هي نعمة العقل ، ونعني به ما من شأنه ان يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان ، ثم توفيقه لهم على تحليتهم انفسهم بالاخلاق الزكية ، والتخلية عن الملكات الردية .
____________
(1) مجمع البيان : 1 / 28 .
(2) معاني الاخبار : 33 ح 4 .


فانها مستتبعة لجميع الخيرات الدنيوية ، من فعل الطاعات وترك السيئات وغيرهما ، والاخروية مع الحور والقصور وغيرهما مما هو موجود في الجنة من انواع الملذات ، فانها كلها تنشأ من تلك الاخلاق ، الا انها لا يلزم آثارها الا بعد المفارقة الى الاخرة .
وذلك لان الجنة الصورية ، وهي الابواب والجدران وما فيها من الانهار والاشجار والحور والقصور وغيرها ، صورة الاخلاق الحميدة والافعال الحسنة الناشئة منها ، والعلوم والآراء المطابقة للواقع .
كما ان النار الصورية وما فيها من العقارب والحيات وغيرهما من انواع المؤذيات ، صورة اضدادها من الاخلاق الذميمة والملكات الردية ، والعلم بالاشياء على خلاف ما هي عليه . وفوق كل ذلك هو المعارف الالهية ، واقتناؤها من فروع العقل .
قال الفاضل العارف كمال الدين بن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة عند قوله ـ عليه السلام ـ « درجات متفاضلات » : اعلم ان الذ ثمار الجنة هي المعارف الالهية ، والنظر الى وجه الله ذي الجلال والاكرام ، والسعداء في الوصول الى نيل هذه الثمرة على مراتب متفاوتة .

فالاولى من اوتي الكمال في حدس القوة النظرية ، حتى استغني عن معلم بشري رأساً ، واوتي مع ذلك ثبات قوة المفكرة واستقامة وهمه ، منقاداً تحت قلم العقل ، فلا يلتفت الى العالم المحسوس بما فيه ، حتى يشاهد عالم المعقول بما فيه من الاحوال ، ويستثبتها في اليقظة .
فيصير العالم وما يجري فيه متمثلا في نفسه ، فيكون لقوته النفسانية ان تؤثر في عالم الطبيعة ، حتى تنتهي الى درجة النفوس السماوية ، وتلك هي النفوس القدسية اولات المعارج ، وهم السابقون السابقون اولئك المقربون ، وهم افضل النوع البشري واحقه بأعلى درجات السعادة في الجنة (1) .
____________
(1) شرح نهج البلاغة : 2 / 277 .


وبما قررناه ظهر ان الجنة بما فيها من انواع اللذات والملذات الجسمانية والروحانية من توابع العقل والاخلاق الزكية وفروعهما ، فهما من اجل النعم على الانسان .
وأما غيرهما من النعم الجسمانية والروحانية ، فانها خلقت لتكون وصلة ووسيلة اليهما ، فهذه الآية اذا تلاها تال ، فينبغي له ان يراد بالنعمة المذكورة فيها هاتين النعمتين الجليلتين ، فانهما نعمتان مشتركتان بين جميع المنعمين عليهم من الانبياء والصديقين والمقربين والشهداء والصالحين .
وأما غفران الذنوب بعد التوبة او بدونها ، فليس بنعمة مشتركة بينهم ، فكيف يراد من النعمة المذكورة فيها ، فتأمل .
اعلم ان كلمة « غير » وضعت للمغايرة ، وهي مستلزمة للنفي ، فتارة يراد بها اثبات المغايرة ـ كما في « غير المغضوب عليهم ولا الضالين » فتكون اثباتا في حكم النفي لتضمنه اياه ، فيجوز تأكيده بـ « لا » .
واخرى يراد بها النفي ، كقولك انا غير ضارب زيد ، اي : لست ضاربا له ، لا اني مغاير لشخص ضارب له ، فلفظة « لا » مزيدة لتأكيد ما في « غير » من معنى النفي .
ثم في عدوله سبحانه عن اسناد الغضب الى نفسه جل شأنه مع التصريح باسناد عديله اعني النعمة اليه عز سلطانه تشييد لمعالم العفو والرحمة ، وتأسيس لمباني الجود والكرم حتى كأن الصادر عنه هو الانعام لا غير ، وان الغضب صادر عن غيره .
ومثله بل احسن منه قوله عز اسمه « نبىء عبادي اني انا الغفور الرحيم * وان عذابي هو العذاب الاليم » (1) .
____________
(1) الحجر : 49 ـ 50 .


وفي الخبر عن سيد البشر ـ صلى الله عليه وآله ـ انه قال : ليغفرن الله تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت قط على قلب احد ، حتى ان ابليس ليتطاول لها ان تصيبه (1) .
اقول : وكيف لا يكون كذلك ، وهو عز اسمه كتب على نفسه الرحمة ، وآية رحمته « رحمتي وسعت كل شيء » (2) وهو الجواد المطلق الذي لا يرحم لمنفعة تعود اليه ، ولا مضرة يدفعها عنه ، وكل رحيم سواه فرحمته لغرض من الاغراض : اما ثناء دنيوياً ، او اجراً اخروياً ، او رقة ناشئة من الجنسية ، او نحو ذلك .
____________
(1) بحار الانوار : 7 / 287 .
(2) الاعراف : 156 .




المحلل ،،،

 

 

 توقيع المحلل :
لا تكن ليناً فتُعصر .. و لا صلباً فتُكسر
المحلل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18-07-2005, 09:58 PM   رقم المشاركة : 6
المهد
مشرف سابق





افتراضي

موضوع رائع..

أتمنى دمج هذا الموضوع مع:
http://www.altaraf.com/vb/showthread...251#post116251
مشكورين

 

 

 توقيع المهد :



****اللهم..ولا تفتِنِّي بالإستعانة بغيرك إذا اضطررتُ،
ولا بالخضوع بسؤال غيرك إذا افتقرتُ،
ولا بالتضرع إلى مَن دونك إذا رهِبتُ،
فأستحق بذلك خذلانك ومنعك وإعراضك،
يا أرحم الراحمين.
المهد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 08:13 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد