السلام عليكم /
هناك حقائق في الحياة قد تغيب أو يسيطر عليها الغموض , لأنّ الإنسان يمتلك القدرة على قلب الحقائق أو تزييفها أو تغييبها والعبث بملامحها أو تبقى حبيسة الكتمان لتسير الأمور وفق مصالح خاصة لا يرقب الإنسان فيها إلاًّ ولا ذمـّةً , إلاّ أنّ ثمـّة حقيقةً واحدةً لم تطـلها يدُ التحريف والتزييف أو التغييب والكتمان فقد أعيتْ فيها الإنسانَ الحيلةُ مهما علا شأنه أو كبر مقامه بين البشر وامتلك كل مقوّمات القوّة والسلطة والغلبة على العباد منذ بدء الخليقة وحتى انقضاء عمر الدنيا .
هذه الحقيقة هي حقيقة الموت التي هـُزِم أمامها كل الأحياء , حقيقةٌ أفصح عنها أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح ( وقهر عباده بالموت والفناء ) , فخبر موت الإنسان مما لا يمكن إخفاؤه أو كتمانه إلى أمد طويل , بينما يتعرض الإنسان للحوادث الكثيرة في حياته وقد لا يعلم بها إلاّ القليل أو لا يعلم بها أحدٌ أبدا , لأنّ الموت هو الحقيقة التي لا تقبل المساومة أو النيل منها أو تبديلها , فلا أحد باستطاعته أن يردّ الموت عن نفسه ولو دفع في سبيل ذلك كل ما يملكه , ومن هذا تتجلى حقيقة الإنسان وحقيقة ضعفه وصغاره أمام قدرة الله وكبريائه وعظمته لتكون نذيراً له عن التعالي على ربه والطغيان على بني جنسه من البشر وظلمهم وقهرهم . .
من الظواهر التي تقترن مع الموت حالة الاستنفار التي يبعثها في كل من له صلةٌ بالميــّت وخصوصاً القرابة القريبة ما لا تفعله مناسبات الفرح التي من الممكن أنْ لا ترى الكثير ممن له علاقة بصاحب المناسبة , بينما في الموت سترى من غيــّبتهم السنينُ , وأقصتهم مشاغل الحياة عن الحضور بيننا , ستراهم ماثلين أمامك ينفضون عنهم غبار غيابهم الطويل حتى وإن كانوا يسكنون ما بين ظهرانينا , كل هؤلاء سيأويهم مجلسٌ واحدٌ وتجمعهم مشاعر واحدة , مهما كان بينهم في الأصل من شقاقٍ أو إعراضٍ , إلاّ من شذّ , فهؤلاء الغائبون الميــّتون حقيقة ً في الحياة ( ميــّتوا الأحياء ) سيبعثهم الموت من قبور عزلتهم وغيابهم وبعدهم عن أحبائهم وأقربائهم , وقد تكون تلك هي إيجابيةً من إيجابيات الموت , وسراً من أسراره العميقة , ودليلاً على أنّ الموت ليس منعطفاً جديداً في عمر الميـّت فحسب وإنــّما هو منعطفٌ في عمر كل من له اتصالٌ بهذا الميّت من الأقارب والأباعد ليعيد الجميع حساباتهم , ويراجعوا أنفسهم فيما اكتسبوا في حياتهم , فالموت ساعة تنبيه تدّق أمامنا بين الحين والحين الآخر ليصحو الجميع من غفوتهم ويتداركوا الوقت الذي هو عمر الإنسان , وبه يتحدد مصيره .
( كفى بالموت واعظاً )
تحياتي