بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من أهم الاُمور التي تعمل على تقوية دعائم الثقة العامة والخاصة بين الأفراد هو (الوفاء بالعهد والميثاق) الذي يعد من الفضائل الأخلاقية المهمة في حركة الإنسان التكاملية، وبعكس ذلك (نقض العهد) الذي يعد من أسوأ الخصال والرذائل الأخلاقية.
إنّ لزوم الوفاء بالعهد يعدّ ركناً من أركان الفطرة الإنسانية السليمة، وبتعبير آخر إنّ هذا المفهوم هو من الأمور الفطرية غير القابلة للإنكار
والفطرة هي من الامور التي يدركها كل إنسان ويقبلها كل شخص بدون الحاجة إلى دليل وبرهان، من قبيل حسن العدل وقبح الظلم وكذلك أهمية الوفاء بالعهد وقبح نقض العهد حيث تعتبر من أوضح الاُمور الفطرية لدى الناس،
هناك آيات قرآنية تتحدث عن الوفاء بالعهد منها 00
(الآية الأولى )
قوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون "
تتحدث عن الأساس والأصل لجميع أعمال الخير والصلاح وتذكر ستة صفات وعناوين لذلك، الأول منها هو الإيمان بالله تعالى ويوم القيامة والملائكة والأنبياء والكتب السماوية، ثم تأتي بعدها مسألة الأنفاق في سبيل الله وتشير أيضاً إلى إقامة الصلاة وأداء الزكاة، وتذكر في الصفة الخامسة من هذه الصفات (الوفاء بالعهد) وفي الصفة السادسة تأتي أهمية الصبر والأستقامة في مقابل تحدّيات الواقع الصعبة والمشاكل التي تواجه الإنسان في حركة الحياة والصبر في ميدان القتال، وبالنسبة إلى الوفاء بالعهد تقول (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا).
وهذا التعبير يوضّح، أنّ الوفاء بالعهد في دائرة المفاهيم الإسلامية والقرآنية مهم إلى درجة أنّه وقع رديفاً للإيمان بالله والصلاة والزكاة.
ومع ملاحظة أنّ المادة الأصلية لهذه الكلمة (وفى) هي أن يصل الشيء إلى حدُّ الكمال والتمام، فعندما يترجم الشخص عهده ووعده عملياً على أرض الواقع يقال له (وفى بعهده) أو (أوفى بعهده)، وعليه فإنّ الثلاثي المجرّد أو المزيد لهذه المفردة يأتيان بمعنى واحد.
وكلمة (عهد) تأتي في الأصل بمعنى (الحفظ) ولهذا فإنّها تقال لكل شيء لابدّ من حفظه والاهتمام به فيقال (عهد) لذلك.
والجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم حث على وجوب الوفاء بالعهد في هذه الآية بدون أي قيد وشرط، وعليه فإنّه يشمل جميع أشكال العهد مع الله تعالى ومع الناس، سواءً كانوا مسلمين أو غير مسلمين، أي مادام الشخص قد ارتبط بعهد وميثاق مع المسلمين، فيجب
عليهم مراعاة عهده والوفاء به
(الآية الثانية )
تستعرض صفات المؤمنين الحقيقيين وتفتتح السورة آياتها بالقول (قَد أَفلَحَ المُؤمِنُونَ) ثم تذكر سبع صفات من الصفات المهمّة والأساسية للمؤمنين، وفي الصفة الخامسة والسادسة تقول: (وَالَّذِينَ هُمْ لاَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ).
وفي هذه الآية والتي وردت في القرآن الكريم في سورتين نجد أنّها أشارت إلى الأمانة والعهد بصورة مقترنة، ولعل ذلك إشارة إلى أنّ الأمانات هي نوع من العهد والميثاق كما أنّ العهد هو نوع من الأمانة.
والتعبير بكلمة (راعون) المأخوذة في الأصل من (رعى) يتضمّن مفهوماً أعمق من مفهوم الوفاء بالعهد، لأنّ الرعاية والمراعاة تأتي بمعنى المراقبة الكاملة من موقع المحافظة بحيث لا يصل أي مكروه أو ضرر للشيء، فالإنسان الذي قبل الأمانة أو ارتبط مع غيره بعهد وميثاق يجب عليه مراعاته بحيث لا يصل أي ضرر لهذه الأمانة والعهد
«الآية الثالثة» تتحدّث عن مسألة لزوم الوفاء بالعهد بتعبير جديد وتقول: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا).
وقد ذكر المفسّرون تفسيرات عديدة في جملة (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا).
أحدها: ما ذكرنا آنفاً من أنّ الإنسان هو المسؤول، والعهد مسؤول عنه، يعني أنّه يسأل الإنسان عن وفائه بعهده.
والآخر: أنّ نفس العهد يكون مسؤولاً، كما ورد في عبارة الموؤدة التي يسأل عنها (إذا المَوؤُدةُ سُئِلتْ) وكأنّه إشارة إلى الموجودات العاقلة والحية التي يسأل منها، هل نالت حقّها ووفى الإنسان لها أم لا؟
وهذا هو نوع من المجاز الذي يستعمل للتأكيد.
ولكن التفسير الأول أقرب لسياق الآية وأكثر إنسجاماً معها.
وضمناً يجب الالتفات إلى أنّ سورة الاسراء وردت في بيان أهم الأحكام الإسلامية من الآية 22 إلى 39، من مسألة التوحيد إلى حق الوالدين إلى قتل النفس والزنا وأكل أموال اليتامى والوفاء بالعهد وحتى مسؤولية العين والاُذن والقلب، وهذا يبيّن أنّ مسألة الوفاء بالعهد جاءت ضمن إطار أهم الأحكام الإسلامية.
واللطيف أنّ هذه الأحكام ختمت بقوله تعالى: (ذَلِكَ مِمّـا أَوحَى إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكمَةِ).
هناك أحاديث وردت أيضا منها:
ما ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قوله في جملة مختصرة: «لا دِينَ لِمَنْ لا عَهدَ لَهُ»
(1).بحار الانوار جزء 69
ونقرأ في حديث آخر قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): «أَقرَبُكُم غَداً مِنِّي فِي المَوقِفِ أَصدَقُكُم لِلحَدِيثِ وَأَدّاكُم لِلأَمـانَةِ وَأَوفـاكُم وَأَحسَنُكُم خُلقاً وَأَقرَبُكُم مِنَ النّاسِ»(2).بحار الانوار 74
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر(عليه السلام) قوله: «ثَلاثٌ لَم يَجعَلِ اللهُ عَزَّوَجَلَّ لاَِحَِد فِيهِنَّ رَخصَةً أَداءِ الأَمـانِةِ إِلَى البَرِّ وَالفـاجِرِ، وَالوَفـاءِ بِالعَهدِ لِلبَرِّ وَالفـاجِرِ، وَبِرُّ الوالِدينِ برِّينَ كـانا أَو فـاجِرينِ»الخصال
ـ روى علي بن عقبة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله ، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشّه ولا يعده عدةً فيخلِفه ( من كتاب بحوث في الفقه المعاصر -- وسائل الشيعة جزء 6)
ونقرأ في عهد الإمام علي(عليه السلام) المعروف لمالك الأشتر(رضي الله عنه) حيث أَكّد الإمام علي(عليه السلام)على مسألة الوفاء بالعهد في مقابل أي إنسان وأي طائفة من البشر باعتباره من أهم المسائل على مستوى الحكومة والتعامل مع الناس حيث قال: «وإنَّ عَقَدتَ بَينَكَ وَبَينَ عَدُوِّكَ أَو أَلبَستَهُ مِنكَ ذِمَّةً فَحُطَّ عَهدَكَ بِالوَفـاءِ وَارعَ ذِمَّتَكَ بِالأَمـانِةِ، وَاجعَلْ نَفسَكَ جُنَّةً دُونَ مـا أَعطَيتَ فَإِنَّهُ لَيسَ مِنْ فَرائِضِ اللهِ شَيءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيهِ إِجتِمـاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهوائِهِم وَتَشَتُّتِ آرائِهِم مِنْ تَعظِيمِ الوَفـاءِ بِالعُهُودِ وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ المُشرِكُونَ فِيمـا بَينَهُم دُونَ المُسلِمِينَ لِمَااستَوبَلُوا مِنْ عَواقِبِ الغَدرِ»(نهج البلاغة رسالة 53)
أقسام العهد:
هناك أنواع وأقسام للعهد حيث يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ العهد مع الله.
2 ـ العهد مع الناس.
3 ـ العهد مع النفس.
أما العهد مع الله تعالى فالكثير من الفقهاء ذكروا في كتبهم الفقهية بحث العهد إلى جانب بحث النذر، وذكروا أنّه لو أراد الشخص أن يعاهد الله على أمر من الاُمور فعليه إجراء صيغة العهد وهي أن يقول مثلا: «عـاهَدْتُ اللهَ أَنَّهُ مَتـى شَفـانِي اللهُ أَصومُ ثَلاثَةَ أَيّـام أَوْ أَتَصَدَّقُ بِكَذا وَكَذا».
وحينئذ يجب عليه الوفاء بعهده هذا ولو إرتكب ما ينقض هذا العهد عليه دفع كفارة، وكفارته على المشهور هي كفارة إفطار يوم من شهر رمضان المبارك.
وعلى هذا فانّ العهد مع الله تعالى ليس لازماً من الناحية الأخلاقية فقط بل من الناحية الفقهية أيضاً ونقضه يستوجب الكفارة، وحتى إذا لم يقرأ المكلف صيغة العهد هذه بل نوى في قلبه ذلك فمن الأفضل له أن يوفي بعهده مع الله تعالى.
القرآن الكريم يقول في ذم طائفة من المؤمنين الضعيفي الإيمان أو من المنافقين الذين لم يشتركوا في حرب الأحزاب: (وَلَقَدْ كـانُوا عـاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبـارَ وَكـانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤولاً)(1).
يقول في مكان آخر: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عـاهَدْتُمْ».
وبعض المفسرين ذكروا في تفسير هذه الآية أنّ العهد هنا يعنى البيعة مع النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، وذهب بعض آخر إلى أنّه يعني الجهاد في سبيل الله، وذهب آخرون إلى أنّ معناه هو القسم بالله تعالى، وبعض آخر ذهب إلى أنّه يعنى كل عمل واجب بحكم العقل أو النقل(2).
.وأمّا العهد مع الناس فيشمل كل أشكال العقود والمواثيق بين أفراد البشر، وفيما لو تأطرت بقوالب شرعية وعقلائية فالوفاء بها واجب، ولكن بعض أشكال العهد الذي يقع من جانب واحد كأن يتعاهد الإنسان أن يبذل المعونة لشخص آخر فمثل هذه العهود تسمى (عهود إبتدائية) وكذلك أشكال الوعد الذي يقوم من جانب واحد، فالوفاء بهذا العهد أو الوعد غير واجب من الناحية الفقهية بل مستحب مؤكد، ولكن في المنظور الأخلاقي فالالتزام بها واجب ولازم وإلاّ فيحرم الإنسان من نيل الفضائل الإخلاقية والمقامات العالية الإنسانية.
وقد ورد في بعض الروايات أنّ الإنسان المؤمن إذا وعد غيره بشىء فإنّه بمنزلة النذر رغم عدم وجوب الكفارة عند عدم الوفاء به، كما يقول الإمام الصادق(عليه السلام): «عِدَةُ الْمُؤْمِنِ أَخـاهُ نَذْرٌ لا كَفّـارَةَ لَهُ فَمَنْ أَخْلَفَ فَبِخُلْفِ اللهِ بَدَءَ وَلَمِقْتِهِ تَعَرَّضَ وَقَوْلُهُ يـا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مـا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَِنْ تَقولُوا مـا لا تَفْعَلُونَ»(1).
وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مَنْ كـانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَفِ إِذا وَعَدَ»
أما عهد الإنسان مع نفسه فهو أن يتعاهد الإنسان بأن يلتزم خط تهذيب النفس وإصلاحها في طريق التكامل الأخلاقي والمعنوي والتحلي بالصفات الحسنة والأعمال الصالحة، وهذا العهد له دور مؤثر وبناء في سلوك خط التهذيب النفسي، وقد ذكره العرفاء الإسلاميون بأنّه أول مراتب السير والسلوك وذكروه تحت عنوان المشارطة، وهو أنّ الإنسان يتعاهد مع نفسه كل صباح بأن يسير في خط الطاعة والإيمان وإجتناب الذنوب والإبتعاد عن الموبقات والآثام، ثم يتحرك في سلوكه اليومي من موقع المراقبة الدقيقة لأعماله وسلوكياته ليطمئن على وفائه بذلك الشرط والعهد الذي أخذه على نفسه صباح اليوم، ثم تصل النوبة إلى المحاسبة في آخر اليوم وقبل النوم وهل أنّه قد إرتكب ما يخالف
ذلك الشرط الذي إشترطه على نفسه أم لا؟
ولا شك أنّ الإنسان القوى الشخصية ومن يتمتع بوجدان يقظ يهتم كثيراً بمثل هذه العهود والشروط مع نفسه وغير مستعد لنقضها بسهولة.
وعليه يمكن القول أنّ الالتزام بالعهود التي يقطعها الإنسان مع نفسه يعدّ أحد طرق تهذيب النفس ونيل الفضائل الأخلاقية في حركة التكامل المعنوي للإنسان.
================================================== ==
للمزيد والاطلاع راجع كتاب
الاخلاق القرآنية جزء 33
لسماحة آية الله الشيخ مكارم
الشيرازي
وبحوث في الفقه المعاصر جزء 2
1. اصول الكافي، ج2، ص36، ح1.