انها الثقافة…
انها الثقافة… ما حدث في الحادي عشر من أيلول في نيويورك وواشنطن، لم يكن حدثا عابرا، انه مفصل في التاريخ، حدث هز العالم وصدم كل من شاهده ولكل من له خيال، ان يتصور حالة ركاب الطائرات وهي تتجه نحو هدفها، وعلى متنها الركاب وبظمنهم الاطفال، انها جريمة مروعة، فاق خيال المخطط لها والمنفذ كل اعمال القتل التي يتصورها عقل مسكون بالبشاعة والجريمة. انه زلزال، يجب ان نعود اليه مرارا وتكرارا، لكي نعرف، لماذا وصل الامر بهذا الرهط من البشر، لكي ينزلوا الى هذا الدرك، ويسلكوا هذا المسلك الاجرامي؟
ان التبريرات الساذجة التي يتم حشو ادمغة الناس بها، مثل يأس القائمين بهذا العمل الاجرامي من سياسات الولايات المتحدة الامريكية، تجاه ما يتصوروه من قضاياهم العادلة، بهذا التبرير اعتقد ان كل انسان له قضية يعتقد انها عادلة وهو مغبون فيها، فله الحق ان يقتل ويذبح دون وازع من ضمير، انه تبرير معقول للاكراد والاشوريين و التركمان والبربر والمسيحيين في لبنان ومصر والسودان وغيرهم لكي يمارسوا مثل هذه الممارسات مع العرب، اليس كذلك؟ يا ترى ماذا سيكون موقفكم من قضايا هذه الشعوب العادلة والتي اكتوت بنار الاضطهاد القومي والديني والبعض منها بالناريين؟ لماذا لم يمارس الفيتناميين اختطاف الطائرات ولماذا لم يفرض الصينيين على الامريكان بهذه الطرق الارهابية قبولها الحاق فرموزا بالبر الصيني، وللذين يقولون ان الفقر والتخلف سبب اللجوء لمثل هذه الجرائم البشعة، نقول لماذا لم يمارس سكان افريقيا جنوب الصحراء مثلها وهم افقر شعوب العالم؟
لماذا لم نسمع ثوار ارتيريا الذين واجهوا اثيوبيا مرة بمساندة الغرب واخرى بدعم الاتحاد السوفياتي، يقومون بمثل هذه الاعمال البشعة، لماذا لم يلجأ ثوار المؤتمر الوطني الافريقي، في مقارعته العنصرية ونظام التمييز العنصري، بمثل هذه الوسائل؟ انها اسئلة تلد اخرى.
تحارب روسيا في الشيشان، يقتل المسيحيين، في لبنان او مصر او اندونيسيا وباكستان، ساندت اميركا في تحرير الكويت من الاحتلال الصدامي، كان المسيحيين في العراق يمنعون من استلام الحصص الغذائية، بحجة ان عليهم ان يستلموها من بوش الاب، تجري الحرب في بوسنيا بين الاعراق، يهان المسيحيين في كل ديار الاسلام.
هذا هو الواقع، العاري من الدبلوماسية، اذ ما الذي دفع هذه المجموعة لاقتراف هذا الجرم البشع؟ انها الثقافة، الثقافة التي تربي اجيال العرب، ثقافة الكره والحقد، لكل ما هو مغاير، ثقافة التي تمجد الذات، ثقافة خير امة اخرجت للناس، ثقافة كل ما فيها مقدس لا يمس، ثقافة لا تقبل النقد والتمحيص والتعديل. يدخل الطفل العربي المدرسة، ويبدأ تعلم الكره، فاليهودي والمسيحي مشركان (عندما يناقش المسلم المسيحي، يقول انهم من اهل الكتاب)، وبقية عباد الله كفار، بين اعوام 1836 و1933 تعرض الاشوريون المسيحيين في الدولة العثمانية والعراق، الى خمسة مذابح كبرى، تجاوزت تضحياتهم بين اصغرها في سميل -العراق حوالي ستة الاف قتيل، وخمسمئة الف في مذابح 1915-1917 وبقية المذابح ارقامها بين هذين الرقمين، لم نجد عربيا ومسلما اعترف بها، او ادانها، علما انها حدثت كلها تحت راية الجهاد، ولتصفية الكفار.
والمذابح اليومية التي تجري في اندونيسيا ضد المسيحيين وابناء الاديان الاخرى، تعلن يوميا، في الصحف، ولم نجد من يدينها، يتعرض الاقباط لحملة شرسة من التهديدات والسرقة المنظمة والقتل والاهانات، وليس هناك من يسأل ويدين. وتعلن على رؤوس الاشهاد، انها حرب لتصفية الكفار، قام حزب الله بتشجيع زراعة المخدرات في البقاع اللبناني، وقامت منظمات المجاهدين المسلمين بالعمل ذاته في افغانستان، وكانوا يعلنون عندما يسألون، اليس حرام ما تقومون به؟ كان الجواب الحاضر، اننا نزرعها لكي نبيعها للكفار.
انها امة تدرك انها متخلفة، وتدرك ان سبب تخلفها هو تمسكها بقيم وقوانين عفي الزمن عليها، ولكنها تخاف وكل فرد فيها يخاف الاخر، امة احترفت الذل والخضوع لحكام جهلة، كل حاكم يجد ما يؤيد وجهة نظره في الكتب الدينية، فالقرءان حمال اوجه ، امة خاضعة لسطوة ورأي اصحاب العمائم مهما كان مناقضا للعقل والمنطق.
اذ ليس الفقر والجهل والمظالم السياسية سبب احداث الحادي عشر من ايلول. انظروا الى مسألة التضخم السكاني الهائل، منذ اكثر من خمسون سنة يحضر العلماء من ان زيادة السكان بشكل مفرط، يعني ان لا يكون هناك الموارد الكافية لمعيشتهم وتطورهم، ان العالم الاسلامي وبتوجيه من قيادته السياسية والدينية اعتبر المسألة محاربة للاسلام، لكي لا يتكاثروا، وعندما تضاعفت اعدادهم، يريدون المساعدات لملء الافواه الجائعة، والا فانها (الافواه الجائعة) ستثور وتقلب الاوضاع، والاهم ان هذه الافواه الجائعة دربت وعلمت على كره الاخر المختلف.
* يوسف متاوي هو كاتب من المانيا.