العودة   منتديات الطرف > الواحات الأدبية > مكتبة المنتدى




إضافة رد
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 11-11-2003, 02:51 AM   رقم المشاركة : 1
ديك الجن
شاعر قدير
 
الصورة الرمزية ديك الجن
 






افتراضي

الطبعة: 1 مجلدات:1
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر تاريخ النشر: 01/10/2003
اللغة: عربي
<img src='http://www.adabwafan.com/images/products/1/52430.jpg' border='0' alt='user posted image' />

<span style='color:orange'>من الديوان :

في بيت أمي صورة ترنو إليّ ،
ولا تكف عن السؤال: أَأَنت، يا ضيفي أنا؟،
هل كنت في العشرين من عمري ،
بلا نظارة طبية، وبلا حقائب؟
كان ثُقْبٌ في جدار السور يكفي كي تعلمك النجوم هواية التحديق في الأبدي...
[ ما الأبديُّ؟ قلت مخاطباً نفسي ]
ويا ضيفي... أأنت أنا كما كنا فمن منا تنصًّل من ملامحه؟،
أتذكر حافر الفرس الحرون على جبينك،
أم مسحت الجرح بالمكياج كي تبدو وسيم الشكل في الكاميرا؟
أأنت أنا؟
أتذكر قلبك المثقوب بالناي القديم وريشة العنقاء؟
أم غيرت قلبك عندما غيرت دربك؟
قلت:
يا هذا، أنا هو أنت لكني قفزت عن الجدار لكي أرى،
ماذا سيحدث لو رآني الغيب أقطب من حدائقه المعلقة البنفسج باحترام...
ربما ألقى السلام، وقال لي:
عد سالماً... وقفزت عن هذا الجدار لكي أرى ما لا يرى وأقيس عمق الهاوية. </span>

.

لن يمنعك حنين حرية جسدك بالتحليق إلى محمود درويش لتقف عند بقعة أثيرية لا مرأية تكسبك شفافية تخولك الولوج إلى عمق المشاعر الإنسانية التي تحول الأشياء إلى مجسدات تستشعرها وتكون جزءاً منك. ففي شعره محمود درويش حسّ مرهف، وفي شعره أداء، وفي شعره عطاء، وفي شعره انسيابات موسيقية وفي شعره فلسفات وفي شعره مكونات تجعل من الشعر مساحة ترحل إليها النفس، وتسمو فيها الروح، وتنتشي على وقع موسيقاها، وعلى جمال معانيها إلى القاع.

.

ومن الديوان أيضاً (المؤلف):
أمشي كأني واحد غيري.
وجرحي وردة بيضاء إنجليزية.
ويداي مثل حمامتين على الصليب تحلقان وتحملان الأرض.
لا أمشي، أطير، أصير غيري في التجلي.
لا مكان ولا زمان.
فمن أنا؟
أنا لا أنا في حضرة المعراج.
لكني أفكر: وحده، كان النبي محمد يتكلم العربية الفصحى،
وماذا بعد؟ ماذا بعد؟
صاحت فجأة جندية: هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟
قلت:
قتلتني... ونسيت، مثلك، أن أموت .






.
.

 

 

 توقيع ديك الجن :
الدِّيكُ يمتدحُ هديلَ الحمامة؛ لأنَّ الحمامةَ تمتدحُ صياحَ الدِّيكِ .


حكمةٌ لا يهم أن تعرف قائلها !!

.
.
ديك الجن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-11-2003, 11:57 PM   رقم المشاركة : 2
ديك الجن
شاعر قدير
 
الصورة الرمزية ديك الجن
 






افتراضي

ولد الشاعر الفلسطيني محمود درويش في إحدى قرى عكا و هي قرية البروة* و ذلك عام 1941 م . و في عام 1948 قامت العصابات الصهيونية بتدمير القرية الأمر الذي دفع أهل القرية الى مغادرتها

وجد محمود درويش نفسه و هو في عمر السابعة لاجئاً في لبنان ، و لا يعلم شيئاً عن أهله، و بعد عام من ذلك عاد محمود درويش إلى فلسطين ليجد قريته قد دمرت و حل محلها مستعمرة صهيونية

كتب محمود درويش قصيدته الأولى حين كان طالباً في مدرسة قرية" دير الأسد" الإبتدائية .

أجبر محمود درويش على البقاء تحت المراقبة الإجبارية في منزله لم يسمح للشاعر محمود درويش أن يكمل دراسته العليا ... غادر محمود درويش إلى موسكو في عام 1970 م ومنها توجه إلى القاهرة عام 1971 م .
كان درويش مسؤولاً عن المركز الفلسطيني للأبحاث و محرراً في مجلة "شؤون فلسطينية" و مسؤولا في "الجمعية العامة للصحافيين و الكتاب الفلسطينيين" و يشغل الآن رئيساً لتحرير " الكرمل" .

<span style='color:firebrick'>صدر له قبل هذا الديوان :

- حالة حصار .
- جدارية محمود درويش .
- سرير الغريبة .
- لماذا تركت الحصان وحيداً ؟؟ .
- بالإضافة إلى الأعمال الشعرية في مجلدين
.
</span>


_____________________________
* البروة
تبعد عن عكا 10,5 كلم
ترتفع عن سطح البحر 60م المساحة 13542 دونما
عدد السكان حسب إحصائية عام 1945 , 1460 نسمة
عدد المنازل كان عام 1931 ,224منزلا
كانت القرية تقوم على تلة صخرية تتدرج في اتجاه سهل عكا و كانت الزراعة العصب الرئيسي لاقتصاد القرية فكان سكانها يزرعون القمح والشعير والذرة والسمسم والبطيخ كان نسبة المسلمين في القرية ما يقارب 91% و المسيحين 9% و كان في القرية مسجد و كنيسة و مدرستين
احتلت قوات الاحتلال القرية في 11 حزيران 1948 و قد سجل أهالي هذة القرية تضحيات باسلة إذ كانوا يقاومون عصابات الهاغانة المسلحة بأحدث الأسلحة بالفؤوس و العصي و القليل القليل من البنادق و سققطت القرية في تموز 1948 ،
و قد عثر في القرية على مصنوعات يعود تاريخها 2300 سنة و 900 سنة قبل الميلاد
في سنة 1950 انشئت مستعمرة احيهود في الجزء الغربي من أراضي القرية .








.
.

 

 

 توقيع ديك الجن :
الدِّيكُ يمتدحُ هديلَ الحمامة؛ لأنَّ الحمامةَ تمتدحُ صياحَ الدِّيكِ .


حكمةٌ لا يهم أن تعرف قائلها !!

.
.
ديك الجن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-11-2003, 07:09 AM   رقم المشاركة : 3
ديك الجن
شاعر قدير
 
الصورة الرمزية ديك الجن
 






افتراضي

تعريف الناشر:

لي حِكمةُ المحكوم بالاعدامِ:
لا أشياء أملكها لتملكني،
كتبت وصيتي بدمي:
"ثقوا بالماء يا سكان أُغنيتي!"
ونمت مُضَرّجا ومُتوَّجا بغدي...
حلمت بأن قلب الارض أكبر من خريطتها،
وأوضح من مراياها ومشنقتي.
وهِمتُ بغيمةٍ بيضاء تأخذني إلى أعلى
كأنني هدهد، والريح أجنحتي.
وعند الفجر، أيقظني
نداء الحارس الليلي
من حُلمي ومن لغتي:
ستحيا مِيتَة اخرى،
فَعَدِّل في وصيتك الاخيرة،
قد تأجل موعد الاعدام ثانية
سألت: الى متى؟
قال: أنتظر لتموت أكثر
قلت: لا أشياء أملكها لتملكني
كتبت وصيتي بدمي:
"ثِقُوا بالماء
يا سُكَّان أغنيتي!"







.
.

 

 

 توقيع ديك الجن :
الدِّيكُ يمتدحُ هديلَ الحمامة؛ لأنَّ الحمامةَ تمتدحُ صياحَ الدِّيكِ .


حكمةٌ لا يهم أن تعرف قائلها !!

.
.
ديك الجن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-11-2003, 07:14 AM   رقم المشاركة : 4
ديك الجن
شاعر قدير
 
الصورة الرمزية ديك الجن
 






افتراضي

سليمان بختي - صحيفة النهـاراللبنانية :

مهما تخفف الشاعر محمود درويش من أعباء واثقال، ومن صدمة الوصول أو نفاد الرغبات فانه يلبث في مجموعته الاخيرة "لا تعتذر عما فعلت" أمينا لحفرياته في الذات والمكان والقضية.

وإذا ثمة تفاصيل وأشياء وظلال فهي من لزوم ما يلزم القصيدة والغنائية والقول. ومحمود درويش يمضي هنا في شهوة الايقاع ويفرغ حكاياته ومشاهداته وأسئلته ولقطاته من أجل الحوار مع الخواطر والمصائر والذكريات. كأنه في ما يشبه مراجعة الذات والرغبات والمواقف، وفي اعادة صوغ الاسئلة وتركيب التفاصيل ومعايشة الاشياء محاولا الاجابة او التأويل او حتى التبرير، وعلى متن جملة شعرية مختلفة ومترعة بالابعاد والرؤى والجهات.

حديث الذات في قلقها ووحدتها وظلالها وأشيائها. لكن السؤال ماذا يريد محمود درويش من "لا تعتذر عما فعلت"؟ أحسب انه يجمع ما يريده في كلمة الحرية، فقصيدته هنا نزوع متواصل الى الحرية، نداء لشوق مكبوت، صهيل مستمر لريح في هبوب، وأشرعة تسعى الى أفق. وحين الذات على ريح من القلق والوحدة كيف يغدو التئامها مع المكان، فثمة ما يحيل عمل صدمة لا على حلّ:

<span style='color:orangered'>"إن عدت وحدك، قل لنفسك

غيّر المنفى ملامحه...

ألم يفجع أبو تمام قبلك

حين قابل نفسه:

لا أنت أنت

ولا الديار هي الديار"
(ص9).

وحيال التنافر والتناقض والاختلاف والتغيّر، ماذا ينقص غير الحرية لتغدو الذات والمكان نسيجا قويا متحدا. وتبقى البلاد هي البلاد، في داخلها وخارجها، وفي تناقضها ومأسويتها، حدثا يعصي الفهم، يعصي القبول:

"بلادنا في ليلها الدموي

جـوهـرة تشـع على البعيد على البعيد

تضيء خارجها

وأما نحن، داخلها

فنزداد اختناقاً"
(ص40).

أو:

"أما انا فأقول، لأسمي: أعطني

ما ضاع من حريتي"
(ص77).

وفي القضية يكاد اليقين يخبو، فالقضية عبء على ليل المؤرخ وعلى الرسام وعلى الجنرال، و"النسيان ضروري لذاكرة المكان" (ص102). ما بين الفكاهة والمتاهة يأخذنا التردد الى الأقاصي، ولا يتخلى محمود درويش عن الحوار، حركة الحوار الداخلي والاشياء والأمكنة والتاريخ، وغالبا في مقاربات عميقة:

"أولى أغانينا دم الحب الذي

سفكته آلهة

وآخرها دم سفكته آلهة الحديد".
(ص46).

والأمكنة لا تتوقف في الصورة او في الظلال بل تظل تنزف من الروح صورا ورموزا: القدس، بيروت، مصر، تونس، الشام، السياب والعراق. ولا أعرف هل يمارس درويش تجوالا شعريا في الامكنة ليصل الى أبعاد مجردة بين النسيان والحضور كأن النسيان طريق آخر غير الحلم لبلوغ الحرية، مثلما هي المعاناة طريق الحياة:

"انني حي

وحرّ

حين أنسى"
(ص73).

أو:

"لا تذكروا من بعدنا

إلا الحياة"
(ص58).

كتب مرة أوكتافيو باث: "الشعر هو اعادة غزو للبراءة الاصيلة". محمود درويش في "لاتعتذر عما فعلت" يعيد غزواته وتنويعاته على ايقاع الزمن وتحولاته والمكان وآماله وخيباته، والذات وتأملاتها وتباريحها. وفي كل ذلك يترك خلف قصيدته أسرارا وشكوكا وشظايا وورودا من صمت. وماذا بعد؟

"صاحت فجأة جندية:

هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟

قلت: قتلتني... نسيت، مثلك، أن أموت".
</span>









.
.

 

 

 توقيع ديك الجن :
الدِّيكُ يمتدحُ هديلَ الحمامة؛ لأنَّ الحمامةَ تمتدحُ صياحَ الدِّيكِ .


حكمةٌ لا يهم أن تعرف قائلها !!

.
.
ديك الجن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-01-2004, 11:44 PM   رقم المشاركة : 5
ديك الجن
شاعر قدير
 
الصورة الرمزية ديك الجن
 






افتراضي

(1/3)
قــراءة فـي ديـوان "لا تـعــتـذر عـمَّـا فـعـلـت" لـمـحـمـود درويـش

إنـشــــاء لـغــــة الـمـكــــان

ديـمـة شـكـر


لا يفعل النقد شيئاً سوى مواكبة الإبداع راسماً مساره النظري الخاص، الذي يتشكل من البحث عن صواب يجمع النصوص ويوحد المسيرة الإبداعية. متخففا مما تناثر هنا وهناك على الطريق من اخطاء قاده القلب المنفعل اليها، ومحتفياً - او محتفظاً سيان - بما حرك عاطفته وجرفه في آن واحد. فالنظرية لا تقدر ان تتوقف عن ملاحقة الإبداع والا انطفأت. لا تسابقه لتنبئ عنه، ولا توازيه لتحتويه، بل تنمو وتتشكل الى جانبه.

اخطأ النقد مرة اذ قال ان درويش انشأ وطناً في القصيدة، كما لو ان المجاز يستطيع ان يكون بديلا جمالياً من الوطن. او الاخطر كما لو ان المكان لم ينوجد بعد ويحتاج الى انشاء وبناء وتكوين.

ما كان في حاجة الى تكوين هو لغة المكان لا المكان. والطريق واضح من المكان الى اللغة لا من اللغة الى المكان. ففلسطين موجودة في مرمى البصر، بيد ان فراستنا حيالها لم تكن ذات بصيرة. فلغة فلسطين اصابها العطب حين انفصل المكان عن الزمان وانكسرت الخريطة. في هذا الديوان لا يكتب درويش الا فلسطين، كما هي الآن لا المتخيلة ولا الفردوس المفقود، بل يكتب هنا - اخيرا - الحاضر. لا الامس وبكاء الحنين، ولا الغد المتخيل المأمول. يكتبها بلغة لا تدل الا عليها ولا تشير الا اليها.


"لا تعتذر عما فعلت" هو ديوان "العودة الناقصة" لكن المتحققة فعلا، خلافا للعودة المتخيلة في "مأساة النرجس ملهاة الفضة"، تلك العودة الى المكان تمت من طريق التخييل، حيث كان صوت الشاعر منضويا بسلاسة الى هذا الحد او ذاك تحت صوت الجماعة، مخبرا عنها ومرشدا لها في الطريق الى البلاد التي "لم تصب بأي سوء". اما في "لا تعتذر عما فعلت" فان صوته صوت الفرد، وعلى وجه الدقة صوت الذات في اضيق صورها واوسعها في آن واحد: تضيق الذات بتأمل شؤونها الخاصة بيد ان الاستعارة هي رافعتها نحو الاتساع لتحوي صوت الجماعة. هناك نوع من التداخل الشفيف بين الصوتين: صوت الذات وصوت الجماعة، والشاعر لا يتبنى صوت الجماعة لينطق بصوته الذاتي، ولا ينتقي الرموز ولا يتكئ عليها لبناء استعاراته. بل على العكس تماما، ينطق بصوته الذاتي حاملا الجماعة في وجدانه، ويبتدئ من المعيش والمحسوس ليبني استعاراته. وعماد البناء ايقاع لا يعتوره نقص، وذات تضيق وتتسع، فلا تنعزل ولا تنفصل. صوت الانا صوت ذاتي محض، بيد انه لا يخبّر عن ذات مغلقة تحتفي بنرجسيتها بتاتا، بل عن ذات كريمة تفسح في المجال - كما دائما - لذوات اخرى. ما يحدث هو لا رحلة ولا عودة، بل بين بين. نوع من الغوص في الذات والمكان غير انه ثنائي بامتياز، فهو رحلة غوص الذات الى ذاتها وذواتها وفي ذاتها وذواتها، مثلما هو رحلتها الى المكان وفي المكان في آن واحد.

لا بد من تفصيل اخير: كتب صبحي حديدي مرة عن "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" واقترح له قراءة تعنى بسيرة المكان وتحديدا بـ"مستوى سيرة المكان غير المنفصل عن الجغرافيا وعن امتداد التاريخ فيها. هذه، بمعنى آخر رؤية حداثية بالغة العمق لمعنى علاقة الكائن بالحضور والزوال في الزمان والمكان" (مجلة "القاهرة" عدد 151) وكان صائبا الى حد بعيد في قراءته تلك حين جاور الحضور والزوال مع المكان والزمان، اذ في سيرة المكان تلك قدح المكان زناد الذاكرة، مثلما قدحت الذاكرة زناد المكان، وفي الحالين اندلع الحنين كما يحدث في "السيرة الشخصية" التي تلونت بسيرة جماعية الى هذا الحد او ذاك، لكنها احتفظت لنفسها بغرفة هي غرفة الذات او "غرفة للكلام مع النفس". واجواء تينك الغرفة يمكن ان نستشفها في "لا تعتذر عما فعلت".

"تحت سطح كلامي، تحت سطح نشيدي التراجيدي، تنتشر ارض فلسطين التاريخية": كتب درويش بعد اوسلو ردا على الضجيج الذي صاحب اعلانه الاستقالة من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي هذا الديوان تنتشر ارض فلسطين التاريخية فعلاً لا مجازا. ويمكننا ان نتسلم مفتاحين من الشاعر: نصف بيت لأبي تمام ونصف بيت للوركا. ونبدأ رحلة الذات وفيها ورحلة الى المكان وفيه، تداخلهما معا وتزاوجهما اللانهائي بين الدخول وبين الخروج .



هندسة بادية وهندسة خافية

كما في "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" و"سرير الغريبة"، يهتم درويش بترتيب قصائده في الديوان، وإن كان الترتيب المعلن يقول ان للديوان هندسة بادية من ستة اقسام كما سابقيه، فان القسم الاول والذي يحوي جلّ الديوان مرتب وفق هندسة خافية، اذ يمكن وضع مجموعة متجاورة من القصائد تحت مشترك يجمعها، كأن تكون قصائد الحب او قصائد المدن مثلاً تشكل قسماً بمفرده. لكن قوة التجاور الماكر للقصائد تطرد اي هندسة واضحة تحاول فصل القصائد وترتيبها في مجموعات. فكل قصيدة متعلقة بهذا القدر او ذاك بالتي تسبقها وبالتي تليها. وكل قصيدة منفصلة بهذا القدر او ذاك عن التي تليها والتي تسبقها. وفي تواتر الاتحاد والانفصال، تتكون "الذات" وترسم ذاتها: مرة من تداخلها مع ذوات اخرى الى حدود الالتباس البليغ، ومرة من تزاوجها مع ذوات اخرى الى حدود التماهي غير البريء. وفي تواتر الاتحاد والانفصال لا توفر حتى الامكنة، ولا ترى في الامكنة الا "ذات" الامكنة. ذات شفيفة وغنية تقدر ان "تدخل في ابرة امرأة من نساء الاساطير، ثم تطير كشال مع الريح". وفي تواتر الاتحاد والانفصال ثنائية وحدود: اما الثنائية فهي الذات من جهة وكل شيء آخر من الجهة الثانية. واما الحدود فهي السياج الرهيف الدقيق بين "الداخل" وبين "الخارج" تماما. وبكلام آخر فان الذات هنا على السياج ترنو تارة نحو "الداخل" وتغوص في ذاتها وتلتقي هواجسها واشغالها، وتلتقي الذوات الاخرى وتتماهى معها. وترنو طورا نحو "الخارج" لتزور امكنة وتحاور ذوات شاعرة تلتقي معها في اكثر من مشترك: ربما يوحدها مع تلك الذوات ضرورة الشعر وضرورة الحلم، فالشعر حلما والحلم شعرا صنوان يبددان بريشهما الحريري الواقع الهمجي.

اذا كان الاقتراح بالوقوف على السياج مقبولا يمكننا ان نقسم الديوان قسمين: الأول شهوة الايقاع ، والثاني الاقسام الخمسة الباقية. في الاول يبدو الشاعر ذاتيا يغوص في ذاته ويلتقي ذوات اخرى، يلتقي مع الانا في شبابها وعلاقتها بمكانها، مثلما يلتقي مع اسمه الذي انفصل عنه واصبح ذاتا مستقلة طاغية على الأنا البسيطة الانسانية التي لا تنفك تعلن على الدوام هشاشتها ورغبتها بالحرية. مثلما يلتقي بالآخر ويحدس بما تفكر ذات الآخر في المقهى مثلا، وعن الخوف المشترك للذات من ذات اخرى. وما تفكر فيه ذات الآخر عن حياتها في هذا المكان الذي "لا شيء فيه يعجبها"، بينما ذات الشاعر تعبت من هذا السفر، او ان يطلق العنان لذاته كي تفكر على هواها في انتظار موعد عاطفي مع ذات اخرى. وهي ذات غنية تسمع ما تقول به ذوات اخرى عن السروة التي انكسرت، وتحتفظ لنفسها برأيها الخاص. لكن تلك الذات لا تقصي قارئها، اذ تسمح له ايضا ان يخبر هو بدوره عن السروة التي انكسرت. فلربما يتماهى القارئ مع ما تقول سيدة لجارتها، وربما يرى ان انكسار السروة "ظل الشجرة" يشبه انكسارا في الخريطة او اي شيء آخر. هناك قارئ "آخر" سيرى في السروة شيئا مختلفا حتما. فالفكرة ان المشهد قد تغيّر، وتستطيع الذات ان ترى التغيير من زاوية تخصها. والفكرة الاعمق التي يمكن النظرية ان تنتبه اليها هنا هي ان الاستعارة لا تأتي من الرمز ثم تنتقل آلياً وتصبح في المحسوس لتبدو كأنها اقتُلعت من موطن ذهني مجرد، يرى في الاشياء مشاريع لرموز يسهل او يصعب تأويلها. بل ان الاستعارة تأتي مما هو محسوس ومعيش ومنه تنتقل الى التجريد والترميز لتتنزل تماما في اوطانها، وهو ما تفطن اليه العرب قديما. فقد ذكر ابو الحسن حازم القرطاجني في كتابه الشهير "منهاج البلغاء وسراج الادباء" في معرض كلامه عن طرق استثارة المعاني واستنباطها كلاما آسراً: "فاذا كانت صور الاشياء قد ارتسمت في الخيال على حس بما وقعت عليه في الوجود، وكانت للنفس قوة على معرفة ما تماثل منها وما تناسب وما تخالف وما تضاد، وبالجملة ما انتسب منها الى الآخر نسبة ذاتية او عرضية ثابتة او منتقلة، امكنها ان تركّب من انتساب بعضها الى بعض تركيبات على حد القضايا الواقعة في الوجود التي تقدم بها الحس والمشاهدة. وفي الجملة الادراك من اي طريق كان، او التي لم تقع لكن النفس تتصور وقوعها لكون انتساب بعض اجزاء المعنى المؤلف على هذا الحد الى بعض مقبولا في العقل ممكنا عند وجوده، وان تنشىء على تلك صوراً شتى من ضروب المعاني في ضروب الاغراض".

وهنا ايضا الذات التي تحلم وتتحاور مع ذاتها تسألها عن ماهية الحلم، وتريد ان تقبض على تلك اللحظات السرية بعد الاستيقاظ من الحلم راكضة وراء التداعي وصوره الغريبة. والذات الشاعرة حين تتأمل الغيوم وترى كيف تتفتح وتتشكل كما لو كانت الغيوم شعرا متناثرا. ومن اجواء الذات الشاعرة يطلق الشاعر العنان لها كي تفكر بالشعر، ما هو؟ وكيف؟ بما يكتب وبما لا يكتب، فنقع فورا في دائرة السحر والفتنة في تلك القصيدة الماكرة اللماحة "قل ما تشاء"، فما من حيلة تنفع مع الهام معاند، لأن الشعر لا يتنزل قسرا ولا قهرا، ولا احد يدري من اين يبتدئ الكلام.

ولعلاقة الذات بأمكنة زارتها خصوصية ساحرة، فبيروت والشام ومصر وتونس والعراق، هي في هذه القصائد مدن فقط، لا نساء مدن ولا مدن نساء. على اختلاف عما هو متوقع من استعارة لعشق المكان تفضي الى كناية عن عشق الانثى في المكان. باهرا كان ام قاهرا هذا العشق فهو لا يخص الا "ذات" المدينة.

في الغوص غنى وتنوع لا ينتهيان، فيه كل شيء يحيل على الثنائية: هنا الايقاع يقودنا في القصيدة الاولى، وعبر الايقاع نشاهد ولادة تمت على دفعتين: الاولى عبر او في بيت امه، اما الثانية فهي بعد او عبر "لم اعتذر للبئر"، اذ ان كل فكرة في القصيدة تنمو من بذرة في القصيدة التي سبقتها، مثلما تلقي بذارها بدورها في القصيدة التي تليها، جاعلة من الانفصال والاتحاد فنا آسراً.

للشهداء دائما حصة في مشهد درويش آن يغوص في ذاته، وللمفارقة - ولا مفارقة - نرى الشهيد هنا وقد تبلورت ملامحه لكنه قطعا لم يتغير، فالشهيد في "لا تعتذر عما فعلت" هو الشهيد ذاته في "وعاد في كفن". يبقى الذات الانسانية نفسها، يحتفظ بجوهره الانساني في حبه للحياة ورغبته المميتة بها. وذات درويش لا ترى فيه الا تلك الذات المتشبثة بانسانيتها، والتي لا تحب الا الحياة ما استطاعت اليها سبيلا. وللآخر كذلك حصة، فالذات المنفتحة الواثقة من صلابة هويتها/ انسانيتها لا تنغلق امام ذات الآخر، ولا ترى نمطية فيها، بل تحدق في انسانية ذات الآخـر، هشاشتها وقوتها وضعفها الانساني، وذات الشاعر المكينة من انسانيتها تدخل ذات الآخر حتى انها ترى فيها شبيهاً لها في الخـوف الانـساني مـثلاً، وتسألها عن الضحية.

أما الأقسام الخمسة الباقية فيجمعها شؤون الحلم وأطواره في الواقع، عبر حوارات وزيارات لأمكنة محددة بدقة، نعرفها من تشكيلها البصري كما في "على طريق الساحل"، ومن لغتها التي لا تدل الا عليها. لقد امتلك الفلسطيني الآن لغة المكان رغم وجود الآخر المقيم/ العابر فيه. وهذا يبدو واضحاً في قصيدة "لا كما يفعل السائح الأجنبي"، إذ أن الكنائس الثلاث والسنديان على الجانبين يكفيان ليخبرانا بأنّا في البروة.

في الديوان ثلاثة حوارات مع ثلاثة شعراء، هي حوارات مع الشاعر مع ذوات شاعرات أخرى، في كل منها شيء من ذاته، يتفق ويختلف معها، ويعاين معها شؤون الأمل والحلم ويسأل بصواب عن شؤون الفعل المضارع.

رغم ان درويش لا يكتب ولا مرة اسم فلسطين في الديوان (مرة واحدة في قصيدة "كحادثة غامضة" ولكن ليس على لسانه) الا أنها هي الحاضرة التي لا يشير اليها ولا يلفظ اسمها، وانما نعرفها من لغتها ومن لغتها فقط. او بصورة أدقّ من لغته: "لغتي مجاز للمجاز فلا أقول ولا أشير الى مكان. فالمكان خطيئتي وذريعتي" كما كتب في "الجدارية"، ولئن كان سياق "الجدارية" يوحي إن هذه هي أمنية عزيزة قد تحققت، درويش كتب لفلسطين أجمل ديوان وانشأ للمكان لغته.










.
.

 

 

 توقيع ديك الجن :
الدِّيكُ يمتدحُ هديلَ الحمامة؛ لأنَّ الحمامةَ تمتدحُ صياحَ الدِّيكِ .


حكمةٌ لا يهم أن تعرف قائلها !!

.
.
ديك الجن غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 07:47 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد