الحلقة الثانية
ويستمر التحدى
ورغم كل الالم القاتل الذى كان يسرى عبر كل العروق والاعصاب ورغم كل الدماء التى كانت تسيل من مختلف اعضاء بدنى تمسكت بالنفى والانكار وتحديت كل ماكنه العذاب الصداميه بالايمان بالله والتوكل عليه , الا انه ولعلمى بان جلادى الامن سيفتشون بيتى شبرا شبرا... ولكى اكسب قسطا من الوقت التقط خلاله انفاسى استعدادا للوجبات القادمه من العذاب قلت لهم انى املك مسدس شخصى احتفظ به بالبيت لغرض الدفاع عن النفس ضد اللصوص كما هى عادة اكثر العراقيين , وهو مسدس قديم وصدئ ورثته من ابى , وهو الان مدفون فى حديقة المنزل ولا علاقه له بما تحققون حوله , هنا كاد المحقق ان يطير من شدة الفرح ,اذ اعتبر نفسه يسجل اول انتصار فى هذا الملف وذلك بانتزاع الاعتراف بالسلاح منى فقال؟ مسدس ؟ سلاح ؟ تمام هذا هو المطلوب واطلق ضحكة خبيثه وقال نحن نعرف العملاء والجواسيس يجلبون الاسلحه من الخارج لتعريض امن القطر والحزب والمواطنين للخطر ! هى لنذهب وناتى به وهكذا ورغم انى الضعيف الذى لا يملك اى حول او قوه غير أيمانه وتوكله على الله عز وجل والمقيد بين يدى الجلاوزه الدمويين الذين يمتلكون كل اسباب القوه الماديه , لقد سجلت اول انتصار على خدعهم الماكره اذ استطعت الحصول على عدة ساعات من الراحه ارتب خلالها افكارى وخططى لمواجهة عمليات التحقيق القادم , واستعيد بعض قواى الجسديه لمواجهة وجبات التعذيب الأتيه اذ لولا هذا الاعتراف الخطير لاستمر التعذيب دون اى وقفه , وبسرعه خاطفه احضروا سيارة خاصه ونقلونى فيها مكبلا اليدين ومعصوب العينين الى البيت , واخرجوا المسدس من حديقة المنزل وفوجؤا ان المسدس قديم وصدئ رغم انهم كانو يتوقعون ان يكون هذا خيطا يدلهم على مخزن للسلاح ... فصاح احدهم ما هذا ؟ انه لا يقتل قطه؟؟ !
قلت لكم بانه قديم وصدئ ولاكنكم جعلتموها قضيه ومن ثم عادو بى الى الدهليز المظلم مرة اخرى وهم يتفجرون غضبا لانهم لم يعثروا على ما يتمسكون به لادانتى وبدأ مره اخرى مسلسل التعذيب .. التعليق بالصناره والضرب بالسياط واستخدام القضبان الكهربائيه وكلما كان العرق البارد يتصبب منى كانت دقائق الاستراحه حيث يطرحوننى على الارض مكوما على نفسى واصارع الألام والجروح ريثما يعودوا مرة اخرى للتعليق وتطبيق مبادئ السيد الرئيس ولما عجزوا بعد أيام من التعذيب من الحصول على اية اعترافات عن السلاح والانتماء للتنظيم اخذ المحقق يصر على كشف اسماء الاصدقاء وكانت بالطبع مراوغه ماكره لاستدراجى الى الاعتراف ولو بشئ بسيط لكى يتمسكو به لانتزاع اعترافات متسلسله اخرى وهنا لا بد من تسجيل هذه التجربه التى تؤديها كل وجبات التعذيب وحالات الصمود او الانهيار التى تقول ان الاعتراف ولو بشئ بسيط يجرد الفرد الى اعترافات اخرى ,وبالتالى فان وجبات التعذيب واساليبه تتضاعف وتشتدخلافا لما قد يبدو للانسان فى الوهلة الاولى بان الاعتراف قد ينهى التعذيب او يخفف من حدته... ذلك ان الجلاد بمجرد حصوله على اول اعتراف فانه يضاعف الضغط اكثر فاكثر لانتزاع اعترافات اخرى ولا يقتنع ابدا بان هذا الاعتراف هو كل ما لدى السجين بينما الصمود والمقاومه والتمسك بموقف الانكار والنفى يقنع الجلاد شيئا فشيئا بان السجين لا يملك شيا يعترف بها حيث كان يقول احد الجلادين ان السجين المنهار الذى يعترف يشبه الاسفنجه نضل نعصرها باستمرار اذ كل ما عصرناها خرجت منها ولو قطرة واحده , وبدات المراوغه الماكره
قال المحقق الجلاد ثبت عندنا انه لا شئ لديك تعترف به ولاكن نريد منك اسماء اصدقائك هنا تظاهرت بانه لا مانع لدى من ذلك فاعطيته اسماء الزملاء والاصدقاء فى العمل ,فقال ليس هذا المطلوب ومن ثم اعطيته اسماء بعض المعارف والاقرباء الذين ليس لهم اي نشاطات سياسيه او هم من المتواطئين مع النظام الا ان الزرقانى الذى كان خبيرا بالحركات الاسلاميه وكان يعرف ادق التفاصيل المرتبطه بالاسلاميين اذ كان يتمتع بخبره طويله فى التصدى للنشاطات الاسلاميه منذ عام 74 حيث كان مسؤولا عن ملف مجموعة الشهيد عارف البصرى , وفى احدى وجبات التعذيب بدا لى ان اذكر اسم (كوثر الزبيدى) وهى منتمية لحزب صدام حسين وكانت تعمل فى مركز البحوث النوويه , فارتاح الزرقانى لهذا الاسم , لانه تصور الامر انه سيكون بداية الخيط , اذ ان الاسم يبين انها شيعيه اذن فهى صيد سمين ولاكنه سرعان ما خاب امله عندما بدأ اتصالاته بالمركز فاكتشف ان كوثر الزبيدى هى من اعضاء حزب السلطه ولا يمكن ان تكون لها علاقه باى نشاط اسلامى معارض على كل حال كنت حريصا على عدم البوح باسم اى شخص من الاصدقاء الاسلاميين او الزملاء المتدينين لكى لا اكون سببا بتوريط احد من المؤمنين بهذه المحنه وقد وفقنى الله عز وجل وبعد ايام عديده من عمليات التعذيب المتلاحقه والتى كانت تستمر ليل نهار بالطريقه التى شرحتها وعندما يأسو من الحصول على اية معلومه تنفعهم فى ما يخص ملف السلاح والتنظيم الاسلامى و اصدقائى الاسلاميين المعارضين قرروا فتح ملف جديد وهو العمل فى مركز البحوث النوويه
مفاعل تموز
قال المحقق مراوغا ثبت لدينا انك انسان مخلص ومتدين ولاكن بقى موضوع مهم ارجوك ان تحدثنا عنه وينتهى كل شئ نريد منك ان تقول لنا من الذى نسف المعدات النووية فى فرنسا والتى كانت على وشك ان تشحن من ميناء مرسيليا الفرنسى الى مفاعل تموز النووى وهنا برزت قضيه لم اكن اتوقعها فما هو مفاعل تموز ؟
بدأ الروس العمل فى انشاء المفاعل النووى قبل استيلاء حزب البعث على السلطه عام 68 الا ان العمل توقف فيه بسبب توتر العلاقات بين الروس والنظام العراقى جراء الازمه مع الشيوعيين بالداخل وفى عام75 بدأت المفاوضات مع الفرنسيين لبناء مفاعل نووى جديد يعمل بقدره عاليه وفى عام 77 ابرمت اتفاقيه مع الفرنسيين وكنت مع الدكتور ضياء جعفر المسؤلين الرئسيين لمتابعة الامور الفنيه لهذا المفاعل النووى وكان الفرنسيون يسمون هذا المفاعل اوزيراك بينما كان يسمى فى العراق مفاعل تموز وكان المفروض استخدامه للاغراض السلميه الا ان صدام حسين كانت تحوم فى رأسه افكار وطموحات شيطانيه اخرى لم يكشف عن حقيقتها وفى عام 79 نسفت المعدات التى كان من المفروض ان تنقل من ميناء ميرسيليا الفرنسى الى مفاعل تموز فى العاصمه بغداد لذلك اضاف جلاوزة الامن هذه القضيه الى ملفى وطلبو منى الكشف عن العراقى المتواطئ مع الاسرائليين لنسف هذه المعدات وباختصار شرحت لهم كل ما اعرفه عن المشروع .. فقلت لقد سافرت الى فرنسا للتحقيق فى هذه المسأله وقد اثبت فى التحقيقات التى اجريناها مع الفرنسيين عندما كنت مسؤولا فى منظمة الطاقه الذريه بأن العمليه تخريبيه قام جهاز الاستخبارات
الاسرائيليه وبالتنسيق مع بعض الفرنسيين فنحن لم نكن نعرف تاريخ شحن المعدات لان الفرنسيين لم يكونو قد ابلغونا بذلك فنحن عادة نبلغ بهذه التفاصيل بعد الشحن وقد استبعدنا نحن والفرنسيون اى تواطئ من داخل العراق لانها نسفت عندما كانت فى مخازن الميناء الفرنسى قبل شحنها فالمسأله واضحه جدا وكل الدلائل تشير على ان التواطئ لبعض العاملين فى الطاقه الذريه الفرنسيه مع جهاز المخابرات الاسرائيليه كان وراء عملية التخريب قال المحقق لمحاولة استدراجى فى ما يريد ... تتوفر لدينا معلومات مؤكده بان الدكتور جعفر ضياء كان متواطئا معهم لان والده كان وزيرا فى العهد الملكى وهو نشأ ودرس فى انجلترا اذن فهو الطرف الذى كان على اتصال مع المخابرات الغربيه واما انت فانك متدين فلا يمكن ان تعمل مع الغرب او المخابرات الغربيه وكانت العبارات الاخيره مراوغات ماكره لاستدراجى للتعامل معهم وادلاء اية اقوال ضد الدكتور جعفر فاجبتهم استبعد هذا الكلام لان المخابرات الغربيه لم تكن بحاجه للحصول على معلومات من الدكتور جعفر لان المعدات وكل المعلومات المتعلقه بالمشروع كانت عندهم وليس عندنا ولما عجز المحقق عن تحقيق هدفه دخل من باب المساومه .. نحن سوف نطلق سراحك ولاكن بشرط ان تقول لنا ان الدكتور جعفر هو عميل متواطئ ونؤكد لك باننا سنغلق ملفك فى ما يرتبط فى التنظيم الاسلامى و.... و.... الا ان موقفى لم يكن غير الاصرار على جوابى وهو انى لا استطيع ان انسب للدكتور جعفر مثل هذه التهمه صحيح ان الرجل ليس ملتزم دينيا ولاكن من المستبعد جدا ان ينسق مع المخابرات الاجنبيه وهنا تغيرت لهجة المحقق وراح يقسوا فى اساليب التعذيب وهو يسأل مره اخرى عن علاقاتى التنظيميه وارتباطى بايران وعشرات التهم السياسيه الخطيرة الاخرى تصحبها وجبات دسمه من التعذيب الرهيب .... لقد عجز الجلادون عن انتزاع اية معلومات حول ما يريدون وبائت كل اساليبهم القاسيه والمراوغه الى الفشل وفى الحقيقه كانت ال 22 يوما التى قضيتها فى غرفة التعذيب بكل ما تحمل من ارهاب وقساوه دمويه وبكل ما يمارس جلاوزة الطاغيه فيها من اساليب شيطانيه لتحطيم معنويات الانسان وكسر مقاومته واخضاعه لما يريده الجلاد وسلب ارادته وحريته امام ماكنة العذاب التى تبدع السلطه الصداميه كل يوم فى تطويرها واضافة اساليب جديده فى التنكيل والقمع كانت هذه الايام فترة اختبار صعبه وفقنى الله تعالى للصمود ومقاومة تحدى كل الضغوط والخروج منها مرفوع الجبين واخيرا قرر الجلاوزه نقلى من غرفة التعذيب الى الممر المظلم بين مجموعتين من الزنزانات الدمويه وخلال فترة وجودى فى الممر لم يتصل بى احد او يكلمنى اى شخص حتى الشرطه انفسهم وانا معصوب العينين ومكبل اليدين وكان اسلوبا ماكرا لادخال المزيد من الرهبه والوحشه والاحساس بالوحده لدى السجين , وبعد فترة نقلونى الى غرفه خاصه يطلق عليها عنوان غرفة القياده بسبب اهمية الافراد المسجونين فيها واشير هنا فقط تلك الاساليب التى استخدموها معى وانه يوجد هناك عشرات الاساليب الاخرى المبتكره بواسطة حزب السلطه كمثال المثقب الكهربائى لثقب العظام والمنشار الكهربائى لقطع الاصابع .. شعلة النار الغازيه التى تسلط على بعض اعضاء الانسان خاصه الاعضاء التناسليه حتى تتفحم وسائل التيزاب والمكواة الكهربائيه . ولاكنهم لم يستخدموا هذه الاساليب ضدى وذلك لان هذه الاساليب تترك اثار ظاهره على الجسم .. هذا وقد كان مركز البحوث النوويه كما عرفت فيما بعد قد طلب من جهاز الامن اعادتى الى العمل اذ لم تثبت التهم المنسوبه الى لذلك كانو حريصون على تعذيبى بدون ترك اى اثار على جسمى
بعد فترة التعذيب والتحقيق التى استمرت 22 يوما من 4 الى 26 كانون الاول عام 79 وضعونى فى هذه الغرفه ويداى مشلولتان تماما بسبب التعليق بالصناره وقواى البدنيه منهكه بحيث لم استطع حراكا وكانت هذه الغرفه تظم عددا من قيادات حزب الدعوه منهم عبد الامير المنصورى من البصره احد مسؤولين الحزب وكان المعتقلون فى هذه الغرفه يقضون معظم اوقاتهم بالصلاة والدعاء والتضرع الى الله عز وجل بينما كان رجال الامن يراقبونهم ويمنعونهم من التحدث فى ما بينهم اما وضعى الصحى فكان متدهورا للغايه اذ لم اكن من شدة اثار التعذيب استطيع القيام من مكانى بل لم يكن بمقدورى تحريك يدى واصابعى حيث كنت اشعر بان اعصاب الكتفين واليدين متقطعتين تماما بسبب التعليق الطويل ولعشرات المرات بالسقف الا اننى كنت وبفضل الله تعالى استعيد قواى شيئا فشيئا وبشكل تدريجى وكان الاخوه المؤمنين فى الغرفه يساعدوننى بالقيام بشؤونى الخاصه وكانت العلاقات بيننا علاقات ود وتعاون وفى هذه الغرفه سالنى عبدالامير المنصورى والذى كنت التقى به اول مره فى حياتى هل ذكرت اسم من اسماء الاسلاميين المعارضين فاجبته بالنفى وكان عبدالامير يعرفنى عن طريق صديقى ص .ف الذى كان المنصورى مسؤوله التنظيمى بينما لم اكن اعرف انا بذلك وفى احدى الايام دخل الجلاد فاضل الزرقانى الغرفه وخاطبنى كيف حالك ؟
فقلت له الحمد لله فقال لقد عثرنا على صاحبك الذى اعطاك المنشور وقد اعترف عليك بكل شئ وكان عناصر الامن قد عثروا اثناء التفتيش فى البيت على منشور كان قد جلبه لى شخص من انجلترا وكان المنشور يحتوى على اسماء مجموعه من المعدومين كان منهم المهندس علاء الشهرستانى وهو ابن عمى وفى التحقيق الدموى قد انكرت معرفتى باسم الشخص الذى جلب لى المنشور وكان هذا هو الحقيقه اذ ان الشخص المعنى لم يكن يعرفنى ولذلك فقد اوصل المنشور لى عن طريق صديق مشترك هو ح . ر وتحت اصرار المحقق لاعترافى باسم الشخص الذى اعطانى المنشور قلت له اتذكر ان اسمه مركب من كلمة عبد ومن ثم اسم من اسماء الله الحسنى الا اننى نسيته وهو من اهالى البصره فبادرنى المحقق وكانه حصل على ما يريد وقال اسمه عبد الرزاق هنا توقعت بان عبد الرزاق شخص معتقل وقد اعترف بانه هو من جلب المنشور لى لذلك اعتبرت الانكار لا يفيد طالما ان المنشور عثر عليه فى بيتى وان الذى جلبه من انجلترا اعترف على نفسه فاخذنى المحقق الى غرفته وقال لى اعترف فقلت بماذا اعترف وان عبد الرزاق هو عندكم وقد اعترف بكل شئ فقال ما اسم والده هنا ادركت ان الشخص لم يعتقلوه لانهم لو اعتقلوه لعرفوا اسم والده وكان هذا من غباء المحقق حيث جعلنى اكتشف الحقيقه التى انطلت على فى الوهله الاولى فانكرت معرفته وسال المحقق فى اى دائره يعمل فقلت اما بالميناء او السكك الحديديه او بالبتروكيماويات فاشتاط المحقق غضبا فصفعنى وهو يصرخ هل تركت احدا بالبصره ولم تقوله ومن ثم استمر التعذيب من جديد وشنوا حملة اعتقالات بالبصره على اى شخص اسمه عبد الرزاق ومن المهازل السخيفه انهم اتو لى بشخص سمين جدا من اهالى البصره اسمه عبد الرزاق وجلبونى ورفعو العصابه عن عينى وقالوا لى هل هذا هو من اعطاك المنشور فصاح الشخص السمين وهو يبكى وقال ... والله ان كل هذه السمنه بسبب الويسكى وانى لا اصوم ولا اصلى واخذ يكرر عبارات الكفر بالله عز وجل لكى يثبت بانه لا علاقه بالاسلاميين ففكرت فى نفسى رغم ان هذا الرجل غير مؤمن ولا قيم له الا ان الله لا يرضى ان اغبنه... لذلك فقد انكرت معرفتى بالرجل واطلق صراحه .