قمة الحزن هي نقطة نستطيع من خلالها الوصول إلى قمة السعادة!
ربما تكون المعادلة هنا صعبة , وغير متكافئة , فكيف لقمة الحزن أن توصلنا لقمة السعادة؟! ومتى نستطيع المساواة بين طرفي المعادلة ؟!
آآآه .. الكل يلهث بحثا عن رشفة من الحياة يتذوق طعم السعادة فيها, ذاك الطعم الذي لن أذقه حتما إلا بعد أن أتجرع مرارة الحزن , تلك المرارة التي لا يزال طعمها ورائحتها يسريان في جسدي . منهك القوى , متعب أنا , صدقوني متعب جدا , لم أعد أقوى حتى على البكاء , لم أعد أقوى على الصبر , لم أعد أقوى على شيء مطلقا , لا أستطيع النهوض من فراشي هذا الصباح , يصعب عليّ أن أفتح الباب لأرى أمي جالسة تنتظرني ككل يوم متوجها للبحث عن وظيفة وأعود (بخفي حنين) .
تخرجت من الجامعة منذ ثلاثة أعوام , ولم أتورع عن العمل في أي شيء , عملت بائعا في سوق الخضار , وعملت في محطة الوقود , وعملت سائقا , و.. و.. و..
ولكن الظروف المعيشية تكلفني أكثر من الألف ريال التي لم أتقاضى أكثر منها كمرتب شهري منذ بدأت أتنقل من عمل إلى آخر . الشركات تريد خبرة خمس سنوات وأكثر , وكورس في الحاسب الآلي وإجادة اللغة الإنجليزية كتابة وتحدثا من أين آتي بكل هذا؟ إذا لم تفتح الشركات لي أبوابها فمن أين لي بالخبرة ؟ وإذا لم أمتلك مالا كيف أتعلم الحاسوب واللغة الإنجليزية؟ أم أكون تعلمتها من المناهج التي خرّجتنا متمكنين ومؤهلين للعمل في كل قطاع ونسيت ! سقطت عينه على الساعة
أوه .. الساعة السابعة ..
وثب من سريره و استبدل ملابسه وخرج مسرعا من غرفته متوجها ناحية الباب
نادته والدته :
- أحمد .. أحمد لمَ كل هذه العجلة ؟
- صباح الخير يا أمي
- صباح النور يا وليدي
- اعذريني يا أمي لدي موعد مع إحدى الشركات وقد تأخرت
- الله يوفقك يا وليدي ويكتب لك مافيه الخير
- في أمان الله
الشمس بدأت تسلط أشعتها عليه , وهو يركض من شارع إلى آخر يبحث عن سيارة أجرة تقله إلى الشركة . وبعد عناء طويل وصل إلى الشركة لتذهله طوابير الشباب الذين سبقوه , كلا منهم يحمل أمل الفوز بإحدى الوظائف المعلن عنها والتي لا تتجاوز الأربعة وظائف !
ظل ينتظر وينتظر إلى أن قاربت الساعة الحادية عشرة تقريبا ولم يحن موعد دخوله , أخذ يتأمل في وجوه الشباب الواقفين قبالة وجهه إنها بائسة و شاحبة , و التفت إلى الجهة المقابلة شباب جاؤا بكامل أناقتهم يتبادلون النكت والنوادر والـ masseg ويضحكون من اعمق أعماق قلوبهم , "شتان بين هؤلاء وهؤلاء , و لا أظن الضاحكون إلا حديثو التخرج أو من أصحاب الفيتامينات الواوية" , انتزعه من دوامة أفكاره صوت الشاب الذي يجلس بجانبه :
- ما مؤهلك ؟
- بكالوريوس آثار
- وماذا بعد ؟
- لا شيء
- أتظن هذا يكفي ؟
- ربما لا يكفي
- ليس ربما بل لا يكفي
- وأنت؟
- لدي بكالوريوس إدارة ودبلوم في الحاسب الآلي واللغة الإنجليزية .
- ومنذ متى تخرجت من الجامعة ؟
- منذ أربع سنوات , ثلاث سنوات قضيتها في دراسة دبلوم الحاسوب واللغة الإنجليزية , وها أنا منذ عام ابحث عن الوظيفة المناسبة.
همس في نفسه : "كلنا في الهوى سوا " إذن مع بعض الاختلافات , أنا وأنت ضاعت من عمرنا بعد التخرج ثلاث أو أربع سنوات , فإذا كان عمري وعمرك الآن تجاوز الخامسة والعشرين تقريبا ولم نحصل على وظيفة , متى نشتري سيارة و متى نتزوج .. آآآه حلم أمي أن تراني عريسا , كلما سمعتها تدعوا لي ( إن شاء الله أشوفك عريس) أغص بعبرتي , أنّى لي تحقيق رغبتك دون أن أمتلك ولو فلسا !
صوت الموظف ينادي : أحمد عبد الرحمن
وثب من الكرسي وتوجهه للمكتب ليرى مفاجأة !! إن من سيجري له المقابلة من جنسية عربية وليس سعوديا . أنهى المقابلة وخرج يقلب في عقله الأسئلة التي سألها إياه , كل الأسئلة لا تمت للوظيفة بصلة !
توجه للبيت مطرقا , ودخل واجما رآهم متحلقين حول مائدة الغداء
- السلام عليكم و توجه لغرفته
- وعليكم السلام والرحمة
- أحمد .. ألا تريد تناول الغداء ؟ ( قال والده)
- لا أريد شيئا
ألقى بكله على السرير , مرارة كل الأيام زارته في لحظة واحدة , أخذ يحدث نفسه :
العمر يمضي يا أحمد , إلى متى ستظل على هذا الحال ؟
عندما تخرجت ظننتَ أنك ستعين والدك على نوائب الدهر , و الآن أصبحت تشكل عبئا إضافيا
, ألا يكفي والدك مصاريف ثلاثة أولاد و سبع فتيات , إلى متى ؟ إلى متى؟ لم أعد أشعر بأن لي قيمة في الحياة , لم أعد أحس بكياني كإنسان قادر على العطاء , لا ألوم صديقي ( سعد) إن استطاعت ثلة فاسدة جر رجله نحو الضلال , لأنه لم يعد يشعر بمعنى "القيمة" قيمته كإنسان , وبالرغم من كل هذا لا بد من محاولة إخراجه من صومعة الضلال تلك , و ( حسن) و (ناصر) لا أعلم ما حالهما الآن , أريد أن أطمئن على أحوالهم جميعا , آآآآه .. آآآآآآه .. أحلامنا التي عشناها معا أيام الجامعة صارت لها أجنحة منذ تخرجنا و طارت .. طارت فهل حقا ما قيل ( لا تحزن , خلقت الأحلام كي لا تتحقق) , لا لا إننا لم نكن نطلب حلما , بل نطلب حقا ولا بد أن يكون لنا نصيب فيه بإذن الله تعالى , سأظل أبحث وأبحث لن اترك اليأس يتسلل إلى جوانحي , مهما أوصدت الأبواب . (اللهم جد لي بجودك , واعطف عليّ بمجدك , واحفظني برحمتك , ومنّ عليّ بحسن إجابتك, فإليك يا ربي نصبت وجهي , وإليك يا ربي مددت يدي , فبعزتك استجب لي دعائي وبلغني مناي , ولا تقطع من فضلك رجائي , فإنك فعّال لما تشاء , يا من اسمه دواء , وذكره شفاء , وطاعته غنى , ارحم من رأس ماله الرجاء وسلاحه البكاء , يا سابغ النعم , يا دافع النقم, يا نور المستوحشين في الظلم) * وانخرط في البكاء حتى غلبه النعاس .
في صباح اليوم التالي , علت زغاريد الهاتف في البيت , التقطت أم أحمد السماعة
- نعم
- هذا منزل أحمد عبد الرحمن
- نعم هذا منزل أحمد
- هل هو موجود
- دقيقة من فضلك
أسرعت متوجهة لغرفة أحمد , ودقات قلبها تتراكض , فتحت الباب : أحمد .. أحمد , هناك من يطلبك على الهاتف , وثب مسرعا ..
- أهلا
- أهلا بك
- معك الموظف خالد من الديوان , لقد تم إيجاد وظيفة لك بناء على طلبك الذي قدمته منذ سنتين في جمعية الثقافة والفنون برعاية الشباب , راجعنا لاستكمال الإجراءات .
رمى السماعة صارخا : وأخيرا تحقق الحلم يا أمي , وداعا للبطالة , واحتضن والدته و امتزجت الدمعة بالابتسامة .
قيثارة
* من دعاء كميل