العودة   منتديات الطرف > الواحات الإسلامية > ۞ ۩ ۞ الواحة الإسلامية ۞ ۩ ۞




إضافة رد
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 29-02-2004, 12:36 PM   رقم المشاركة : 1
أبوحسن
طرفاوي نشيط جداً






افتراضي

بحضور أي شخص بالمجالس الحسينية يثري لديه المعلومات الفكرية والتي يطرحها الخطيب ، بالإضافة الثواب الذي يتلقاه من جراء حضوره لهذه المجالس .

ولذا يحرص الجميع على الحضور صغيراً كان أم كبيراً ، سواءً أكان الدافع الثواب الأخروي أم المعلومة المفيدة التي يحرص الخطيب على اختزال مجموع تلك القراءات والاستفادات التي استفادها .

ولذا .. ولأجل هذا فإنني وكأي فرد موالي لأهل البيت "عليهم السلام" حرصت على الحضور في مجالس بعض الخطباء الذين يمتلكون الجانبين ، جانبهم الفكري المميز ، والذي يستفيد منه جل من يحضر بمجالسهم .

حضرت عند (( الشيخ نجيب الحرز )) بالليلة الخامسة من المحرم ، وقد كان حديثه شيقاً ، حيث كان يتكلم عن عالم اللا وعي وعالم الوعي ، وكيف يستطيع عالم اللا وعي أن يسيطر على الإنسان حال غضبه ، فيجد تنفسه عندما يخرج الإنسان عن نطاق السيطرة على أعصابه وتحكماته بتصرفاته ، فتخرج تلك المكبوتات بصورة أوامر ينقاد لها الإنسان لتخلق له صورة غير ما اعتاده الناس على رؤيته بها .

وكان الحديث شيقاً ، حيث استطاع الشيخ أن يوصل الفكرة التي يريدها إلى الحضور ببيان قلما نراه عند خطبائنا المحليين ـ الأحسائيين ـ .

عموماً ، أنا هنا لست في صدد استعراض ما طرحه بالمحاضرة ، وإن كان جديراً أن يكتب ويسطر وينشر لتعم الفائدة . ولكني أردت أن أتناول فكرة طرحها الشيخ نجيب الحرز ضمناً للحديث الذي تناوله ، ولعلي لا أوفقه عليها ..

الشيخ نجيب الحرز يقول ضمن حديثه الذي استرسل فيه :

إن حرب قريش مع الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله" لم يكن من أجل العقيدة ، وإنما كانت من أجل التجارة ، ولكنهم تعللوا بأنهم يدافعون عن مقدساتهم وعقائدهم ، ولكنهم بالواقع كانوا يتمسكون بالأهداف والمصالح التجارية العائدة عليهم من تلك المعتقدات .

وإلا فإنهم لم يكونوا ليهتموا باللات والعزى والمنات والأصنام الأخرى ، بل لم يكونوا متمسكين مهتمين بها أصلاً ، ولكنها كانت سبباً وجيهاً لكي يحاربوا من أجله الإسلام ، لأنه سوف يحرمهم من الغنائم والثروات الهائلة التي يحصدونها من جراء عبادتها .

كما أن هجرته من مكة إلى المدينة كانت بفعل عقله التجاري بالدرجة الأولى ، حيث أن مكة المكرمة كانت هي المركز التجاري والمرتكز الذي تنبع منه التجارة لجميع أقطار العالم العربي الجاهلي آنذاك ، حيث أن التجارتين القويتين القادمتين من الشام واليمن كانتا تحطان رحلهما بمكة ، ولذا اكتسبت مكة هذه الميزة والتي تفتقر إليها المدينة المنورة ( يثرب ) وغيرها من المناطق ، فجعلها مركزاً مهماً وموقعاً رائداً لنمو التجارة والأسواق
والغنائم ، بينما لا تنعم غيرها من المناطق بهذه الميزة التي انفردت بها .

ولذا فإن تجار المدينة المنورة ( يثرب ) حرصوا كل الحرص على كسب وجود رسول الله "صلى الله عليه وآله" بجوارهم بما يمتلكه من عقل تجاري من الطراز الأول ينعش لديهم الحس التجاري ويؤمن بعبقريته الثراء والثروة لسكان يثرب ، كما يعلمهم الأساليب التجارية التي اكتسبها وهم جاهلين بها .

ولذا فإن الكثير من تجاري المدينة المنورة ( يثرب ) قد قدموا إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله" لكي يقنعونه بالهجرة إلى المدينة ، وأنهم سوف يدعمونه بما يمتلكونه من مال .

ولذا ما أن وطئت رجلا رسول الله "صلى الله عليه وآله" أرض المدينة حتى أسس سوق يثرب العام ، والذي أدى تأسيسه إلى تمركز التجارة القادمة من أرض الشام وقبيل وصولها إلى أرض مكة .

وبذلك حصلت على موقع تجاري مهم كانت تفتقر إليه لولا حنكة وعقل الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله" التجاري .

إذن ..
السبب الأول والأهم من معارضة مشركي قريش أنه خوفهم على تجارتهم ومواقعهم التي كانوا يتمركزون عليها ، وليس كما يشاع من أنهم كانوا يريدون الحفاظ على آلهتهم وعقائدهم الوثنية التي يدنون بها آنذاك .

والسبب الأول والأهم من دعوة أهل المدينة المنورة ( يثرب ) إليهم ما يتملكه الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله" من عقل تجاري مدبر ، وحنكة عملية تدير الربح الوفير لأبناء هذا البلد .
هذا بشكل إجمالي ما طرحه الشيخ نجيب الحرز ..
وأنا شخصياً قد لا أوافق الشيخ مع شديد احترامي واعتزازي بما يطرحه فوق المنبر ..

ولذا أحاول في هذه السطور القليلة أن أناقش الشيخ نجيب الحرز "حفظه الله ورعاه" فيما قال وبما هو متواجد فعلاً في الكتب التحقيقية للتاريخ والتي ذكرت أحداث الرسالة الخالدة منذ نشأتها وحتى مغادرة الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله" للرفيق الأعلى .

 

 

أبوحسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-02-2004, 12:39 PM   رقم المشاركة : 2
أبوحسن
طرفاوي نشيط جداً






افتراضي

ونقول بعد الاستعانة بالله أن الأسباب الرئيسية لمحاربة قريش للدعوة المحمدية كانت أسباب تُجمل في أربع أسباب :

· ( السبب الأول ) : العقيدة الوثنية الراسخة بعقول العرب آنذاك .

وهذه العقيدة هي السبب الرئيسي والمرتكز الأول لمحاربة الرسالة المحمدية ، وليست كما صورها الشيخ نجيب "حفظه الله ورعاه" من أنها أمرٌ ثانوي ، وأن عرب قريش لم يكونوا يلتفون إلى هذه العقائد ، وإنما كان تقربهم لها من أجل المصالح التجارية فقط .

نحن إذا استقراءنا السير التاريخية نجد أن العقائد الراسخة في عقول هؤلاء القوم متعمقة أكثر من كونها مصلحة تجارية .

كيف نعرف ذلك ؟.

نعرف ذلك من الإطلاع المباشر على أمرين :

· ( الأمر الأول ) : ما تذكره الآيات الكريمة من أسباب هجمتها الشرسة حول الرسالة المحمدية ، ومناقشتها لعظماء قريش حول تلك العقائد الراسخة بعقولهم ، فلو كانت تلك العقائد ما هي إلا سبيل إلى تغطية مصالحهم التجارية لفضحتهم الآيات الكريمة كما فضحت منافقي المدينة المنورة ( يثرب ) .

فالتركيز على هذا العامل الرئيسي وسرد أكبر عدد من الآيات الكريمة لإثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى والسخرية لما كانوا متمسكين به من هذا الكم الهائل من العقائد البالية والتي تصل أكثر من 90 % من الآيات التي نزلت بمكة والتي كانت تعالج أمر العقيدة دليلٌ مباشر على أن القضية العقائدية المترسخة بعقول هؤلاء القوم هي السبب الرئيسي لمقاومة هذه الدعوة ؛ وإلا لوضّحت الآيات الكريمة أن السبب القائم والمتخفي وراء هذا الإنكار هو عامل التجارة وأن هذه الأوثان ما هي إلا قناع يستترون خلفه ، وهذا ما لا تشير إليه الآيات الكريمة .

وأكتفي بنقل هذه الآية المباركة ، ومن أراد المزيد فليقرأ جل الآيات المكية ويرى كيفية معالجتها لأمر العقيدة الوثنية .
قال الله سبحانه وتعالى : (( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )) .

· ( الأمر الثاني ) : الحوادث المتتالية من قبل زعماء قريش لإقناع الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله" للعدول عن تسفيه أحلامهم وعبادتهم لهذه الأصنام ، وترك ما جاء به من هذا الدين الجديد ، والذي يخالف جل ما يعتقدون به .
ولذا فإننا عندما نقرأ الحوادث المتتالية من قبل زعماء قريش لإقناع الرسول "صلى الله عليه وآله" كحادثة الوليد ابن المغيرة ، وهو رجل ممن يرجع إليه العرب لحل الكثير من مشاكلها ، وكان ذا ثروة كبيرة وجاه لا ينازعه احد .
عندما لجأت إليه قريش لتلتمس إليه الحل عن هذا الرجل ـ الرسول "صلى الله عليه وآله" ـ الذي بات يهدد كيانها وعقائدها وأفكارها طلب منهم مهلة قصيرة ليطلع على ما يقول هذا الرجل ، فلما أسمعه الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله" بعض الآيات ومنها قوله تعالى : (( فإن أعرضوا فقل أنذرتُكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود )) ..

فاقشعر جلد الوليد ، وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته ، ثم قام ومضى إلى بيته ، فلما مضى القوم إليه وسألوه عن ما حدث له وقالوا له : صبوت إلى دين محمد ؟. قال : ما صبوت وإني على دين قومي وآبائي ، ولكني سمعت كلاماً صعباً تقشعر منه الجلود ..

فهذا هو أحد أثرى أثرياء قريش لم يذهب إلى النبي "صلى الله عليه وآله" لكي يُهادِنه ويحاول أن يثنيه عن ما يعزم القيام به لأنه يهدد ثروته الهائلة ، ومركزه الاجتماعي بين العرب ، وإنما كان السبب هو الدفاع المستميت من قبل زعماء قريش لنسف هذا الدين الذي كان يحارب عقائدهم ومعتقادتهم الوثنية بالدرجة الأولى .

ويتضح ذلك عندما نستعرض المحاورات التي تدور بين شخص النبي "صلى الله عليه وآله" وبين محاوريه ، ولأذكر محاورة بينه "صلى الله عليه وآله" وبين أحد كبار زعمائها وأشرافها وأحد كبار أثريائها عندما أصبح أصحاب النبي "صلى الله عليه وآله" يتزايدون ويكثرون بعد إسلام "حمزة بن عبدالمطلب " فاغتمت قريش لذلك ، وخشي المشركين أن ينتشر الإسلام أكثر من هذا فتبرع عتبة بن ربيعة أن يناقش النبي "صلى الله عليه وآله" ويثنيه عن ما جاء به .

فقام حتى إذا جلس بجوار النبي "صلى الله عليه وآله" قال له : يا ابن أخي إنك منّا حيث ما قد علمت من الشرف في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم وسفّهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قل يا أبا الوليد اسمع ..
قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تُريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به مُلكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّاً ( وهو ما يتراءى للناس من الجن ) تراه لا تستطيعُ ردَّهُ عن نفسك طلبنا لك الطبَّ ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نُبرائك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه .
حتى إذا ما فرغ عتبة ، ورسول الله "صلى الله عليه وآله" منه قال له : أقد فرغتَ يا أبا الوليد؟. قال : نعم قال : فاسمع منّي ; قال : إفعل ، قال : (( بِسم اللّه الرحمن الرَّحيم * حم * تَنْزيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرآناً عَربيّاً لِقَوْم يَعْلَمُونَ * بَشيراً وَ نَذيراً فَأَعْرضَ اكثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ *
وَ قالُوا قُلُوبُنا في أكنّة مِمّا تَدْعُونا إليْهِ ))
ثم مضى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله )ـ فيها يقرؤها عليه، فلمّا سمعها منه ( عتبة ) أنصتَّ لها وألقى يديه خلفَ ظهره معتمداً عليهما يسمع منه وبقي على هذه مدة من الزمن صامتاً وكأنه قد سُلِبَ قدرة النطق، ثم انتهى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله( إلى السجدة فسجد ثم قال : قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ فأنتَ وذاك .
فقام «عتبة» إلى أصحابه وقد تغيَّرت ملامحُه فقال بعضهم لبعض : نحلف باللّه لقد جاءكم أبوالوليد بغير الوجه الّذي ذهبَ به !! فلما جَلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد؟. قال : ورائي إني قد سمعت قولا واللّه ما سمعت مثله قط، واللّه ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فواللّه ليكوننَّ لقوله هذا الّذي سمعتُ منه نبأ عظيم ، فان تصِبهُ العربُ فقد كفيتموه بغيركم ، وان يظهر على العرب فمُلكه ملكُكُم ، وعزُه عزّكم ، وكنتم أسعد الناس به .
فانزعجت قريشٌ من مقالة «عتبة» هذا وسخرت به وقالت : سحرَكَ واللّه يا أبا الوليد بلسانه !!.

أيضاً .. نموذج أخر وهو عندما أعياهم إقناع أبو طالب "عليه السلام" بأن يتخلى عن الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله" وأن يصطف معهم في إقصاء الرسالة المحمدية وخذلان ابن أخيه (( محمَّد )) فهو وإن كان لا يتظاهر بالإسلام ، إلاّ أنهم يكنُّ لابن أخيه ، وُدّاً عميقاً ، ومحبة كبرى من هنا قرّروا بأنْ يتركوا المفاوضة التي تعبوا معه من أن يسلمهم ابن أخيه ( محمد ) ليقتلوه ، إلاّ أنهم فكّروا في خطة أخرى وهي أن يُحاولوا إثناء النبىّ عن المضىّ في دعوته بتطميعه بالمناصب ، والهدايا ، والأموال والفتيات الجميلات ، ولهذا مشوا إلى بيت (( أبي طالب )) ودخلوا عليه ومحمَّد "صلى الله عليه وآله "جالسٌ إلى جنبه فتكلّم متكلِّمهُمْ وقال : يا محمَّد أنا بعثنا إليك لِنُكلَّمك ، فانا واللّه لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومك ما أدخلت على قومه لقد شتمت الآباء ، وعيبت الدين ، وسببت الآلهة ، وسفهت الأحلام ، وفرقت الجماعة ولم يبق أمر قبيح إلا أتيته فيما بيننا وبينك فان كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا ، جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثر مالا ، وان كنت إنما تطلب الشرف فينا فنحن نسوّدك ونشرّفك علينا ، وان كان هذا الّذي ياتيك تابعاً من الجن قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طبك .
فقال أبوطالب لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك ، يزعمون انك تشتم آلهتهم وتقول وتقول ؟. فتكلم رسول اللّه ) صلى الله عليه وآله ) وقال : يا عم أُريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية . فزعوا لكلمته ، ولقوله فقال القوم كلمة واحدة : نعم وأبيك عشراً . قالوا: فما هي، فقال أبوطالب : وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ . قال: «لا اله الاّ اللّه» .
فكان هذا الرد مفاجئة قوية لذلك الفريق الّذي يأمل في صرف النبي ( صلى الله عليه وآله )ـ عن هدفه ، ولهذا قاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون : (( أجعَلَ الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء
عجاب )) .
فلو أنهم لم يكونوا يحملون عقائداً راسخة بقلوبهم لما فزعوا عندما لفظها النبي "صلى الله عليه وآله " بأن يجعلوا الآلهة إلهاً واحداً .

وإذا أردنا أن نسترسل بالاستشهاد بهذه المواقع قد يطول بنا المقام ، وقد يتحول من كونه توضيح للفكرة إلى بحث متكامل .

ولكني على ذلك أقول ..

لو كانت قريش زعمائها خائفون على ممتلكاتهم وأموالهم وزعامتهم التجارية ، لما أصروا على الحديث مع الرسول "صلى الله عليه وآله" سراً فيما بينهم وبينه بأنه سفهه أحلامهم وحاول النيل من رموزهم العقائدية الوثنية المقدسة ، ولأوضحوا أن جل ما يخافون عليه هي أموالهم وتجارتهم .

نعم قد يحاولوا النيل من الرسالة من هذا الطريق لو كانت الهدف ، ولكن التناجي فيما بينهم بغير ذلك ، ومحاولة ردع الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله" عن فكرة التوحيد دلالة على الاعتقاد المتأصل لهذه العقيدة ، وإلا لكن بالسر كانوا يتحدثون عن أموالهم وتجارتهم وفي العلن يعلنون بين الناس أنها عقيدتهم وعبادتهم التي لا يريدون أن يفقدونها .
ولكننا نرى أنهم في سرهم وفي نجواهم يتحدثون عن تسفيه الآلهة وخوفهم على مصير عبادتهم تلك .

· ( الأمر الثالث ) : ما يذكره المؤرخون على تشعب فرقهم من النظرة العامة حول عبادة العرب نجد أنهم يتفقون على الصلة المتأصلة بين ما يعتقدونه من هذه العبادة وبين ما يمارسونه من عبادات وأمور خرافية خزعبلية تدل على تأصل هذه العبادة بعقولهم .

يقول الشيخ جعفر السبحاني عن خضوع العرب أمام الأصنام بكتابه (( سيرة سيد المرسلين )) :
لقد بلغ خضوعُ العرب أمام الأصنام والأوثان حداً عجيباً جداً ، فقد كانوا يعتقدون بأنهم يستطيعون كسبَ رضاها بتقديم القرابين إليها ، وكانوا بعد نحر الهدايا يلطخون وجوه الأصنام ورؤوسها بدماء تلك الهدايا ، وكانوا يستشيرونها في مهام أمورهم ، وجلائل شؤونهم ، فإذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الّذي تصدّوْا له ومعرفة عاقبته أخيرٌ هو أم شرٌ استقسمَ لهم أمين القداح بقدحي ( الأمر والنهي ) وهيَ قطع كُتِبَ على بَعضها ( إفْعَلْ ) وعلى بعضها الآخر ( لا تَفْعَلْ ) فيمدُّ أمين القداح يده ويجيل القداح ويخرج واحداً فانْ طَلَع الآمر فعل أو الناهي ترك .
وهنالك مظاهر كثيرة أخرى ذكرها الشيخ بكتابة ( سيرة سيد المرسلين ) فمن أراد الازدياد فليراجعه .
وأتصور أن حادثة « أبو أُحيحة » قد تكون أقرب مثال لتوضيح أن فكرة العقيدة الوثنية هي فكرة راسخة رسوخ الجبال بالأرض بقلوب هؤلاء القوم .
و( أبو أحيحة ) هذا رجل من بني اُمية ومن سادة قريش ، مرض مرضه الّذي مات فيه ، فدخل عليه ابولهب يعوده ، فوجده يبكي ، فقال : ما يبكيك يا با احيحة ؟. أمن الموت تبكي ولابد منه ؟.
قال : لا ولكني أخاف أن لا تُعبَد العزى بعدي!!!. قال أبولهب : واللّه ما عُبدَت حياتك ( أي لا جلك
عبدت ) ولا تُترك عبادتُها بعدك لموتك !!!!. فقال أبو اُحيحة : الآن علمتُ أن لي خليفة .

فأي أمر يريد به أبو أحيحة من عبادة صنمه الذي يقدسه ( العزى ) هل التجارة وهو على فراش الموت ، أم أنه اعتقاد متأصل حفر عميقاً في كيانه ولا يستطيع أن يتركه ، علماً بأن هذه الحادثة كانت قبيل الدعوة المحمدية .

يتبع

 

 

أبوحسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-02-2004, 12:41 PM   رقم المشاركة : 3
أبوحسن
طرفاوي نشيط جداً






افتراضي

· ( السبب الثاني ) : معارضة الدعوة المحمدية لشهواتهم .

وكان لهذا العامل من العوامل المهمة في عتو قريش و معارضتها لدعوة النبي "صلى الله عليه وآله" لأنهم كانوا أصحاب لهو ولعب ، وفسق ومجون ، ومثل هؤلاء الذين أمضوا سنوات عديدة على هذا النحو ، دون أن يقيّدهم شيء من الحدود والقيود ، وجَدوا دعوة النبي "صلى الله عليه وآله" تخالف عاداتهم القديمة ، وكان ترك مثل تلك العادة الّتي تتفق معه أهوائهم ورغباتهم النفسيّة أمراً يلازم النصب والعناء والجهد .

وأتصور أن قضية تحريم الخمرة من أفضل الأمثلة لمعرفة مدى تأصل بعض العادات الشهوانية لدى عرب قريش والتي استقتل عليها المشركون لكي يحافظوا على بقائها .

فقد كانت معاقرة الخمور من الآفات الّتي كانت متفشية ومتجذرة في المجتمع العربي في شبه الجزيرة العربيّة بحيث كانت معالجتها تحتاج إلى وقت طويل ، وأسلوب مدروس ، ولم تكن الظروف والأحوال في ذلك العهد لتسمح بأن يعلن رسولُ الإسلام عن تحريم الخمر دفعةً واحدةً ومن دون أية مقدما ت وممهّدات لذلك ، بل كان يتحتم عليه أن يعالج هذا الوباء الاجتماعىّ من خلال إعداد الناس لمرحلة التحريم النهائي والقطعي تماماً كما يفعل الطبيب بالنسبة إلى المرضى الذين طال بهم المرض وتجذر .

من هنا حرّمت الخمر في أربع مراحل تدريجية ضمن آيات أربع أظهرت الاستياء من الخمر لكن لا على نمط واحد، بل بدأت من مرحلة مخفّفة حتّى انتهت إلى مرحلة الإعلان عن التحريم القطعي .

يقول أحدهم :
إذا مِت فادفني إلى جنب كرمة تروّي عظامي بعد موتي عروقُها

· ( السبب الثالث ) : تعارض مصالحهم المالية والطبقية لما كان يدعو النبي "صلى الله عليه وآله" إليه .

كان مصالحهم المالية كما ذكر الشيخ ( نجيب ) مهددة إذا ساد هذا الدين ، والذي يدعو إلى نبذ كثير من العادات والأعراف التي كانوا يتعاملون بهم ، وخصوصاً ما تخص المصلحة المالية والطبقية .
وأقصد بالمصلحة المالية ما كانوا يستمدون منها ثروتهم كالربا وبيع الخمر وغيرها ، فكان عامل الربا على سبيل المثال عامل مهم لجلب ثرواتهم ، فقد كانوا يُقرضون المقترض بأضعاف مضاعفة كما صرحت به الآيات الكريمة .

والقيم التي كان يدعو بها النبي "صلى الله عليه وآله" بديانته الجديدة لديهم كانت قيم لا تتفق وأساليبهم التي كانوا يكسبون بها أموالهم وثرواتهم ، فلذا كانت من أشد الأمور التي حرصوا على أن يقاتلوا من أجله .

أيضاً ..

كان عامل الطبقية التي تميز بين العبد والسيد ، وبين السيد والزعيم ، وبين الثري والفقير ، وبين ذا النسب الرفيع وذا النسب الوضيع .
فلما جاءت الرسالة المحمدية دعت إلى مبدأ المساواة مما أثرت الحمية في نفوس الزعماء والأثرياء من العرب ، أنه كيف يكون السيد والعبد في ميزان سواء عند ربه ، وكيف يكون هذا الفقير وذاك الوضيع وهذا السيد الزعيم في الكف سواء .

ولذا كانت هذه القضية مسار سخرية واستهزاء لدى زعماء قريش قبل أن تكون من الأمور التي شحذت همة القوم على محاربة هذا الدين الجديد ، فاستخدموا أسلوب النعت والاستهزاء بهذه الفكرة كي يضربوا على الوتر الحساس لدى أعالية القوم وساداتهم وذوي الثراء الفاحش ليكونوا بالتالي من أشد المعادين لهذا الدين الجديد ، ويحرضوا على نبذه واجتثاثه من جذوره .

· ( السبب الرابع ) : حسدهم للنبي "صلى الله عليه وآله" .

لقد عارض رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) وخالفه فريقٌ ممن عارضه بسبب حسدهم له ، فقد كانوا يتمنُّون أن يكونوا هم أصاحب هذا المنصب ، وأصاحب هذه المنزلة .
فقد قال المفسِّرونَ عند قوله تعالى : ) وَقالُوا لَولا نُزِّلَ هذا الْقُرانُ عَلى رَجُل مِنَ القَريَتَيْنِ عَظيم ) أن
(( الوليد بن المغيرة )) قال: أيُنزَّل على محمَّد واُترك وأنا كبير قريش وسيّدها ويترك (( أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي )) سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين فأنزل اللّه تعالى فيه الآية .
وروى انه قال : واللّه لو كانت النبوّة حقاً لكنتُ أولى بها منكَ لأنَّنِي اكبرُ منكَ سناً وأكثر منكَ مالا ، وكان
(( اُميّة بن أبي الصلت )) من الذين كانوا يقولون هذا الكلام حول رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) وكان يتمنى كثيراً أن ينال هو هذا المقام ويحظى بهذا المنصب العظيم ، ولم يتبع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) إلى آخر حياته ، وكان يؤلّب الناس عليه .
وقد سأل (( الاخنسُ بن شريق )) وهو من أعداء رسول اللّه ـ أبا جهل يوماً يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعتَ من (( محمَّد )) ؟.
فقال : ماذا سمعتُ ، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرفَ ، أطعَمُوا فأطعَمنا ، وحَملوا فحمَلنا ، وأعطوا فأعطينا حتّى إذا تجاذبنا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منّا نبىُّ يأتيه الوحيُ من السماء ، فمتى تدركُ مثل هذه ، واللّه لا نؤمنُ به أبداً ولا نصدّقه .
هذه النماذج تُظهِرُ الحسد الّذي كان يحول بين زعماء قريش وساداتها وبين إتّباع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) وتصديقه ، فَعثَوا على اللّه وتركوا أمره عياناً ، ولجّوا فيما هم عليه من الكفر ، وهناك نماذج وأمثلة أخرى سجّلتها صفحات التاريخ .

· ( السبب الخامس ) : الخوف من القبائل العربية الأخرى :

قال (( الحارث بن نوفل بن عبد مناف )) لرسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنا لنعلم أنَّ قولك حقٌ ولكن يمنُعنا أن نتبع الهُدى ونؤمن بك مخافةَ أن يتخطفنا العربُ من أرضنا (إن تركنا الوثنية التي تدين بها ويعتبروننا سَدنة لأوثانها ) ولا طاقة لنابها . فنزل قوله تعالى يرد عليهم : (( وَ قالُوا إنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أرضنا أوَ لَمْ نُمكِّنْ لَهُمْ حَرماً آمِناً يُجبى إليه ثمراتُ كُلِّ شيء رزْقاً مِنْ لَدُنَّا )) .
وهكذا كان تخوّف قريش من العرب إن هي تركت ما كان عليه العربُ من الوثنية والشرك أحد الأسباب لعتوهم وَإعراضهم عن قبول الدعوة الإسلامية .

إذن فإن هنالك عدة أسباب تكاتفت على النيل من الرسالة المحمدية وكان السبب الأهم فيما بينها هو عامل العقيدة ، ولذا فقد كان لهذا السبب النصيب الأكبر من الآيات الكريمة والحوادث التاريخية التي تدلل على هذا السبب وأنه رأس الهرم ، وليس السبب الأهم والأقوى هو الهم التجاري كما أشار إليه الشيخ "نجيب الحرز" حفظه الله من كل سوء .

 

 

أبوحسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-02-2004, 12:44 PM   رقم المشاركة : 4
أبوحسن
طرفاوي نشيط جداً






افتراضي

· سبب هجرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى المدينة المنورة ـ يثرب ـ .

أيضاً .. نحاول أن نشير إلى ما ذكره من أن سبب هجرته من مكة إلى المدينة كانت بفعل عقله التجاري بالدرجة الأولى .

نقول بعد الاستعانة بالله سبحانه وتعالى أن قول الشيخ ( نجيب الحرز ) "حفظه الله من كل سوء" كلاماً بعيداً كل البعد عن ما هو واقع لحدث الهجرة ، وما كان هذا إلا تفسيراً شخصياً للشيخ ليس إلا !!.
ويمكننا أن نتعرف ذلك إذا انتقلنا إلى ما يسجله جبميع المؤرخون على اختلاف فرقهم عن سبب الهجرة وبيان ملابساتها ، وبذلك يتبين لنا السبب الجلي لهجرته "صلى الله عليه وآله" .

كان ( وادي القرى ) في ما مضى من الزمن طريق التجارة من اليمن إلى الشام، فكانت القوافل التجارية القادمة من اليمن تدخل وادياً طويلا يدعى بوادي القرى بعد العبور بالقرب من مكة، وكانت المناطق الواقعة على طوال هذا الوادي مناطق خضراء، ومن هذه المناطق مدينة قديمة كانت تدعى بـ : يثرب والّتي عرفت فيما بعد بمدينة
الرسول "صلى الله عليه وآله" .
وقد سكن في هذه المدينة منذ أوائل القرن الرابع الميلادي قبيلتا : « الاوس والخزرج » اللتان كانتا من مهاجري عرب اليمن ( من القحطانيين ) .
وكان يعيش إلى جانبهم الطوائف اليهودية الثلاث المعروفة: « بنو قريظة » و « بنو النضير »
و « بنو قينقاع » الذين كانوا قد هاجروا إليها من شمال شبه الجزيرة العربية واستوطنوها .
وكان يقدم إلى مكة كل عام جماعة من عرب يثرب للاشتراك في مراسيم الحج ، وكان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يلتقي بهم في تلك المواسم ، ويجري معهم اتصالات ، وقد مهدّت بعض هذه اللقاءات للهجرة ، وصارت سبباً لتمركز قوى الإسلام المتفرقة ، في تلك النقطة .
على أن كثيراً من تلك الاتصالات وان لم تثمر ولم تنطو على أية فائدة فعلية إلاّ أنها تسببت في أن يحمل حجاج يثرب ـ لدى عودتهم ـ إنباء ظهور النبيّ الجديد وينشروه في أوساط المدينة كأهم نبأ من أنباء الساعة ، ويلفتوا نظر الناس في تلك الديار إلى مثل هذا الأمر المهم والخطير .

ولهذا ننقل هنا بعض اللقاءات والاتصالات الّتي تمت بين رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) وجماعات من أهل هذه المدينة في السنة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة من البعثة لتتضح أن هذه اللقاءات لقاءات كانت بدافع التوضيح للعقيدة المحمدية وليست بدافع الاتفاق على المصالح التجارية كما أراد الشيخ ( نجيب ) "حفظه الله" أن يُقرُّه فوق المنبر الحسيني الشريف .

1- كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) كلما سمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف تصدى له، ودعاه إلى الإسلام وعرض عليه ما عنده .

وقد قدم مرة ( سويد بن الصامت ) فتصدى له رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) حين سمع به فدعاه إلى اللّه وإلى الإسلام فقال له سويد : فلعلّ الّذي معك مثل الّذي معي . فقال له رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) : وما الّذي معك قال: مجلة لقمان يعني حكمة لقمان . فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) إعرضها عليَّ فعرضها عليه . فقال له : إن هذا الكلام حسن ، والّذي معي أفضل من هذا . قرآنٌ انزلهُ اللّهُ علىّ هو هدى و نور .
ثم تلا عليه رسولُ اللّه ( صلى الله عليه وآله ) القرآن ودعاه إلى الإسلام فقال سويد إنّ هذا قولٌ حسن وآمَنَ برسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج فيما كان يتلفظ الشهادتين وكان قتله قبل يوم بعاث ـ وهو موضع كانت فيه حرب الأوس والخزرج ـ .

2- قدم ( انس بن رافع ) مكّة ومعه فتيةٌ من بني عبدالاشهل فيهم ( ياس بن معاذ ) أيضاً ، يلتمسون الحلف والنصرة على قومهم من الخزرج ، فسمع بهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) فأتاهم وجلس إليهم وقال لهم : هل لكم في خير مما جئتم له ؟. فقالوا له: وما ذاك ؟. قال: ( أنا رسول اللّه بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا اللّه ولا يشركوا به شيئاً وانزل علىّ الكتاب ) ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن . فقال أياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً شهماً: أي قوم هذا واللّه خير مما جئتم له.
فقد أدركَ جيّداً أنَ دينَ التوحيد يكفُلُ كلَّ حاجاتهم فهو دينٌ شاملٌ مباركٌ لأنه سيصهِرُ الجميعَ في بوتقة الاُخوَّة الواحدةِ فتزول عندئذ أسبابُ العداء والقتال ، وبذلك ينهي كل مظاهرِ الحرب والتنازع ، وكلَّ مظاهر الفساد والتخريب فهو أفضل من طلبِ المساعدة العسكرية من قريش الّتي جاؤوا من أجلها إلى مكة ، فآمن برسول اللّه
( صلى الله عليه وآله ) من دون أن يكسب رضا رئيس قبيلته ( انس بن رافع ) واستئذانه ، ولهذا غضب أنس وأخذ حفنة من تراب البطحاء وضرب بها وجهَ إياس وقال : دعنا منك فعمري لقد جئنا لغير هذا ، فصمَتَ اياس وقام رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) عنهم وانصرفوا إلى المدينة ، وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج ولم يلبث اياس أن هلك ، وقد سمعه قومٌ حضروا عند وفاته يهلّل اللّه تعالى ويكبّره ويحمده ويسبّحه حتّى مات ، فما كانوا يشكّون أنه قد مات مسلماً ، ولقد استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) ما سمع .


ونأتي الآن إلى تفاصيل حادثة الهجرة .

خرج رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) في الموسم الّذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كلّ موسم فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الأنصار وكانوا ستة أنفار من الخزرج فقال لهم: أمِنْ موالي اليهود ؟ وهل لكم حلف معهم . قالوا: نعم . قال: أفلا تجلسُون أكَلِّمُكُم ؟. قالوا: بلى .
فجلسوا معه، فدعاهم إلى اللّه عزّوجلّ وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فاحدثت كلمات النبىّ
( صلى الله عليه وآله ) في نفوسهم أثراً عجيباً، وممّا ساعد على ذلك أن يهوداً كانوا معهم في بلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعلم ، وكانوا هم أهلَ شرك وأصحاب أوثان ، وكان اليهود قد غزوهم في بلادهم ، فكانوا إذا وقع بينهم نزاع وكان بينهم شيء قال اليهود لهم : إن نبياً مبعوث الآن ، قد اظلّ ( أو أطلّ ) زِمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرَم ، فكانت اليهود تخبر بخروج نبىّ من العرب ينشُر التوحيد، وتنتهي على يديه حكومة الوثنية والشرك، وقد قرب
ظهوره .
فلما كلَّمَ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) اُولئك النفر، ودعاهم إلى اللّه، قال بعضهم لبعض يا قوم : تعلّموا واللّه إنه لنبىُّ الّذي توعدّكم به اليهود فلا تسبقنكم إليه .

فأجابوه فيما دعاهم إليه بان صدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم اللّهُ بكَ ، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الّذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم اللّه عليه فلا رجل اعز منك .

 

 

أبوحسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-02-2004, 12:46 PM   رقم المشاركة : 5
أبوحسن
طرفاوي نشيط جداً






افتراضي

§ بيعة العقبة الأولى :

لقد اثّرت دعوة هؤلاء السنة ، الجادة في يثرب تأثيراً حسناً حيث سبّبت في إسلام فريق من أهل يثرب واعتناقهم عقيدة التوحيد .
فلما كان العام المقبل ( أي السنة الثانية عشرة من البعثة ) قدم مكة اثنا عشر رجلا من أهل يثرب، فلقوا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) بالعقبة ، وانعقدت هناك أوّل بيعة إسلامية .
وابرز هؤلاء الرجال هم : ( أسعد بن زرارة ، وعبادة بن الصامت ، وكان نص هذه البيعة ـ بعد الاعتراف ـ بالسلام والأيمان باللّه ورسوله هو :
(( بايعنا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) على أن لا نشرك باللّه شيئاً، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا و أرجلنا ولا نعصيه في معروف )) .

فقال لهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) : إن وفيتم فلكمُ الجنة، وان غشّيتم من ذلك شيئاً فامركم إلى اللّه عزّوجل إن شاء عذَّبَ، وان شاء غفر .

وهذه البيعة اصطلح على تسميتها المؤرخون وكتّابُ السيرة ببيعة النساء، لأنّ النبىّ ( صلى الله عليه وآله ) اخذ البيعة من النساء في فتح مكة على هذا النحو .

وعاد هؤلاء النفر إلى يثرب بقلوب مفعمة بالإيمان ، مترعة بمحبة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) فعمدوا إلى نشر الإسلام وكتبوا إلى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) أن يبعث لهم من يعلّمهم الإسلام والقرآنَ ، فبعث النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) لهم ( مصعب بن عمير ) وأمره بان يقرِّأهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقّههم في الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة .

واستطاع هذا المبلّغُ القديرُ، وهذا الداعية النشيط أن يجمع المسلمين بفضل عمله الدؤوب والحكيم وتبليغه الصحيح في غياب رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) ، ويؤمّهم، ويصلي بهم .

§ بيعة العقبة الثانية :

لقد أحدث تقدم الإسلام في يثرب هيجاناً كبيراً وشوقاً عجيباً في نفوس المسلمين من أهلها، فكانوا ينتظرون بفارغ الصبر حلول موسم الحجّ ، ليقدموا مكة ، ويلتقوا برسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) عن كثب ، ويُظهروا له عن استعدادهم لتقديم ما يطلبُ منهم من خدمة وعمل ، وليستطيعوا توسيع نطاق البيعة من حيث الكَمّ ومن حيث الكيف .
وأخيراً حلّ موسم الحجّ فخرجت قافلةٌ كبيرةٌ من أهل يثرب للحجّ تضمّ خمسمائة نفراً فيهم ثلاث وسبعون من المسلمين من بينهم امرأتان ، والباقي إما راغبون في الإسلام ، وأما غير مكترث به ، حتّى قدموا مكّة ، والتقوا برسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) فواعدهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) بالعقبة للبيعة إذ قال : ( موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق ) .

فلما كانت الليلة الثالثة عشرة من شهر ذي الحجة وهي الّتي واعدهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) فيها باللقاء ، ونام الناس حضر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) مع عمّه ( العباس بن عبدالمطلب ) قبل الجميع ، وخرج المسلمون من رحالهم يتسلّلون تسلل القطا مستخفين بعد أن ناموا مع قومهم في رحالهم ، ومضى ثلث الليل لكيلا يحسّوا بخروجهم ، حتّى اجتمعوا في الشعب عند العقبة ، ولما استقرّ المجلس بالجميع ، كان أوّل متكلم هو:
(( العباس بن عبدالمطلب )) فقال واصفاً منزلة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) : يا معشر الخزرج ـ وكانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسَها ـ إنَّ محمَّداً مِنّا حيث قد علمتم ، وقد مَنَعاهُ من قومنا، فهو في عزّ من قومه ، ومَنعة في بلده ، وإنّه قد أبى إلاّ الانحياز إليكم ، واللُحوق بكم ، فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممّن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترونَ أنكم مُسلِمُوهُ وخاذِلُوهُ بعدَ الخروج به إليكم ، فمن الآن فدعوهُ فانه في عزّ ومَنعة من قومه وبلده .
فقال الحضور: قد سمعنا ما قلتَ فتكلّم يا رسول اللّه، فخذ لنفسك ولربك ما أحببتَ .

فتكلمَ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) فتلا القرآن ودعا إلى اللّه ورغّب في الإسلام ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم .
فقام البراء بن معرور وأخذ بيد النبىّ ( صلى الله عليه وآله ) وقال : ( نعم والّذي بعثك بالحق نبياً لنمنعمنَّك مما نمنع منه اُزُرنا ) .
فدب في الحضور حماس وسرور عظيم وتعالت الأصوات والنداءات من الخزرجين والّتي كانت تعبيراً عن شدة حماسهم ، وسرورهم لهذا الأمر ، فقال العباس وهو آخذ بيد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) .
وفي هذه الاثناء نهض ( البراء بن معرور ) و ( أبو الهيثم بن التيهان ) و ( أسعد بن زرارة ) من مواضعهم وبايعوا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) ثم بايعه بقية القوم جميعاً .
ثم ان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) قال: اخرجُوا إِلىَّ منكم إثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم . فأخرَجوا منهم اثني عشر نقيباً فقال ( صلى الله عليه وآله ) لأولئك النقباء : انتم على قومكم بما فيهم كُفَلاء ككفالة الحواريّين لعيسى بن مريم وأنا كفيلٌ على قومي ( يعني المسلمين ) فاُبايعُكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم . فقالوا: نعم وبايعوه على ذلك .
وكان النقباء الذين اختيروا لذلك تسعةً من الخرزج وثلاثةً من الأوس وقد ضُبِطَت أسماؤهم وخصوصياتهم في التاريخ . وبعد أن تمّت مراسم البيعة وعدهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) بأن يهاجِرَ إليهم في الوقت المناسب، ثم ارفض الجمع وعادَ القومُ إلى رجالهم .

والآن ينبغي أن نجيب بالتفصيل على السؤال الّذي يطرح نفسه هنا وهو : ما الّذي دعى أهل يثرب الذين كانوا بعيدين عن مركز ظهور الإسلام إلى أن يستجيبوا لنداء الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ويأخذوا بتعاليمه أسرع من المكيين مع ما كان بين المكيين وبين رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) من القرابة القريبة ؟!.

وكيف تركت تلك اللقاءاتُ المعدودةُ القصيرةُ بأهل يثرب آثاراً تفوق الآثار الّتي تركتها الدعوةُ المحمّدية خلال ثلاثة عشر عاماً في مكة ؟!.

إن علة هذا التقدم يمكن اختصارها وحصرها في أمرين :
o ( أوّلا ) : أن اليثربيّين جاوروا اليهودَ سنيناً عديدة وطويلة قبل الإسلام وكثيراً ما كانوا يتحدّثون في مجالسهم وأنديتهم عن النبىّ العربىّ الّذي يظهر، ويأتي بدين جديد .
حتّى أن اليهود كانوا يقولون: للوثنيين إنَّ هذا النبىّ سيقيم دينَ اليهود وينشره، ويمحي الوثنية ويقضي عليها بالمرة .
فتركت هذه الكلماتُ أثراً عجيباً في نفوس أهل يثرب، وهيّأت قلوبهم لقبول الدين الّذي كان يخبر عنه يهودُ وينتظرونه ، بحيث عند ما التقى الأنفار الستة من أهل المدينة إلى الإيمان برسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) لأوّل مرّة، بادروا إلى الإيمان به من غير إبطال ولا تأخير بعد أن قال بعضهم لبعض : واللّه إنَّه للنبي الّذي توعَّدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه .
ومن هنا فان مما يأخذه القرآن على اليهود هو : أنكم كنتم تهددون الوثنيين بالنبي العربيّ ، وتبشرون الناس بأنه سيظهر، وإنهم قرأوا أوصافه وعلائمه في التوراة فلماذا رفضوا الإيمان به لمّا جاء ( صلى الله عليه وآله ) .
يقول تعالى : (( ولَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الّذيْنَ كَفَرُوا، فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلى الكافِرين )) .

o ( ثانياً ) : إنّ العامل الأخير الّذي يمكن اعتبارهُ دخيلا في التأثير في نفوس اليثربيين وسرعة إقبالهم على الإسلام وتقبّلهم لدعوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) هو التعب والإرهاق الّذي كان أهل يثرب قد أصيبوا به من جرّاء الحروب الطويلة الدامية فيما بينهم والّتي استمرّت مائة وعشرين عاماً والّتي أنهكتهم وكادت أن تذهب بما تبقّى من رَمقهم، وجعلتهم يملون الحياة، ويفقدون كلّ أمَل في تحسّن الأحوال والأوضاع .
وإن مطالعة وقعة ( بُعاث ) وهي ـ حرب وقعت بين الأوس والخزرج ـ وحدها كفيلة بأن تجسد لنا الوجهَ الواقعي الّذي كان عليه سكان تلك الديار من تتابع الحروب بين القبيلتين والتي تتحمل أفرادها على حد سواء الخسائر الفادحة الكبرى ، والتي جعلتهم يواجهون عشرات المشاكل الّتي حوّلت حياتهم إلى حياة مضنية متعبة جداً .
من هنا لم تكن كلتا القبيلتين راضيتين على أوضاعهما ، وكانتا تبحثان عن مخلص مما هما فيه ، من الحالة السيئة ، وتفتشان عن نافذة أمل ، ومخرج من تلك المشاكل .
ولهذا وجد الخزرجيون الستة ضالّتهم المنشودة عندما التقوا ـ ولأول مرّة ـ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) وسمعوا منه ما سمعوا ، فتمنّوا أن يضعوا به حداً لأوضاعهم المتردية إذ قالوا له : ( عسى أن يجمعهم اللّه بك فان جمعهم اللّه بك فلا رَجلَ أعزّ منك ) .

كانت هذه هي بعض الأسباب الّتي دعت اليثربيين إلى تقبّل الإسلام بشوق ورغبة وحماس ، ولم تكن كما كأوضحها الشيخ ( نجيب ) من أمور التجارة والمصالح التجارية التي يأملها اليثريبيون من النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

 

 

أبوحسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-02-2004, 12:47 PM   رقم المشاركة : 6
أبوحسن
طرفاوي نشيط جداً






افتراضي

· ما الهدف الأساسي من اعتراض النبي "صلى الله عليه وآله" لقافلة قريش التجارية ؟!!.

لقد كان الهدفُ الأساسي من بعث وتوجيه السرايا ، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات العسكرية مع القبائل القاطنة على خطوط التجارة المكية هو إيقاف قريش على قوة المسلمين العسكرية ، واشتداد ساعِدِهم ، وخاصة عندما كان النبىّ ( صلى الله عليه وآله ) يشترك بنفسه في العمليات ، ويترصّد مع مجموعات كبيرة من أنصاره تحركات قريش الاقتصادية ، ويعترض قوافلها التجارية .

لقد كان رسول الإسلام ( صلى الله عليه وآله ) يريد بذلك إفهام حكومة مكة الوثنية بأن جميع طرق التجارة المكية هي في متناول يده ، وانه يستطيع ـ متى شاء ـ أن يُشلّ اقتصاد المكيين بتعريض خطوطهم وطرقهم التجارية ، للتهديد الجدّي .

ولقد كانت التجارة أمراً حَيَويّاً وحساساً جداً بالنسبة إلى أهل مكة ، وكانت البضائع الّتي تنقل منها إلى الطائف والشام تشكّل أساسَ الاقتصاد المكّي ، فإذا كانت هذه الخطوط تتعرض للتهديد من قِبَل العدوّ وحلفائه مثل
( بني ضمرة ) و ( بني مدلج ) فان ذلك كان يعني انهدام وانهيار حياتهم .

لقد كان الهدف من بعث تلك الدوريات العسكرية هو : أن تعرف قريش بأن طريق تجارتها الرئيسية هي الآن تحت رحمة المسلمين ، فإذا استمرُّوا في معاداتهم للإسلام وللمسلمين وحالوا دون انتشار الإسلام والدعوة إليه واستمروا في إيذاء من تبقّى من المسلمين المستضعفين والعجزة في مكة واضطهادهم ، قطع المسلمون شريان اقتصادهم .

· ( والخلاصة ) : أنّ الهدف كان هو أن تعيد قريشٌ النظر في مواقفها في ضوء الحالة الجديدة ، والتهديد العسكري الإسلامي الجدّي ، وتترك للمسلمين الحرية في الدّعوة إلى عقيدتهم ، وتفتح الطريقَ لزيارة بيت اللّه الحرام ، ونشر التوحيد ليستطيع الإسلام بمنطقه القوىّ ، والمحكم أن ينفذ في القلوب ، ويتجلّى نورُ الإسلام ويشعَّ على جميع نقاط شبه الجزيرة العربية ، وربوعها ، وبخاصة منطقة الحجاز مركز الجزيرة، وقلبها النابض .

فان المتكلم مهما كان قوىَّ المنطق ، سديد البرهان وأنَّ المربّي والمرشد مهما كان مخلصاً مجداً فانّه لا يستطيع أن يحرز أي نجاح في تنوير العقول ، وتهذيب النفوس وبث الفكر الصحيح إذا لم تتوفّر له حرية العمل ، ولم تتهيأ له البيئةُ المطمئِنّة وأجواءُ الحرّية والديمقراطية .

ولقد كان الاضطهادُ والكبتُ وسلبُ الحريات الّتي كانت تمارسها قريش هي الموانع الكبرى أمام تقدُّم الإسلام وسرعةِ انتشارِ نفوذه ، وكان الطريق إلى كسر هذا السدّ ، وإزالة هذا المانع ينحصر في تهديد اقتصادها وتعريض خطوطِها التجارية للخطر ، وكانت هذه الخطة تتحقق فقط عن طريق القيام بتلك المناورات العسكرية والاستعراضات الحربية ، والعمليات الاعتراضية .

 

 

أبوحسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-02-2004, 12:49 PM   رقم المشاركة : 7
أبوحسن
طرفاوي نشيط جداً






افتراضي

هذه جملة المناقشة ، ولكن قبل أن نختم مناقشتنا لرأي الشيخ نمر مروراً على مقولته : أن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) عقلاً تجارياً ، مما حدا بقريش أن يخافوا على تجارتهم من عقليته المحنكة التجارية ، وأيضاً مما جعلهم يحاربون هجرته إلى المدينة المنورة كونها تمثل خطراً على تجارتهم جراء هذا العقل التجاري والذي قد يكون له الأثر في نقل المركز التجاري المهم لمكة إلى يثرب .
وقبل الخوض بهذا الأمر نستعرض ما يذكره المؤرخون عن سفر الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) وعمله التجاري ، ومن ثم ندرج ما يمكننا أن نستنتجه من جراء هذه الرحلات التجارية للنبي ( صلى الله عليه
وآله ) .

الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) لم يمارس بحياته التجارة إلا مرة واحدة ، وهذا ما يذكره المؤرخون أجمعين ، حيث سافر بالقافلة الوحيدة لقصد التجارة بقافلة السيدة خديجة ( سلام الله عليها ) . ولنذكر رحلته تلك على نحو الإجمال ، وكما يذكرها المؤرخون :
تهيّأت قافلة قريش التجارية للسفر إلى الشام، وفيها أموال ( خديجة ) أيضاً، في هذه الأثناء جعلت
( خديجة ) بعيراً قوياً وشيئاً من البضاعة الثمينة تحت تصرّف وكيلها ـ أي النبىّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمرت غلاميها ( ميسرة وناصح ) اللذين قررت أن يرافقاه ( صلى الله عليه وآله ) بان يمتثلا أوامره ويطيعاه ، ويتعاملا معه بأدب طوال تلك الرحلة، ولا يخالفاه في شيء .
وأخيراً وصلت القافلة إلى مقصدها واستفاد الجميع في هذه الرحلة التجارية أرباحاً، إلا أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ربح أكثر من الجميع ، ثم عادت تلك القافلة التجارية إلى ( مكة ) بعد ذلك المكسب الكبير، والحصول على الربح الوفير .
وعند ما اقتربت قافلة قريش إلى ( مكة ) ، وصارت عند مشارفها ، التفت ( ميسرة ) ـ غلامُ خديجة ـ إلى النبىّ ( صلى الله عليه وآله ) وقال : ( يا محمَّد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في أربعين
سنة ، فاستقبل بخديجة وابشرها بربحنا ) ، فأخذ النبي باقتراح ميسرة ، وسبق القافلة العائدة في الدخول إلى
مكة ، وتوجه نحو بيت ( خديجة ) بينما كانت خديجة جالسة في غرفتها ، فلما رأت النبي مقبلا عليها ، نزلت من منظرتها وركضت نحوه واستقبلته ، وأدخلته في غرفتها ، فخبّرها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) بما ربحوا، ببيان جميل ، وكلام بليغ ، فسرت ( خديجة ) بذلك سروراً عظيماً ، ثم قدم ( ميسرة ) في الأثر، ودخل عليها ، وأخبرها بكل ما رآه وشاهده من النبي ( صلى الله عليه وآله ) في تلك السفرة من الكرامة والخير ، والخُلق
العظيم ، والخصال الكريمة ، ومن الأمور الّتي كانت برمتها تدل على عظمة شخصيته ( صلى الله عليه وآله ) ، وسمو خصاله .
هذا مجمل ما ينقل المؤرخون من حادثة سفر الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) للتجارة مضاربةً بأموال خديجة ( عليها السلام ) .

فما الذي نستنتجه من هذه الحادثة ؟!!.
o ( أولاً ) : ربحه الوفير والذي يعادل أرباح أربعين سنة للسيدة خديجة ( عليها السلام ) لم يكن بسبب عقلية الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) التجارية المحنكة كما يقول الشيخ "حفظه الله ورعاه" وإنما كانت لسببين :
§ ( السبب الأول ) : العناية الإلهية لهذه القافلة أكثر من كونها قافلة تجارية قامت بالإتجار بالأموال ومن ثم ربحت ما يربحه غيرها .
وإلا فإن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) لم يتحدث التاريخ أنه ذهب إلى التجارة قبيل رحلته هذه ، ومن الطبيعي خروج رجل حدث بأمور التجارة ؛ لم يكتسب الخبرة اللازمة ، ولا صقلت عقليته بالاحتكاك بالتجار الذين من حوله قبيل هذه الرحلة ، لابد أن تكون رحلته وربحه ربحاً ضيئلاً أو لنقل إن وفق ربحاً معقولاً لا أن يفوق أرباح أربعين عاماً سبقته .
الأمر الطبيعي أن يكتسب الخبرة مما سبقه ويخوض تجارب عدة إلى أن يصقل عقله بالتجارب وبالاحتكاك مع من هم سابقوه بتلك الصنعة إلى أن يكتسب أمور وحنكة وطرق التجارة ومعاملاتها .
لذا لا نجد لربح الرسول ( صلى الله عليه وآله ) هذا الربح الوفير إلا تدخل اللطف الإلهي لهذه الرحلة ، وأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يطلع عباده سواءً من قريش أم خارجها على أمانة وكريم أخلاق هذا النبي ، وذلك تمهيداً لإبتعاثه بالرسالة المحمدية ، فتكون هذه الرحلة هي أحد الأسباب التي ينظر إليها الناس بعين الاعتبار لكي يؤمنوا بهذا الدين الجديد .

§ ( السبب الثاني ) : التوفيق الإلهي لجمع النورين بعضهما لبعض .
وأقصد بذلك أن المطلع على بدايات هذه القضية ـ قضية خروج الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) للتجارة بقافلة السيدة خديجة ( عليها السلام ) ـ يرى أن عمه أبو طالب اقترح عليه يطلب من السيدة خديجة ( عليها السلام ) بأن يقوم بالاتجار بقوافلها ، وما أن سمعت خديجة ( عليها السلام ) حتى أرسلت إلى الرسول الأعظم
( صلى الله عليه وآله ) تطلب منه ذلك .
هذا الحدث ينبئ لنا عن كيفية تدخل العناية الإلهية في للجمع بين الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) والسيدة خديجة ( عليها السلام ) بالزواج ، حيث أن السيدة خديجة ( عليها السلام ) من سادات نساء قريش ، إن لم تكن رأس الهرم عليهن جميعا ، ولذا فإن الكثير من سادات قريش تقدموا لها ورفضتهم .
فكان هذا اللقاء بمثابة إلتقاء تقديري ومخطط إن صح لنا القول إلى لقياء نور محمد ( صلى الله عليه وآله ) ونور السيدة خديجة ( عليها السلام ) بعدما عاد لها بما لم يعد به من قبله ، وبعدما سمعت من خادمها ( ميسرة ) ما سمعت من صفات النبي
( صلى الله عليه وآله ) العظيم .

o ( الأمر الثاني ) : لم ينقل عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في هذه الرحلة إلا ما يصف بها خادم السيدة خديجة "عليها السلام" ( ميسرة ) ، وكان حديثه منصب على جل أخلاق وسمات وصفات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وليس عن عقليته التجارية ، وكيفية تصريفه للبضاعة المشتراه ، وكيفية شراء لبعض البضائع التي تدر عليهم ربحاً وفير .
وهذا يعطينا أن كريم أخلاق النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعظيم تعاملاته مع العملاء للقافلة هي السبب في هذا الرواج ، وإن كان في زعمي أن القضية قضية عناية إلهية أكثر من كونها عبقرية تجارية ، حيث أن كريم الأخلاق لوحدها ليست كفيلة بأن تنشأ ما يذكره المؤرخون من هذه الأرباح التي أحضرها للسيدة خديجة ( عليها السلام ) ...

هذا وأخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين ،،،،

أبوحسن
6 محرم الحرام 1425هـ .

 

 

أبوحسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-03-2004, 12:02 AM   رقم المشاركة : 8
حامل المسك
نائب المشرف العام
 
الصورة الرمزية حامل المسك
 







افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
عزيزي أبوحسن :
لم تترك شاردة او واردة الا وذكرتها لم تترك لنا شيء تحليلك لكلام الشيخ نجيب أتفق معك قلباً وقالباً .
نعم قريش مولعة بالتجارة ولكن الزعامة الدينية التي أكسبت قريش الهيبة عند العرب لما لمكة من تقدير خاص لدى المجتمعات الجاهلية
هي الأساس

 

 

 توقيع حامل المسك :



عَلَّمَتْنِي الْحَيَاة..ان أَجَعَل قَلْبِي مَدِيْنَة..بُيُوْتِهَا الْمَحَبَّة..وَطَرِيْقُهَا التَّسَامُح وَالْعَفْو وَأَن اعْطِي وَلَا أَنْتَظِر الْرَّد عَلَى الْعَطَاء ..وَأَن اصَدِق مَع نَفْسِي قَبْل أَن اطْلُب مِن أَحَد أَن يَفْهَمُنِي ..وَعَلَّمْتَنِي أَن لاأَندُم عَلَى شئ وَأن اجْعَل الْامَل مِصْبَاحَا يُرَافقُنِي فِي كُل مَكَان وَأَن احْتُفِظ بِأَحْزَانِي فِي قَلْبِي وَأَن ارْسِم الْبَسْمَة عَلَى شَفَتِي حَتَّى لاأَحْزن الْنَّاس
حامل المسك غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-03-2004, 06:12 PM   رقم المشاركة : 9
المحلل
مراقب سابق






افتراضي

<div align="center">أبـــــــــو حسن
تحليل رائع جداً جداً جداً
قراءتك للحدث كانت موفقةً جداً


أولاً أشيد بنوعك من الشباب عزيزي أبو حسن
فقراءتك النقدية للشيخ بحد ذاتها هي خطوة جبارة قلما نراها في جيل الشباب
و لا يجرؤ على القيام بهذا إلا متمكن نقف له وقفة احترام

و الحقيقة أنني لم أسمع كلام الشيخ كاملاً و لا أعتقد بأنك نقلتها لنا حرفياً
و لذا تجدني أقرأ هذا الموضوع لا لنقد كلام الشيخ بقدر ما هو استمتاع بما خطته أناملك الرائعة ...

فنحن لا نستطيع أن ننفي أن السبب الذي ذكره الشيخ هو لفتة جيدة و قد يكون عاملاً مهماً أيضاً ....
و قد ذكرت أنت قول الرسول <img src='style_images/1/p1.gif'> لهم " وتؤدي إليهم بها العجم الجزية"
فكلمته هنا تدل على أن للمال دخل في الموضوع و إن كان بشكل غير مباشر ،،،

و أيضاً قد يدافع الشيخ عن فكرته فيقول :: بأن إظهار كونهم خائفون على تجارتهم أكثر من عقائدهم فإن هذا سيفقدهم مصداقيتهم ... و لهذا جعلوا الصورة العقائدية هي الواجهة الرئيسية لحديثهم ... و قد تكون كذبة كذبوها و كذبوها حتى صدقوها ،،، فكانت محور حديثهم حتى في السراء ...
و الأمثلة في أيامنا كثيرة ... فبعضهم جعل الواجهة العقائدية سلماً ليصعد من خلاله و يصل إلى الكرسي ... و لا يسمح المجال بالتوضيح أكثر
فتجد أن الدندنة كل الدندنة على العقائد .. و الله أعلم بالسرائر و الأهداف ،،،

إذاً قد تكون التجارة هي السبب الغير معلن ...

و قد ننصف الجميع و نقول بأن الأعمال بالنيات
فبعض قريش اعتقدوا بالآلهة و منهم أبو أحيحة ..
و بعضهم كان همه المال و الشهوة و غيرها ،،،

و قد ينطبق هذا الكلام حتى على بعض من يعتقدهم الناس أنهم من الفضلاء
فتراهم يقومون ببعض الأعمال التي ظاهرها الإيمان و العقيدة و باطنها الاحتفاظ بعطايا الناس و سخائهم ،،، ( و هؤلاء سيجزرهم الإمام المهدي <img src='style_images/1/p2.gif'> )




أيضاً ملاحظة أخيرة حول عبقرية الرسول صلى الله عليه و آله وسلم في التجارة و هي ليست معارضة لما توصلتم له عزيزي بقدر ما هو لفتة سريعة
فنقول
بأنه ليس المهم ما هي الأسباب الحقيقية لنجاح الرسول <img src='style_images/1/p1.gif'> في إدارة تجارة خديجة رضوان الله عليها و لكن المهم هو / ما هي الفكرة التي أخذها أهل مكة و أهل المدينة ..
فبما أن الرسول <img src='style_images/1/p1.gif'> نجح في التجارة كل ذاك النجاح فإن هذا دل على حنكته في التجارة ،، و لا يهم كثيراً بأن السبب هي الألطاف الإلهية أو غيرها
و هذا هو ما فهمه أهل مكة و المدينة ،،،

فمرةً ندرس السبب الرئيسي وراء نجاحه و مرةً ندرس الفكرة التي أخذها الآخرون عن هذا النجاح ،،،

_____________________________

مرةً أخرى أكرر إعجابي الكبير بهذا التحليل الرائع أخوي بو حسن
و ننتظر منك تحليلاً آخر و آخر ،،،



المحلل ،،،
( أعذروني على عدم ترتيب حروفي و تقبلوا تحياتي )</div>

 

 

 توقيع المحلل :
لا تكن ليناً فتُعصر .. و لا صلباً فتُكسر
المحلل غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 12:22 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد