![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : 1 |
|
مشرف سابق
|
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم ومنكري فضائلهم نظراً لاقترابنا من أيام الله - أيام الحج - فالجدير بنا أن نستفيد من تلك الأيام قدر استطاعتنا، والموضوع المنقول هذا يحمل في طياته الكثير من الفوائد. ملاحظة: يوجد الكثير من الأخطاء الإملائية في الموضوع وهي من المصدر المنقول منه. دور الحج العبادي في صياغة الشخصية المؤمنة من خلال الطرح القرآني السيد محمّد علي السيد عبد الرؤوف ركّزت الرسالة الإسلامية كثيراً على الجوانب العبادية ...عندما خطّت للمسلم منهجه الحياتي وأسلوبه العملي المتحرك في واقعه، وهذا ما نلحظه بوضوح في القرآن الكريم حين يتحدث آمراً بالصلاة والصوم والحج والذكر والدعاء والاستغفار، فضلاً عن الزكاة والإنفاق كحالة عبادية في بعض جوانبها. ومن الطبيعي ـ بعد رفض تصوّر العبثية في الطروحات الإلهيةـ أن يكون لهذه العبادات دور ريادي في حياة المسلم. فبالإضافة إلى دور العبادة في ربط المسلم بالله ـ برابط يخلق لديه قوة الإرادة، وشدّة الالتحام بالمفاهيم الرسالية، بالشكل الذي تنعدم معه كل المعوقات، وتنهار أمامه كل الحواجز مهما قويت حين تدعوه الرسالة لأي اتجاه ـ نلمس دورها في خلق المناعة ضد الانحراف لتجعل منه مثالياً في شتى جوانب حياته. فنلاحظ ـ مثلاً دور الصلاة في محو صورة الفحشاء والمنكر من حياته من خلال المنظار القرآني: (وأقم الصلاة إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) [العنكبوت/45]. كما نلاحظ دور الصوم في خلق حالة التقوى لديه: ( كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [البقرة/183]. وذلك هو ما نلحظه حين نتأمل دور الحج في واقع المسلم ، من وجهه النظر القرآنية ـ كما سنلمسه من محاولتنا الدراسية هذه. فانطلاقاً من الأهداف والثوابت التي تعمل من أجلها عبادة الحج ... شدّد الإسلام كثيراً على أدائه ... بالنحو الذي جعل آثار تركه مخيفة ... حين عبّر عن تاركه بالكافر... (ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غنّي عن العالمين) [آل عمران/97]، مما يوحي بأهميته القصوى تشريعياً. وذلك هو عين ما توحي به كلمات الرسول صلى الله عليه وآله حين تشير إلى تخيير المستطيع التارك، بين أن يموت يهودياً أو نصرانياً، حتى لو كان مسلماً في شعاراته ومظاهره. إذاً، لا بد أن يكون لهذا العمل العبادي دورٌ رائد في تصميم واقع الإنسان الحياتي، من خلال جعله يذوب روحياً في الله، وينصهر في أجوائه، ليتحرك واقعه الاجتماعي بمختلف أُطره، لا سيما إطاره العام، من خلال الشعور بالمسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقه اتجاه أمته، وليقوم بالدور التغييري الفاعل لخلق الأمة الرسالية الهادفة، من خلال حمل مسؤولية الدعوة إلى الله. مع آيات الحج في سورة الحج: ولا بدلنا من أن نقف قليلاً مع بعض آيات سورة الحج، وهي تتحدث عن هذا الفرض الرسالي في جوانب مختلفة من حالته، تاريخاً تشريعاً وأهدافاً... يقول سبحانه: (إنّ الذين كفروا ويصّدون عن سبيل الله والمسجد الحرام سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم)[الحج/25]. فتتحدث الآية في مقام التنديد بالمشركين وتهديدهم ـ حين تدخل لطرح واحدة من أهم فروضات التشريع ـ لتشير إلى حالة الصراع التقليدي القائم منذ وجد الإنسان على الأرض بين الحق والباطل، أو بين الإيمان والكفر، من خلال طرح واقع الممارسة الفظّة المتحركة في مواجهة خط الله والرسالة والرسول صلى الله عليه وآله ،التي تعامل بها المشركون مع المؤمنين بالله بمنع المؤمنين ـ وهو معنى الصدّ ـ من ممارسة حركتهم الرسالية في إطارها الشخصي العبادي في المسجد الحرام والعام، وإقامة الحواجز أمامهم حين إرادة التحرك الحر في بيت الله، الذي جعله الله لكل الناس ـ دون اختصاصه بشريحةٍ منهم ـ كما قد يتصور مشركومكة، بأنه مختص بأهلها المقيمين الذين عبّرت الآية عنهم بـ (العاكف) أي المقيم، دون (الباد) الذي أريد به الطارىء على مكة من خارجها. فالمسجد الحرام مجعول من قبل الله للجميع، يستوي في حق التعبّد والإقامة فيه كل من المقيم في الحرم، والقادم إليه بهدف العبادة والحج من خارجه. ثم تشددّ الآية على المشركين الذين يقوم خطّهم على الانحراف عن جادة الحق والاستقامة لتقول: (ومن يُرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ). والإلحاد هو الظلم والميل عن طريق الاستقامة كما ورد في الكافي عن الإمام الصادق (ع) ـ حين سئل عن معنى هذه الآية ـ أنه قال: ((كل ظلم إلحاد ... وضرب الخادم في غير ذنب من ذلك الإلحاد))، وأعطى هذا التنديد قوّةً ودعماً وروحياً ونفسياً للمؤمنين من خلال فتح أبواب الأمل الكبير أمامهم بالنصر، من خلال عون الله. ونستوحي من الآية أن المسجد الحرام، وكل مواقع القداسة الإلهية، هي ملك عام لكل المسلمين، دون تحايز بين أهل البلد وجواره، وبين القادمين إليه من أي موقع من مواقع المسلمين في الأرض، بل هي تهدد كل من يقوم بدور الصدّ عن المسجد الحرام، ومنع قاصديه من الوصول إليه لأداء مناسكهم فيه... تاريخ البيت وأهدافه: ثم تنطلق الآيات لتحدثنا عن الحج في جوانب مختلفة من حالاته، في تاريخه وتشريعه وأهدافه، فيقول سبحانه: (وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهَّر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود] [الحج/26]. يشير سبحانه إلى تاريخ الحج، من خلال تاريخ بناء البيت الذي أراد الله له، أن يكون النقطة المركزية للأرض، التي قضت إرادته تهيئتها لتكون المكان الذي يرمز إليه سبحانه، فيقصده الإنسان حين يريد زيارته والإتصال به، رغم وجوده سبحانه في كل مكان وكأنه أراد للإنسان ـ الذي يتعامل مع الوجودات الحسّية ـ أن يهّيء له موقعاً ينظر إلى الله من خلاله، ويقصده فيه من أجل تركيز الإحساس بوجوده، مما قضى بإيجاد هذا الموقع،الذي تشير العديد من الأحاديث عن تحديده، منذ خلق الله الأرض والإنسان. وشاءت الإرادة الإلهية تحديد أو تجديد هذا الموقع. بالإشارة إلى الخليل إبراهيم (ع) أن يؤدي هذا الدور، حين هيّأ له تحديد الموقع للقيام بدور إشادته وبنائه، وهو معنى (بوّأنا) أي عرّفنا. كلّفه بذلك، متعاونا ً مع وليد ذلك الموقع المقدّس ولده النبي إسماعيل (ع)، كما تشير الآية: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) [البقرة/137]. وهنا تنطلق الآية لتشير إلى دوافع الإنشاء: (أن لا تشرك بي شيئا)، وهو الهدف الأول المتمثل بإقامة الحياة على أساس التوحيد، ورفض الانحراف والشرك، في الوقت نفسه الذي يدعو فيه إلى الاخلاص له في العمل، لتكون الإقامة منطلقة من النظر إليه وحده والعمل من أجله وفي سبيله: (وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود), وهو هدف آخر يتعلق بالجانب العملي المتحرك، بعد الاشارة إلى الجانب الفكري العقائدي، فأراد له القيام بعمليه التطهير المتمثل بإبعاده عن كل ما يؤدي إلى النظر إلى غير الله، في أي توجه، ليكون موقعاً لعبادة الله وحده ـ حسّياً ـ من خلال الطواف حوله والعكوف والقيام فيه بأسلوب الركوع والسجود، المعبّر عن إخلاص الخشوع والخضوع له سبحانه. الطواف رمزٌ لحالة: والملاحظ، أنّ الآية ـ حين تحدثنا عن الدور الذي يفسحه المسجد الحرام للمؤمن ليقوم به فيه ـ تُركز على مهمة الطواف حول الكعبة، الذي تربطه الآية بالقيام والركوع والسجود، مما يرمز إلى توجيه المؤمن ليعيش حالة الدوران حول الله، في كل واقعة، من خلال الدوران حول الكعبة. مما يوحي للإنسان بجعل كل حركته ـ منذ تفتح الوعي فيه وحتى نهاية دورة الحياة الدنيا ـ تقوم على أساس الدوران حول تعاليم الله ورسالته، والمعاني التي يريد طبع الحياة بها، فيذوب في أجواء الله، ويتحول إلى وجود مستهلك في معانيه وشرائعه، ويتناءى بذلك عن كل لوثات الخبث والرجس والفساد، فيحقق من خلال ذلك هدف خلقه بجعله خليفة لله في الأرض. فلسفة التشريع: ولو حاولنا القاء نظرة فاحصة على هذا النسك، منذ عهد إبراهيم (ع)،وتأملنا في الكثير من تفصيلاته وخصوصياته، لرأينا المدلولات الكبيرة له في بناء واقع الإنسان على ركائز الخير والسلام والمحبة، ولرأينا كل حركة فيه تمثل رمزاً كبيراً لمعنىً كبير يغني حياة الإنسان بالمعاني الخيرة. من هنا كان الحج دورة تدريبية مكثّفة لتحقيق الحياة السليمة. ففضلاً عن الاستعداد النفسي والتهيئة الروحية المطلوبة من قاصد الحج، وفضلاً عن ضرورة تصفية ماله من كل حقوق الله والناس، التي لا بد أن تسبق عملية التحرك العملي لللأداء، نلحظ أنّ أوّل دور يقوم به الحاج بعد السفر الشاق ـ حين يصل موقع الميقات ـ هو دور الاحرام، الذي يمثل دورة تدريبية شاقة، على طريقة تحقيق الهدف الإنساني الكبير، حين يشعر بانسانيته، وينزع عنه كل مظاهر التمايز عن غيره من الناس في الأطر المادية، ليتجرد روحياً عند لبس ثياب الإحرام التي تخلو من كل مظهر مزخرف مقرناً ذلك بالتلبية ـ لبيك اللهم لبيك ـ التي تمثل حالة الاستجابة النفسية والعملية المطلقة لله، والتي يفترض فيها أن تنعكس على كل أدواره الحياتية الفكرية والتنفيذية كفرد وكجماعة مما يوحي بالتصميم على تجاوزكل حالات الانحراف والشرود عن مواقع الإيمان، مما يخلق واقعاً تغييرياً في كل منهجه الحياتي في مختلف المواقع، من خلال انطلاق الروح في حالة صعود إلى الله. ويترافق ذلك مع حالة تطبيقية صارمة، تتمثل برفض حالة الأنانية وعبادة الذات. وذلك بترك حالة الانسياق وراء الرغبات الشهوية المتمثلة بالمظهر، فينزع كل ثيابه ويتجاوز واقع الغريزة والشهوات الخاصة، وينطلق ليجعل من واقعه سلاماً تجاه كل شيء، انسجاماً مع واقع البيت الآمن (ومن دخله كان آمنا) [آل عمران/97]، (أو لم نمكّن لهم حرماً آمنا) [القصص/57]، (أو لم يروا إنا جعلنا حرماً آمنا) [العنكبوت/67]، مما يفترض أن يتحول الإنسان إلى عنصر أمن وسلام تجاه كل حي من إنسان وحيوان ونبات، ويلغي من قاموس حياته غريزة العدوان، حتى يتحول في حياته كلها إلى مثال سلام بأدقّ معانيه، وهو الهدف الذي ركزت عليه الرسالة حتى جعلت لفظة المسلم تنطلق من تعبير السلام. ويُدرّب الاحرامُ المسلمَ أن يعيش حالة طهارة القلب واللسان، كما يوحي القرآن: ( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) [البقرة/197]. وهكذا تنطلق تفاصيل الحج، لتعطي الرموز الكبيرة العاملة في تصفية الواقع الحياتي للإنسان حين تربطه بالله، فيجعل من كل حياته دوراناً حوله، وخضوعاً له، وسعياً نحوه من خلال الطواف والصلاة والسعي. ثم يتحرك الحج في أجواء عرفات والمزدلفة حيث يتجرد الإنسان منقطعاً إلى ربه، بعيداً عن كل مظاهر الترف والعمران، ومباهج الدنيا، ثم يتحول إلى منى ليبدأ فيها عملية رجم الشيطان الأكبر، وكل الشياطين، بكل أحجامهم ومواقعهم وأصنافهم. ذلك الرمز الموحي بمعنىً كبير يقوم على أساسه بناء الحياة الحرة السليمة الذي يوحي له بضرورة مواجهة شياطين الإنس والجن، التي تتمثل بكل واقع الشذوذ، والانحراف عن الحق في فكره ومناهجه العملية، في واقعه الشخصي أو عمقه الاجتماعي، ويوحي له يلزوم مقاومتها بكل قوة لفرض واقع التغيير والتحرك نحو أجواء الله والرسالة. ويبقى واقع الحج يتحرك ليصل إلى إطار البذل والعطاء، بتقديم الأضاحي فيشعر المسلم بمسؤوليته في هذا المجال، حين يُقدم الأضحية قاسماً لها كما يشير التشريع إلى أقسام ثلاثة: لنفسه ولإخوانه ولفقراء المسلمين. فيشعر بأنه حين يعيش في المجتمع، عليه أن لا يتمثّل واقع الأنانية، بل عليه أن يشعر بمسؤوليته ـ في كل حركته الفكرية والمادية والمعنوية ـ اتجاه ذاته وإخوانه وأصحابه وذوي البؤس والحاجة من المؤمنين.كل ذلك من أجل تقويم الواقع الاجتماعي- لخلق حالة الاكتفاء الذاتي لهذا المجتمع، حين يكمّل كل جزء منه بقية الأجزاء. ولعلنا لو عُدنا إلى الأحاديث الكثيرة الواردة عن رسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته (ع) وهي تتحدث عن فلسفة الحج، لوجدناها تشير إلى هذا المعنى. وهو ما نفهمه من قوله سبحانه: (ليشهدوا منافع لهم) [الحج/28] هذه الآية التي تجمع في شموليتها منافع الروح ومنافع الجسد، الخاصة منها والعامة. ولعل ضيق المجال يمنع عن ذكر الكثير من الأخبار الواردة في هذا المجال. إبراهيم (ع) وأذان الحج: (وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق* ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير][الحج/ 28 ـ 29]. يتحدث الله مع المؤمنين مشيراً إلى تاريخ تشريع الحج، الذي حمّل مسؤوليته لنبيه إبراهيم (ع) ليدعو كل الناس ـ حتى من كان منهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء ـ إلى أداء هذا الدور العبادي.... والأذان يعني الإعلام، وطرح الدعوة بالصوت المرتفع المسموع لكل الآخرين، كما أن كلمة الحج تعني القصد في اللغة، وتحولت من كثرة الاستعمال لتصبح اصطلاحاً شرعياً لهذا النسك، الذي شرعه الله لعباده، فكان تشريعاً إسلامياً، لأنه نداءٌ أمر به الله. مصلحة الإنسان ... هي هدف التشريعات: ثم يوحي سبحانه أنّ هدف النداء الأول دفع الناس للتجاوب معه بقصد البيت الحرام رجالاً ـ أي سائرين على أرجلهم ـ كما تعنيه كلمة الراجل، وعلى كل ضامر، أي مستخدمين وسائل النقل التي أضمرها، أي أهزلها السير الطويل الصعب حين تلبي النداء من الأصقاع البعيدة. ثم تشير الآية إلى ضرورة التلبية من أجل الهدف الثاني للحج، المتمثل بالحصول على المنافع المترتبة عليه، مما يوحي بأن غاية مختلف التشريعات ـ إسلامياً وبكل تشعباتها ـ هي تنظم واقع الإنسان وحياته وتلبية حاجاته ـ دون أن تكون للمشرّع أيّ مصلحة ذاتية بعد كونه الغني المطلق عن كل ما سواه. من هنا فمصلحة الإنسان هي الهدف حتى في تشريعات العبادة الصلاتية وأمثالها، الهادفة إلى خلق المناعة ضد كل انحراف عن الحق. مع بعض أهداف الحج ومنافعه: لو حاولنا التأمل فيما تشير إليه الآية (ليشهدوا منافع لهم) لأمكننا تحديد بعض ملامح هذه المنافع، بالنظر إلى ما يؤديه الحج في حياة المسلم. وحين النظر إلى دور هذا النسك، نرى كثيراً من النقاط التي تحدد هذه المنافع تتفرع إلى اتجاهين: أحدهما: روحي تركز عليه المناسك كثيراً. وثانيهما: اجتماعي حياتي مادي كما تشير إليه أهداف المناسك والتفصيلات العبادية له. ففي الجانب الروحي، يبدو الهدف جلياً من دور الحج في ربط الفرد بالله، من خلال استجابته له بدون مناقشة، وتجاوزه لبعض ذاتياته المصلحية من أجل تلبية النداء، فيحج إلى الله معرضاً عن بيته ووطنه وأهله وولده وقومه وعمله وكثير من خصوصياته، مُعرِّضاً نفسه لبعض الأخطار ـ كما نلمسه من تقاليد بعض المسلمين لا سيما في المراحل الزمنية السابقة ـ في توديع الحاج وداع النهاية، الذي يُعبرّ عنه كتابة وصيته-. يضاف إلى ذلك، ما ترمز إليه مناسك الحج ـ كما قدمناـ التي تنحو باتجاه العميق بالله، حين تجعله يدور حوله وحده،و يخرج إليه ليقف أمامه في العراء، متجاوزاً كل ما يمتّ إلى زهو الدنيا ولهوها ومظاهرها، فضلاً عن التضحية بالمال الذي يحتاجه كنفقة للسفر ومقدماً كل ذلك من أجل الله وحده. مما يجعل من هذا العمل دورة تدريبية كاملة على تمتين الروابط بالله والآخرة من أجل ربح الموقع الكبير عنده في نهاية المطاف. وذلك هو ما تشير إليه بعض الأحاديث القائلة بأن الحاج يعود كيوم ولدته أمه... وأنه يقال له استأنف العمل ...ليبدأ صفحة حياتية جديدة مع الله ومع خط الإيمان، بعد طي كل الصفحات السوداء في تاريخه. ذكر الله أساسٌ في الحج: ونحن نلاحظ تركيز آيات الحج على ذكر الله الموحي بضرورة انسجام الناسك مع التفكير في الله والذوبان في أجوائه، لتتحدد مسيرته كلها في هذا الاتجاه، لا مجرد الذكر اللساني الذي لا تتحرك معه أوتار القلب لتهز مشاعره وكيانه: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين * ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله أن الله غفور رحيم * فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكر كم آباء كم أو أشدّ ذكر) [البقرة/198 ـ 200]، فتؤكد على الذكر، وتقايس بين مشاعر المؤمن مع أبوته النسبية التي تمثل العمق في قلبه، ومشاعره الروحية التي لا مجال لأن تكون أقلّ عمقاً، بل يفترض فيها أن تمثل العمق الأكبر، لما تمثله من قيمة الحياة وسرها، فأهمية الحج إذاً، تنطلق مما تخلقه من حالة تغييرية شاملة في واقع المؤمن. ومنافع حياتية: هذا في الجانب الروحي الذي لا بد من انعكاسه إيجاباً على الجانب الحياتي بمختلف مناحيه. فرحلة الحج تفتح للإنسان الآفاق الأوسع في قضاياه الخاصة المالية والتجارية. وتمدّه بالمعرفة والاكتشاف والتجربة الحية، ثم تفتح أمامه باب العمل الاجتماعي حيث يتصل بأخوانه المسلمين من بقاع العالم فيستمد من تجاربهم الفكرية والعملية ويقدم لهم فكره وتجربته بل قضاياه ومشاكله، فيعينهم ويستعين بهم من خلال الامكانات والطاقات المتوفرة لحل ما يعترض الجميع من مشاكل وأزمات وتحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ليشعر حينذاك بمكامن القوة لديه كمسلم، وليواجه كل تحديات الكفر والنفاق والاستغلال بجرأة وعزيمة وثبات، يتجاوز بها كل أطماع الاستكبار، ومخططات فراعنة وطغاة العالم. ولعل هذا الهدف يُمثل أحد أهم أهداف الحج حين نستوحي تشريعاته، فإنّ أهميته تتضاءل حين ننظره كمجرد حالة خاصة لا تتجاوز الذات،ونلغي دوره كمظاهرة اسلامية تتحدّى كل واقع الكفر والفساد والنفاق في حياة الأمة إن أهملنا شعار رفض الشرك والبراءة من كل جنده وأساليبه وواقعه، وتجاوزنا الموقف الواحد من خلال التوجه الإيماني الواحد. انفاق وعطاء: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير)[الحج/28]. إشارة إلى بعض مناسك الحج في الأيام المعلومات التي اختلف المفسرون في تحديدها. فمن قائل: إنها العشر الأوائل من الشهر التي تأتي أعمال الحج في نهايتها ـ كما ذكر مجمع البيان في تفسيرها عن الحسن ومجاهد ـ إلى قائل: إنها أيام التشريق التي تبدأ بيوم العيد وتعقبه بيومين أو ثلاثة ـ كما نقله عن ابن عباس وهو المروي عن الإمام الباقر (ع). تشير الآية إلى ما يقدمه الحاج من الهدي يوم العاشر أو بعده، حسب ما يفرضه التشريع. ذلك الهدي الذي هو من عطاء الله، والذي لا بد من التضحية به، شرط ذكر اسم الله عليه ـ على خلاف نهج المشركين الذين يقدمونه لأصنامهم ـ فينتفع منه بقسم ويقدم لإخوانه وقسماً لفقراء المؤمنين، مما يشعره بمسؤوليته في الحياة ـ من خلال ما رزقة الله ـ عن كل هؤلاء. من الأدوار النهائية: وتتحدث الآيات عن بعض المسؤوليات الأخيرة ... (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطّوفوا بالبيت العتيق* ذلك ومن يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربه) [الحج/29/30]، والتفث هو طرح الوسخ والشعر وتقليم الظفر وطرح الاحرام كما يروى عن الإمام الصادق (ع). فالآية تشير إلى حكم الحلق أو التقصير، الذي يمثل حالة الخلاص من كل تركمات الأوساخ البدنية، نتيجة التقشف الحياتي والجهد والسفر إلى الله، ليتحلل بعد ذلك من كل ما ألزم به نفسه من نذر وعهد والتزام تجاه الله، ليقوم بعدها بطواف النساء كما يشير إليه تفسير أهل البيت (ع) لآية (وليطوّفوا بالبيت العتيق) أي الكعبة، فيتحلل من كل محرمات الإحرام وقيوده حينذاك. خلاصة: ويختصر القرآن واقع الفريضة حين تؤدى بإخلاص وجدية، بجعلها من تعظيم حرمات الله التي لا مجال لإنتهاكها ( ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ...) فبأداء الشعائر يعيش المؤمن حالة التقوى، والصدق الإيماني الموصل إلى ساحة غفران الله ورضاه حين التزم بأمره العامل في تنظيم الحياة وتحقيق سعادة الدنيا والآخرة، فيعيش راحة الضمير والوجدا في الدنيا، ونيل الجزاء الموعود مع المؤمنين الذين تفتح الجنة لهم أبوابها ليقول لهم خزنتها (طبتم فادخلوها خالدين). تلك هي تطلعات أهل الإيمان ومنطلقاتهم في تحركاتهم. وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.... المصدر: مجلة نور الاسلام ، العدد:15-16، تجدونه على هذا الرابط:- http://www.alhassanain.com/arabic/sh...azinname_id=14
|
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||||||||
|
طرفاوي نشيط
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 3 |
|
مشرف سابق
|
عزيزي/ الحسين مرجعنا، ألف شكر لك على مرورك العطر ووفقك الله لحج بيته الحرام هذا العام وفي كل عام.
|
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 4 |
|
مشرف الواحة الإسلامية وهمس القوافي
|
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن أعدائهم
|
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 5 |
|
مشرف سابق
|
عزيزي/ ابن الشهيد، لقد أسعدني مرورك على هذا الموضوع وأتمنى أن نحج سوية مرةً أخرى كما في السابق.
|
|
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|