![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : 1 |
|
مشرف سابق
|
حينما يبصر الموت ( الحلقة الأولى ) للرهبة.. حينما يتهاوى كبرياء الإنسان من عل من الأرض إلى الأرض ـ وتتلاشى أبراجه العاجية القائمة عليها حياته كأضغاث أحلام، وتتبدد آماله في زهرة الحياة الدنيا البنفسجية بأن يعيش ويعيش.. ويفعل ويقول ويتكاثر ويتكاثر و.. و.. و.. . البقية في الحلقة القادمة والأخيرة
كانت تلك الخاطرة تتململ في خياله، كدموعه العفوية التي بدت تتنامى شيئا فشيئا وهو واقف أمام والده الطريح على فراش المرض الأسود على السرير الأبيض في قسم العناية المركزة. راحت أنامله تمسح قطرات دموعه فهو لا يدري ماذا يصنع وهو لا يستطيع محادثة والده، لأنه في غيبوبة أفقدته إدراكاته الحسية للواقع الخارجي كما أفقده الدهر بصره طيلة عمره الملئ بالمعاناة والتحديات. وبالرغم من طنين الأجهزة وأنين المرضى الآخرين وحنين الزوار، أخذ يجري حوارا أبويا بينه وبين نفسه نيابة عن والده؛ عله يكسر الصمت الذي ألقى بكلاكله على صدره، وجثم على أحاسيسه هو عدا ذلك الشعور الذي يربطه مع والده بعلاقة أبوية مقدسة. بدأ ي محاولة أن يشكل ظلا لوالده وكأنه الآن يهتز واقفا أمامه، ويد تعبث في ترتيب غترته، والأخرى ممسكة بسيجارة مولعة والتي ما إن تفنى حتى تشعل الأخرى. ـ إيه.. السلام عليك يا أبي... هكذا ابتدأ ( عبد الوهاب ) حواريته مع والده ولم يجد في المدخل غير الشعر أصدق إنباء عن أي كلام آخرا عدا كلام الله عز وجل: (( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون )). راح يوقع مشاعره على أنغام تفعيلة هادئة وحزينة: ـ أبتاه.. قد ولج النهار بلا ضياء.. في عروق الليل.. وانتشر الدخان... وسيجارة الأحلام ما انطفأت مشاعلها.. على كفيك تنتظر الأذان.. أخذ يهز رأسه وقد تنفس الصعداء وطرفه لم يزل متعلق بكتلة الأبوة الغائبة عن الوعي الحاضرة في قلبه الملقاة على نطع الاحتضار بين أيدي الموت: ـ نعم.. ألم يأن بعد لهذه الغيبوبة أن تنجلي بعد أن مضت ثلاثة أيام حسوما بلياليها المكفهرة الخطى على فؤادي.. الذي طالما أترعته حبا وولعا وغضبة أبوية في بعض الأحيان. بينما هو كذلك وإذا بأبيه يتحرك على مهل، حتى استلقى على قفاه. تلمس اليد التي تمسكه كعادته، وإذا به يتمتم في صوت خفيض كالنسيم: ـ من.. ولدي عبد الوهاب.. لماذا لم توقظني حتى هذا الوقت المتأخر.. الظاهر أنه وقت العشاء ـ أليس كذلك ـ. تعجب ( عبد الوهاب ) مما يراه، فانتحى قليلا كيما يتأكد. ـ يا الله.. إنه والدي.. إنه يكلمني.. لقد كشف عن وجهه الغطاء فرد بصره كالحديد.. إنه يراني ويسمعني. ـ مالك يا بني اقترب مني قليلا.. واربت على كتفي، هيا.. ما بالك وكأنك خائف مني.
|
|
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|