تمثّل الأعمال في البرزخ
يعتقد الحكماء والفلاسفة وكثير من المتكلِّمين في مسألة تمثّلات أعمال الإنسان في عالم البرزخ أو ما يسمّى عندهم بتجسّم الأعمال يوم القيامة أنّ الحقائق أو الأعمال من قبيل الصلاة والصوم والحجّ ونحو ذلك من الأعمال التي نقوم بها في عالمنا، لها وجود آخر في عوالم أخرى، ولها حقيقة أخرى في عالم الملكوت.
ولتقريب الفكرة نستعين ببعض الأمثلة التي أشار إليها القرآن الكريم
وخصوصاً في ما يرتبط بتعبير الرؤى والأحلام، ومن هذه الأمثلة:
المصداق الأوّل: قوله تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف: 4).
فالنبيّ يوسف عليه السلام رأى في حالة الرؤيا أحد عشر كوكباً والشمس والقمر قد سجدوا له، وهذه الحقيقة كانت في الرؤيا، ونفس هذه الحقيقة في عالم الدُّنيا أخذت لباساً وصورة مختلفة عبّر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ... ) (يوسف: 100).
المصداق الثاني: قوله تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف: 36).
والآية تبيّن أنّ كلّ ما يقوم به الانسان أو ما يراه في النوم له تأويل، أي يوجد شيء يؤول إليه، وهناك شيء يمثّل حقيقته وباطنه وملكوته.
وفي جواب يوسف عليه السلام عن تأويل الرؤيا يقول القرآن الكريم: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف: 41).
فالصورة في حالة النوم ليست هي نفسها في عالم الدُّنيا والشهادة، وهي تأخذ لباساً آخر مخالفاً لما كانت عليه في حالة النوم.
فكلتا الصورتين تعبّران عن حقيقة واحدة، ولكن الحقيقة الواحدة لها صور وأشكال متعدّدة مع اختلاف تناسب العوالم.
المصداق الثالث: قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (يوسف: 43).
والنبي يوسف عليه السلام يقول في تأويل هذه الرؤيا كما ورد في القرآن الكريم: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ) (يوسف: 47 ـ 48).
المصداق الرابع: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) (إبراهيم: 24). فالروايات تبيّن أنّ هذه الكلمة الطيّبة هي كلمة التوحيد.
وفي الآية أيضاً إشارة إلى ما ذكرناه عن التكامل البرزخي، وأنّ الإنسان عند انتقاله إلى النشأة الأخرى لن ينقطع عن أعماله الحسنة وكذلك السيّئة، فما عمله في الدُّنيا من أعمال حسنة سيلحقه ثوابها في البرزخ، وهكذا بالنسبة إلى الأعمال السيّئة.
وقوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ... ) تعني أنّ الثمر لن يتوقّف، وذلك كلّه مشروط بأن يبدأ العمل من الدُّنيا، وهذا هو الفارق بين الاستكمال الدنيوي والاستكمال الأخروي، ففي الاستكمال الدنيوي يبتدئ العمل ويبقى موجوداً، أمّا في الاستكمال المربوط بعالم البرزخ فهو من حيث الابتداء غير ممكن لأنّه ليس للإنسان القدرة على البدء بالعمل من جديد، أمّا من حيث البقاء فهو باق.
المصداق الخامس: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (النساء: 10).
فالأكل لمال اليتيم كان في الدُّنيا يبدو لذيذاً، ولكن القرآن الكريم يؤكّد خلاف هذه الحقيقة في عالم الآخرة، حيث تتحوّل هذه القضيّة من الأكل اللذيذ إلى أن تكون (يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً) فالظاهر كان أكلاً لذيذاً، والباطن هو أكل النار، والإنسان إذا استطاع أن يفتح عين بصيرته في هذه النشأة فباستطاعته أن يرى ليس فقط ظاهر الأعمال، بل بواطنها (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ) (التكاثر: 5 ـ 6). ولهذا نحن نعتقد أنّ المعصوم نبيّاً كان أو إماماً لا يفكّر حتّى بالمعصية فضلاً عن الإتيان بها؛ وذلك لأنّه يرى باطن المعصية.
وبالعودة إلى محلّ البحث عن الأعمال التي يقوم بها الإنسان في هذه الدُّنيا، فإنّه بحسب قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه) (الزلزلة: 7 ـ 8) فهو يرى نفس العمل، ولكن ليس العمل الذي كان في الدُّنيا; لأنّه كان في زمان ومكان معيّنين، بل يرى باطن العمل وملكوته وحقيقته التي صارت أثراً مؤثّراً في النفس. وعند ذلك تبقى ما دامت النفس باقية، وكلّما كانت النفس باقية، فهذا العمل سيكون باقياً معها، خيراً كان أو شرّاً.
فالمراد من «العمل» في قولنا: «تمثّل الأعمال» ليس ما يقابل العقيدة فقط، بل العمل الذي هو أعمّ من الاعتقاد، أي العمل الجوارحي (المرتبط بالجوارح) والجوانحي (المرتبط بالقلوب والاعتقادات والإيمان)، فليس مرادنا إذن من تمثّل الأعمال في البرزخ الصلاة والصوم والحجّ ونحوها، بل الولاية أيضاً التي هي من الاعتقادات، والتوحيد، والإيمان باليوم الآخر... فهذه كلّها لها تمثّلاتها الخاصّة بها.
أمّا في مجال الروايات فهي قد استفاضت في تأكيد هذه الحقيقة بنحو واضح، وأنّ جميع أعمال الإنسان سوف تتمثّل له في البرزخ، وستتجلّى له، وكلّ عمل سوف تكون له صورة تناسبه؛ من هذه الروايات:
- عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إنّ للقبر كلاماً في كلّ يوم يقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدور، أنا القبر، أنا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النار» .
- عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إنّ المؤمن إذا أُخرج من بيته شيّعه الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه، حتّى إذا انتهي به إلى قبره، قالت له الأرض: مرحباً بك وأهلاً...» .
- وعنه عليه السلام قال: «إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبرّ مطلّ عليه، قال: فيتنحّى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللّذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة: دونكما صاحبكم فإن عجزتم عنه فأنا دونه» .
فالخطابات المذكورة في هذه الروايات، خطاب الأرض، والقبر، والصبر، هي خطابات واقعيّة وليست خطابات مجازيّة، وهذه تمثّلاتها وحقيقتها وملكوتها.
وفي بعض الروايات نجد خصوصيّة مهمّة لبعض الاعتقادات ولبعض الأعمال، مثل مسألة الولاية التي تعتبر الأصل وما عداها من الأعمال هي الفروع، فهي كالصلاة إن قُبلت قُبل ما سواها، وإن رُدّت رُدَّ ما سواها.
- عن الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «حبّي وحبّ أهل بيتي نافع في سبعة مواطن، أهوالهنّ عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر (البرزخي وليس الفقهي)، وعند النشور، وعند الكتاب،
وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط» .
- وفي «المحاسن» عن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «إذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ستّ صور، فيهنّ صورة هي أحسنهنّ وجهاً، وأبهاهنّ هيئة، وأطيبهنّ ريحاً، وأنظفهنّ صورة.
قال: فتقف صورة عن يمينه، وأخرى عن يساره، وأخرى بين يديه، وأخرى خلفه، وأخرى عند رجليه، وتقف التي هي أحسنهنّ فوق رأسه، فإن أتي عن يمينه، منعتْه التي عن يمينه، ثمّ كذلك إلى أن يؤتى من الجهات الست.
قال: فتقول أحسنهنّ صورة: من أنتم جزاكم الله عنّي خيراً ؟ فتقول التي عن يمين العبد: أنا الصلاة، وتقول التي عن يساره: أنا الزكاة ، وتقول التي بين يديه: أنا الصيام، وتقول التي خلفه: أنا الحجّ والعمرة، وتقول التي عند رجليه: أنا برّ من وصلت من إخوانك، ثمّ يقلن: من أنت؟ فأنت أحسننا وجهاً، وأطيبنا ريحاً، وأبهانا هيئة،
فتقول: أنا الولاية لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين» .
ومن أبرز وأوضح مصاديق تمثّلات الأعمال في البرزخ قول الرسول صلى الله عليه وآله: «القبر إمّا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران» .
فالقبر يكون كذلك، لأنّ هذه هي تمثّلات أعمال الإنسان واعتقاداته،