كما أنّ الموجود في جهة، موجود محدود، والمحدود من آثار الاِمكان وهو سبحانه منزه عنه وعن آثاره. وأظهر من ذلك ما رواه غير واحد من أصحاب الصحاح من أنّه سبحانه يُرى في الآخرة بنفس العين الحاسة مع أنّ هذه الروَية مستحيلة عقلاً، لاَنّ المرئي لا يرى إلاّ في جهة، وقد قلنا بامتناع الجهة له، كما المرئي منه سبحانه يوم القيامة لا يخلو إمّا أن يكون بعضه أو كله. فالاَوّل يثبت له جزءاً والثاني يلازم كونه سبحانه محاطاً مع أنّه محيط. والعجب انّ بعض المقتصرين على الضوابط المقررة في علم الحديث بغية تمييز الصحيح عن السقيم يتبجّح عند نقد روايات العقل، و يقول: ومما يحسن التنبيه عليه انّ كلّ ما ورد في فضل العقل من الاَحاديث لا يصحّ منها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع وقد تتبعت ما أورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه «العقل وفضله» فوجدتها كما ذكرت لا يصحّ منها شيء، ثمّ نقل عن ابن قيم الجوزيّة قوله أحاديث العقل كلّها كذب. وأوّل حديث نقده ذلك البعض هو حديث «الدين هو العقل، ومن لا دين له لا عقل له». وذكر في موضع آخر بأنّ رواية: «قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له» موضوعة. (1) أقول: إنّ الغاية من وراء تضعيف أحاديث العقل(وإن كانت حجيته مستغنية عن هذه الاَحاديث، ويكفي فيها انّ الذكر الحكيم ذكره خمسين مرّة بصيغ مختلفة) هي التساهل أمام الروايات الدالة على أنّ الاِنسان مسيّر ، والقضاء ____________ 1 . الالباني، سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة، ص 13 وص 370. والقدر حاكم على مصيره وتصرفاته، وليس له أي اختيار في انتخاب ما ينوط به الاِيمان والكفر. أو التساهل أمام الروايات الهائلة المدسوسة في الاَحاديث الاِسلامية من قبل مستسلمة أهل الكتاب، الدالة على التشبيه والتجسيم وإثبات الجهة. إنّ المتبجحين برفض العقل كابن تيمية والذهبي وابن قيم الجوزية ومن حذا حذوهم كمحمد بن عبد الوهاب وأخيراً الشيخ الالباني، قد اتخذوا لاَنفسهم موقفاً مسبقاً في مجال أخذ الحديث ورفضه، فالمعيار عندهم هو اتّباع السلف ومخالفة الخلف أخذاً بقول الشاعر: وكلّ خير في اتّبـاع من سلــف * وكلّ شرّ في ابتداع من خلف (1) وكلامهم هذا نظير ما حكاه سبحانه عن المشركين قال: (... قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباوَُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة|170). فإذا كان هذا هو المعيار فأكثر المحدثين ـ المغترّين بروايات مستسلمة أهل الكتاب ككعب الاَحبار وتميم الداري ووهب بن منبه وغيرهم ممّن بثوا في الاَوساط الاِسلامية الاسرائيليات والمسيحيات ـ كانوا هم القائلين بالجبر والتجسيم والتشبيه، ومن كان هوَلاء أئمّته فأولى أن يتبجح برفض العقل. منقول من .. كتاب الحديث النبوي بين الرواية والدراية للاستاذ جعفر سبحاني