وأخرج أيضاً عن ابن عمر انّه لما طعن عمر أُغمي عليه فصيح عليه، فلمّـا أفاق، قال: أما علمتم انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّالميت ليعذب ببكاء الحي. (1) هذه الرواية وإن رواها مسلم بطرق مختلفة لكنّها مرفوضة جداً لاَنّـها تخالف صريح القرآن. قال سبحانه: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الاَنعام|164). وقال سبحانه: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَو كانَ ذا قُربى) (فاطر|18). فكيف يمكن أن نقبل انّ الميت البريء، يُعذَّب بفعل الغير وهو شيء يرفضه العقل والفطرة وقيل: غيري جنى وأنا المعاقب فيكم * فكأنّنـــي سبـّابة المتنــدّم ولاَجل ذلك ردّت السيدة عائشة هذه الرواية. أخرج مسلم أيضاً: انّها قالت: لا واللّه ما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قط، إنّ الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنّه قال: إنّ الكافر يزيده اللّه ببكاء أهله عذاباً وانّ اللّه لهو أضحك و أبكى ( ولا تَزر وازرة وزر أُخرى...) إلى أن قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنّكم لتحدثونني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطىَ. (2) وهذه الرواية وإن دفعت بعض الاِشكال ولكنّها لم تقلعه، لاَنّ مقتضى الآية هو العموم وهو انّالاِنسان لا يعذب بفعل غيره سواء أكان مسلماً أو كافراً لعمومية العلة (لا تَزر وازرة وزر أُخرى) مع سعة حكم العقل بقبح عقاب البريء بذنب الآخر . والصحيح في ذلك ما رواه حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه ____________ 1 . صحيح مسلم:3|41، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه. 2 . صحيح مسلم:3|43، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه. 2. الاحتجاج بالقدر أخرج البخاري في أبواب التهجد بالليل عن الزهري قال: أخبرني علي بن الحسين انّ الحسين بن علي أخبره انّعلي بن أبي طالب قال: إنّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) طرقه وفاطمة بنت النبي (عليه السلام) ، فقال لهم: ألا تصلون. فقال علي: فقلت يا رسول اللّه: «أنفسنا بيد اللّه»فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال له ذلك ولم يرجع إليه شيئاً، ثمّ سمعه وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: ( وكانَ الاِنسانُ أكثرَ شيءٍ جَدَلاً ) . (2) والحديث موضوع على لسان أئمّة أهل البيت وقد تولّى كبره أحد من ورد في الاسناد وذلك: أوّلاً: انّ الاحتجاج بالقدر وتبرير العقائد الفاسدة والاَعمال السيئة به من سيرة المشركين، وقد نقل القرآن الكريم عنهم ذلك وقال: (سَيَقُولُ الّذينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباوَُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسنا قُلْهَلْعِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّالظنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّتَخْرُصُونَ) (الاَنعام|148). الثاني: عرض الحديث على السنّة المتواترة إنّالسنّة المتواترة كالكتاب العزيز كلاهما قطعيان بَيدَ انّ الكتاب وحي بلفظه ومعناه، والسنّة وحي بمعناها لا بلفظها. فتكون معياراً لتميز الحقّ عن الباطل، وقد مرّ في حديث أيوب بن الحر عن الصادق (عليه السلام) انّه قال: كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة. وفي رواية عمر بن حنظلة عن الاِمام الصادق (عليه السلام) في الخبرين المتعارضين انّه ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة فيوَخذ به. وروى ابن أبي يعفور عن الاِمام الصادق (عليه السلام) : قال: سألته عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به، قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به. (1) والمراد من عرض الحديث على السنة المتواترة ليس هو إحراز موافقته لها، بل إحراز عدم مخالفته لها لكون المخالفة مسقطة للحجية. فالسنة المتواترة أو المستفيضة كالقرآن الكريم فلو ورد حديث يخالفها لا يوَخذ به بالملاك الذي ذكرناه في الكتاب. نعم لا تشترط الموافقة، وإليك المثال: أخرج أحمد في مسنده عن وهب بن كيسان مولى ابن الزبير، قال: سمعت عبد اللّه بن الزبير في يوم العيد يقول، حين صلّى قبل الخطبة ثمّ قام يخطب الناس: [فيجيب على اعتراض الناس بتقديم الصلاة على الخطبتينج بقوله: كلاًّ ____________ 1 . وسائل الشيعة:18، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث 1و11. الثالث: عرض الحديث على العقل الحصيف لقد احتلّ العقل مكانة رفيعة في الاِسلام وليس المراد من العقل، الاَساليب والاستدلالات العقلية التي يختص فهمها بأصحاب الفكر والحكمة، وإنّما المراد ما اتّفق عليه جميع العقلاء إذا تجرّدوا عن كل النزعات والرواسب والخلفيات نظير حكم العقل بحاجة كل ظاهرة إلى علة، وامتناع الدور والتسلسل وحسن العدل وقبح الظلم، وعلى تلك الاَحكام العقلية يدور رحى العقيدة والشريعة فلو لم يعترف أحد بها لانسدّ باب اثبات الصانع على وجهه كما ينسد عليه إثبات الشرائع السماوية وانّها من جانب اللّه سبحانه. قال سبحانه: (فَبَشِّر عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئكَ الّذينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الاََلْباب) (الزمر|17ـ 18). فالمراد من القول الاَحسن، الواجب الاتّباع هو ما يدركه الاِنسان من صميم ذاته ونداء ضميره ووجدانه، ولاَجل ذلك نرى أنّه سبحانه يذكر في فواصل الآيات ويقوللآياتٍ لقومٍ يَعْقِلُون) (البقرة|164) ويقول: (أَفَلا تَعْقِلُون) (البقرة|44و76) ويقولوَما يَعْقِلُها إِلاّ العالِمُون) (العنكبوت|43) ويقول أيضاً: (إِنَّ في ذلِكَ لذِكرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أو ألقى السَّمعَ وهُوَ شَهِيد)(ق|37). ____________ إنّ المتكلّمين من الاِمامية والمعتزلة وإن اختلفوا مع الاَشاعرة في مسألة تحسين العقل وتقبيحه، لكن مع غض النظر عن هذا الجدال العقيم، نرى أنّ القرآن العظيم يحتج بالعقل الصريح و يقولإِنَّ لِلْمُتَّقينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعيمِ * أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فيهِ لَما تَخَيّرون) (القلم|34ـ 38). وفي آية أُخرى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْض أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالفُجّار ) (ص|28). قال سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُبِالْفَحْشاء) (الاَعراف|28). وقال سبحانه حاكياً عن إبراهيم: (قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَاسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُون * فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهمْ فَقالُوا إِنّكُمْ أَنْتُمُ الظالِمُون) (الاَنبياء|63 ـ 64). فهذه الآيات كلّها تدلّ على أنّ منطق العقل حجّة قطعية بين اللّه سبحانه وعباده، وهو سبحانه يحتج به عليهم حتّى أنّ عبدة الاَوثان لما أُفحِمُوا أمام منطق إبراهيم المتين، أذعنوا بفشل رأيهم، ورجعوا إلى وجدانهم، ووصفوا أنفسهم بالظلم والتعدي. فمنطق العقل القطعي يعد مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولتصحيح ما يعزى إلى منطق الوحي وما لا يعزى إليه. وعلى ضوء ذلك فالروايات الصريحة في إثبات الجهة للّه تبارك وتعالى، وفي إثبات الجبر و سلب الحرية والاختيار عن الاِنسان فيما يناط به الاِيمان والكفر كلّها تخالف العقل الحصيف الذي به عُرف اللّه سبحانه وأنبياوَه ورسله. فالاِنسان المسيّر غير مسوَول عن عمله وتصرفاته في قضاء العقل، مع أنّه مسوَول في كتاب اللّه تبارك وتعالى فلا يجتمعان.