*** منقول
المصدر : http://www.alarabiya.net/views/2010/12/14/129620.html
أحمد أميري
في مثل هذه الأيام من سنة 61 للهجرة، كان الحسين بن علي صريعاً على أرض كربلاء مقطوع الرأس وحوله أولاده وأهل بيته وأصحابه صرعى. وعلى الرغم من مضي 1370 عاماً على الواقعة، إلا أن الحاجة ملحّة للتمعن في قضية تعد مُسلمة من المسلمات وهي اعتبار خروج الحسين إلى الكوفة "ثورة" على الحكم، ومن ثم اتخاذها حجّة للانقلاب على الحكومات القائمة، حتى أصبحت راية الحسين مثل قميص عثمان.
ففي أدبيات الإسلام اليساري والثوري لا تذكر كلمة "ثورة" إلا ويعقبها اسم الحسين.. حتى اعتبروا "ثورته" الثورة الأم لكل ثورة جاءت بعدها، كما في خطب منظّر الثورة الإيرانية الأول الدكتور علي شريعتي. ويقول روح الله الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية": ".. إباءً للضيم، واستنكافاً من الخنوع لولاية يزيد وملكه، قام الحسين بثورته التأريخية، ودعا المسلمين جميعاً إلى مثل ذلك".
والنبش في هذه القضية يهدف إلى تسمية الأشياء بمسمياتها، فشتان بين أن نقول إن الحسين قائد ثورة سعت إلى الإطاحة بالحكم، وبين أن نقول إنه كان رجلاً حراً أبى الرضوخ وإعطاء الشرعية لشخص غير جدير بالخلافة.
بداية، الحسين سليل أسرة ذاقت المرّ في سبيل الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الاقتتال الداخلي. فجده لأبيه، أبو طالب، حاصرته قريش ومعه رسول الله ومَن آمن مِن الناس، مدة ثلاث سنوات بين جبلين في مكة. ولم يفكّ الحصار سيف أو ثورة، وإنما حشرة الأرضة التي أكلت صحيفة المقاطعة.
ولم يكن هذا موقف ضعف وخنوع، فشجاعة بني هاشم لا تحتاج إلى إثبات، يكفي أن قريشاً فكّرت في حيلة قتل الرسول (ص) ليلة الهجرة بسيف من كل فخذ فيها ليضيع دمه بينهم.
أما جده لأمه، رسول الله (ص)، فقد تحمّل الأذى والاضطهاد 13 عاماً في مكة، وحين أُعلم بخطة قتله، هاجر إلى يثرب، ومنها، قاتل (ع) إما صداً لعدو أو تأديباً له. وما كان فتح مكة ليحدث لو لم تنقض قريش صلح الحديبية، فحاصر المسلمون مكة وأشعلوا النار في الصحراء، فدخل الرعب في قلوب أهلها وجرى الفتح بسلام.
ولا يخرج أباه علي عن هذا، فقد ردّ على أبو سفيان حين عرض عليه التدخّل العسكري بعد مبايعة الناس أبا بكر، على الرغم من أنه كان يرى نفسه الأحقّ بالأمر، وظلّ يعمل مع الخلفاء الثلاثة وينصح لهم. وكانت حروبه في الجمل وصفين والنهروان دفاعية أو عقوبة للمفسدين والمخرّبين، فموقعه خليفة للمسلمين يفرض عليه اللجوء إلى القوة أحياناً.
أما أخاه الحسن، فهو مثلٌ أعلى للسلم والحرص على وحدة الأمة حين تنازل عن الأمر لمعاوية. يروي أبو نعيم في "حلية الأولياء" أنه قيل للحسن: "إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة؟ فقال: قد كانت جماجم العرب في يدي يحاربون مَن حاربت، ويسالمون مَن سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء أمة محمد".
وامتد الحرص على السلم ووحدة الأمة إلى أبناء الحسين وسلالته، فعلي بن الحسين الذي رأى ما حلّ بأبيه وأهله في كربلاء، لم يكن له يد في ثورة التوّابين، ولا في ثورة المختار التي أمعنت القتل في قتلة الحسين مستغلة ذلك لاستمالة أهل الكوفة والتغلّب بهم على أهل الشام لصالح خلافة عبدالله بن الزبير.
ويروي المسعودي في "مروج الذهب" أنه بعد أن استتب الأمر للمختار خلع بيعة ابن الزبير، وكتب إلى علي بن الحسين يبايعه ويقول بإمامته وأنفذ إليه مالاً كثيراً، فأبى أن يقبل ذلك منه أو يجيبه عن كتابه.
ويُستثنى من التاريخ المسالم لهذه العائلة الشريفة، زيد بن علي، حفيد الحسين، الذي خرج على هشام بن عبدالملك رفعاً لظلم وقع عليه شخصياً بادعاء استيلائه على وديعة لأحد أعوان الخليفة.
وليس هناك ما يشير إلى أن أخوه محمد بن علي الملقّب بالباقر (خامس أئمة الشيعة)، أفتى بجواز خروجه أو دعمه في ذلك، لكن الثابت، حسب الزمخشري في "الكشاف" أن أبو حنيفة أفتى بوجوب الخروج مع زيد وحَمَلَ المال إليه.
وليس في التاريخ ما يشير إلى أن أئمة أهل البيت، أفتوا بجواز الخروج على الحكّام الذين عاصروهم، وكان بعضهم لا يقلّ ظلماً عن يزيد، كالمنصور الذي أفتى أبو حنيفة بالخروج عليه، كما يروي السيوطي في "تاريخ الخلفاء"، وأن مالك أفتى بجواز الخروج مع محمد وإبراهيم، وهما من نسل الحسن بن علي، على المنصور وخلع بيعته، بينما لم يفتي بذلك الإمام جعفر الصادق (سادس أئمة الشيعة) الذي عاصر المنصور ويقال إنه سمّه! بل إن هؤلاء الأئمة عاشوا في عواصم الخلافة الإسلامية وحواضرها وأغلبهم مدفون فيها كالمدينة وسامراء وطوس، عاصمة المأمون الذي عيّن علي بن موسى الرضا (ثامن أئمة الشيعة) ولياً للعهد.
هذا بشأن سلف الحسين وخلفه، فماذا عنه؟ من المعروف أن الحسين كان آنذاك في العقد السادس من العمر، وهي مرحلة لا اندفاع فيها أو استعجال، فكيف إذا كان صاحبها قد نشأ في كنف النبوة والحكمة؟ هذا فضلاً على أن الحكم الأموي استعجل الأمر، فليس بين امتناع الحسين عن البيعة وتصفيته سوى 175 يوماً. وهي فترة قصيرة في حسابات ذلك الزمن.
وتروي كتب التاريخ أنه حين شعر معاوية بدنو أجله، قدم إلى الحجاز واجتمع بوجوه الناس وفيهم الحسين يدعوهم لبيعة يزيد، فأبوا، فغضب معاوية وخرج بهم إلى المسجد وأقام على رأس كل واحد منهم رجلين يحمل كل منهما سيفاً، وخطب في الناس يقول إن هؤلاء سادة المسلمين قد بايعوا يزيد فبايعوه، فبايع الناس!
وبقيت الأمور معلّقة إلى أن قضى معاوية، فيروي ابن الأثير في "تاريخ الرسل والملوك" أن يزيد كتب إلى الوليد يقول: "أما بعد، فخُذ حسيناً وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة..".
مضى الحسين، كما يروي ابن الأثير، إلى دار الوليد (عامل يزيد على المدينة) بعد أن أوقف رجالاً من أهله وأصحابه على الباب لئلا يُغدر به، "ثم دخل ومروان عنده.. فدعاه الوليد إلى البيعة.. فقال الحسين: إن مثلي لا يبايع سراً ولا يجترأ بها مني سراً، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً. فقال له الوليد، وكان يحبّ العافية: انصرف. فقال له مروان: لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه. فوثب عند ذلك الحسين وقال: ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله ولؤمت! ثم خرج حتى أتى منزله".
فالحسين، حتى هذه اللحظة، لم يفعل ما يوحي بأنه بصدد الثورة، لكنه في الوقت نفسه يرفض مبايعة يزيد وهو يعلم مساوئه حتى قال عنه ابن عمر، كما يروي اليعقوبي: "نبايع من يلعب بالقرود والكلاب، ويشرب الخمر، ويظهر الفسوق! ما حجتنا عند الله".
ويتضح هنا أن الخيارات ضاقت على الحسين. يقول عباس العقاد في كتابه "أبو الشهداء": "ولا مناص للحسين من خصلتين: هذه، أي البيعة، أو الخروج، لأنهم لن يتركوه بمعزل عن الأمر لا له ولا عليه".
ثم يوضّح موقف الحسين فيقول: "فما عسى أن تكون الشهادة له بالصلاح للإمامة إلا تغريراً بالناس وقناعة بالسلامة أو الأجر المبذول على هذا التغرير. ثم هي خطوة لا رجعة بعدها إذا أقدم عليها الحسين بما أثر عنه من الوفاء وصدق السريرة، فإذا بايع يزيد فقد وفى له بقية حياته كما وفى لمعاوية بما عاهده عليه، ولا سيما حين يبايع يزيد على علم بكل نقيصة فيه قد يتعلل بها المتعلل لنقض البيعة وانتحال أسباب الخروج".
ويقول طه حسين في كتابه "علي وبنوه": "وما أراه أبى عناداً أو ركوباً لرأسه، وإنما كان يعلم أن يزيد سيأخذه بالبيعة أخذاً عنيفاً، فإن بايع غشَّ نفسه وخان ضميره وخالف عن دينه، لأنه كان يرى بيعة يزيد إثماً، وإن لم يبايع صنع به يزيد ما يشاء".
فالقوم لم يتركوا خيارات بيد الحسين، ولو لم يرغموه على البيعة، لترك لهم الأمر، وهو أمر ما كان الحسين ليبتدعه، فسعد بن عبادة مثلاً امتنع عن بيعة أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب تخلّف عن البيعة ستة أشهر، واخترط الزبير سيفه، ولم يبايعه أحد من بني هاشم إلا بعد أن بايعه علي بعد وفاة فاطمة. ومثل هذا حدث في خلافة علي بن أبي طالب نفسه، فلم يبايعه نفر من المهاجرين والأنصار، كسعد بن أبي وقاص وابن عمر وزيد بن ثابت وغيرهم.
لكن ما كان يزيد ليترك الحسين "لا له ولا عليه"، والحسين يعلم أنه مقتول ما لم يبايع، وليس أمامه سوى أن يحرص على ألا يذهب دمه هدراً. لذلك لم يكن منطقياً بقائه في المدينة ليغتال فيها أو يُقتل سراً كما قتل الحسن بالسمّ، ومن قبله قُتل ساعد أبيه الأيمن، مالك الأشتر، بالسمّ المذاف في العسل.
وفوق هذا، لم تعد المدينة آمنة بعد أن بايعت يزيد في أيام معاوية إما طوعاً أو كرهاً، والحكم الأموي، في كل الأحوال، لم يكن ليتوانى عن فعل أي شيء، بدليل أنه أباح المدينة ثلاثة أيام بعد واقعة كربلاء، وهي الواقعة التي تسمى "الحرة". ثم زحف الجيش إلى مكة للقضاء على ابن الزبير الذي كان متحصناً بالبيت العتيق، فرموا البيت بالمنجنيق والنار. وفوق هذا وذاك، كيف يأمن الحسين على نفسه والسلطة تلعن أباه على المنابر وتطارد أشياعه، ولم يكن قد مضى إلا سنوات على مصرع حجر بن عدي ونفر من أصحابه لأنهم "خالفوا في لعن أبا تراب".
خرج الحسين إلى مكة ومعه أهل بيته وجماعة من بني هاشم، وهو يتلو قوله تعالى: "فخرج منها خائفاً يترقب"، وهي إشارة إلى الوضع الذي وجد الحسين نفسه فيه. يقول عبدالحميد السحّار في كتابه "أهل بيت النبي": "وكان في مقدوره أن يخرج وحده فيسهل عليه الفرار من وجه أعوان يزيد، ولكنه خشي إن خرج وحيداً أن ينكل عامل يزيد بأهله وهم يعلم حقد بني أمية الموروث لبني هاشم".
ولم يمض على وجود الحسين في مكة إلا نحو شهر وإذ بكتب أهل الكوفة تصل إليه تستحثه القدوم و"العجل العجل" ليكون إماماً لهم بعد أن "أينعت الثمار"، وبلغ عدد من بايعوه على ذلك 18 ألف، بعد أن أكدوا أنهم سيُخرجون عامل يزيد إلى الشام إذا بلغهم إقبال الحسين عليهم. فبعث الحسين ابن عمه مسلم يستطلع الأمر.
وهنا نصحه عبدالله بن الزبير بالبقاء في الحجاز، لكن الحسين أبى، فعرض عليه البيعة، فأبى الحسين أيضاً. ويروي المؤرخين أن ابن الزبير كان يتمنى خروج الحسين لأن الحجاز "لا تعدل به أحداً".
ولم يكن أمام الحسين إلا قبول الخيار الكوفي مع خيار البقاء في الحجاز والتعرّض للاغتيال حيث لا أنصار ولا أعوان، أو حتى الدعوة لنفسه بالاعتماد على أشخاص مثل ابن الزبير الذي كان من قبل أشدّ المحرّضين على أبيه علي، حيث يروي ابن الأثير في "أسد الغابة" أن ابن الزبير شهد الجمل مع أبيه الزبير بن العوّام مقاتلاً لعلي، فكان علي يقول: "ما زال الزبير منّا أهل البيت حتى نشأ له عبدالله".
والكوفة، في أسوأ الأحوال، كانت عاصمة أبيه، وفيها قادة جنده وجيشه، وله فيها شيعة وأنصار أوفياء خُلص، كبرير وزهير والحلاس وابن الحرث وشوذب، وهم جميعاً استشهدوا بين يديه في كربلاء. ثم إنها المصر الوحيد الذي بعث له أهلها بكتبهم. ولو بقي الحسين في الحجاز واغتيل فيها وذهب دمه هدراً، لخرج اليوم من يقول إن الحسين أضاع فرصة ذهبية بعدم الالتفات إلى الكوفة حيث الأنصار والأشياع!
وواضح بعد هذا العرض أن الحسين كان يبحث عن مكان يخلو من سلطة يزيد أو مكان لا يُغتال فيه سراً، ولم يكن يريد ثورة أو اقتتالاً داخلياً، وكتب لأخيه محمد بن الحنفية يقول: "وإني لم أخرج بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ على هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين".
خرج الحسين من مكة ومعه 82 من أهل بيته وأصحابه متوجهين إلى الكوفة. وكان في هذه الأثناء قد قُتل ابن عمه مسلم وتفرّق عنه الناس، وعلم الحسين بذلك بعد أن وصل مشارف الكوفة، فكلّمه بعض أصحابه يناشدونه الرجوع، لكن بنو عقيل وثبوا قائلين: "والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم! فقال الحسين: لا خير في العيش بعد هؤلاء".
ثم عرض الحسين الانصراف على من انضموا إليه في الطريق ممن ظنوا أن الأمور مستتبة له في الكوفة، وفعلاً تفرّقوا عنه وبقي أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة!
وتروي كتب التاريخ أن الحسين تفاوض ولأكثر من مرة، قبل بلوغ كربلاء، وفي كربلاء نفسها التي وصلها في الثاني من محرم، من أجل الحل السلمي، و"الثائر" لا يفاوض في مثل هذه المواقف، لكنهم أبوا إلا أخذ البيعة منه أو القتل.
وفي الساعات الأخيرة قبل الهجوم، جمع الحسين أصحابه وخطب فيهم وأثنى عليهم وأذن لهم بالانصراف، وقال: "هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً، ثم تفرّقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم يطلبونني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري".
ولم تزد كلماته في أصحابه إلا تمسكاً به ورغبة في الشهادة بين يديه. وحين بدأ القوم بالهجوم على معسكر الحسين، عصر يوم التاسع من محرم، طلب الحسين تأخير الحرب يوماً واحداً، لربما يعود القوم إلى رشدهم.
وفي اليوم التالي، عرض عليهم السلام من جديد، لكن سهماً أطلقه ابن سعد صوب معسكر الحسين قطع الطريق نحو السلام. فاضطر الحسين إلى الدفاع عن نفسه وأهل بيته وأصحابه، وعقيدته وحريته في المقام الأول.
يقول طه حسين: "وقد يقال إن الحسين قد ثار بيزيد ورفض بيعته، وثار إلى الكوفة يريد أن يُخرج أهلها عن طاعته ويفرّق جماعة الناس، ويرد الحرب بين المسلمين إلى ما كانت عليه أيام أبيه. فلم يكن يزيد وأميره في العراق بادئين في الشر مثيرين للفتنة، وإنما ذادا عن سلطانهما وحافظا على وحدة الأمة. وقد كان هذا يستقيم لو أن الحسين مضى إلى حربه مصمماً عليها، لا يقبل فيها مفاوضة ولا يقبل عنها رجوعاً، ولكن الحسين عرض خصالاً ثلاث كانت العافية في كل واحدة منهن، فلو قد خلِّي بينه وبين الرجوع إلى الحجاز لعاد إلى مكة التي لم يكن يحب أن تسفك فيها الدماء، لأنها بلد حرام، ولأنها لم تُحَلّ لرسول الله نفسه إلا ساعة من نهار. ولو قد خلِّي بينه وبين اللحاق بيزيد لكان من الممكن أن يبلغ يزيد منه الرضى على أي نحو من الأنحاء، أو أن يقيم عليه حجّة ظاهرة لا تقبل مراء ولا جدالاً. ولو قد خلِّي بينه وبين المسير إلى ثغر من ثغور المسلمين لكان رجلاً من عامة الناس يجاهد العدو ويشارك في الفتح، لا يؤذي أحداً ولا يؤذيه أحد من المسلمين. ولكن أصحاب ابن زياد أبوا إلا أن يستذلوه ويستنزلوه على حكم رجل لم يكن الحسين يراه كفؤاً ولا ندِّاً".
وفي خاتمة المطاف، تحقق للإمام الحسين هدفه في عدم تضييع دمه هباء، يقول العقاد: "ولم تعمّر دولة بني أمية بعدها عمر رجل واحد مديد الأجل، فلم يتمّ لها بعد مصرع الحسين نيف وستون سنة.. وكان هو الداء القاتل الذي سكن في جثمانها حتى قضى عليها..".
يبدو لي أن حركة الحسين لم تكن ثورة أو خروجاً على الحاكم، ومن باب أولى أنه لم يدعو المسلمين من بعده ليثورا كما يزعم الزاعمون، وإنما كانت حركة رجل لم يتركوا له أي خيار سوى السيف أو الذل، فقرر أن يُدفّعهم ثمن دمه غالياً.