بسم الله الرحمن الرحيم
الباحث السعودي عدنان العوامي : ابن المقرب ليس من عبد القيس و الجدل حول هويته المذهبية مجرد خلل منهجي 0
رغم مرور نحو 800 عام على رحيل الأمير الشاعر علي بن المقرب العيوني
( 572 هـ -630 هـ ) الشاهد الأكبر على الدولة العيونية فلا زال الخلاف يحتدم حول قضيتين رئيسيتين في سيرة هذا الشاعر هما هويته القبلية و المذهبية و بالتالي فهما تعدان مدخلاً هاماً لفهم دراسة الدولة العيونية التي عرفت من خلال أشعاره و قصائده0
حول هاتين القضيتين , و شعره ابن المقرب عموماً , كان هذا الحوار الذي تزامن مع تنظيم مؤسسه عبدالعزيز البابطين الدورة الثامنة في البحرين التي تحمل اسم الشاعر , مع الباحث و الشاعر السعودي عدنان العوامي , و هو سبق له أن درس تاريخ الدولة العيونية و و حقق بعض القصائد الشاعر علي بن المقرب0
لماذا بقي الجدل حول هذا الشاعر مستفحلاً حتى بعد نحو 800 عام من رحيله ؟
· من الأمور البديهية ألا يتعاظم الجدل, و يشتد حول شخصية ما , ما لم تكن تلك الشخصية ذات مقومات و صفات خاصة 0 تحمل كما من سمات العظمة و التفرد , و لا أدل على هذا من خلود أبي الطيب المتنبي و بقائه في خلد العصر ساحة جدل , و حلبه عراك , منذ أن كان بين ظهراني أولئك المصطرعين من أجله , و إلى يومنا هذا , حتى لاحظ هو ذلك في حياته فقال بيته المشهور :
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها و يختصم
و أكثر من ذلك نبوءته الغريبة بخلود شعره في قوله :
و ما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
مثل أولئك الشعراء يحملون في نسغ موراتهم عبقًا خالداً لا تأتي عليه الدهور0 دونك ديوان الشعر العربي منذ امرئ القيس و حتى عصرنا هذا , فكم ستجد من هؤلاء الخالدين ؟ قطعاً ستجدهم نزراً قليلاً و مع ذلك فهم هم موضع الجدل و الاختلاف المنخل , الشنفرى , طرف بن العبد , حسان الفرزدق , الكميت , قيس بن الملوح , أبو نواس , بشار , تماضر عشرقه المحاربية , أشجع السلمي , الشريف الرضي , بصير المعرة , الخيام , دعبل , العباس بن الأخنف , ابن زريق , صاحب الدعدية , السيد حيدر الحلي , الجواهري , القباني , و أقرانهم 0 أسماء قليلة في عددها , لكنها ثبتت أطيافها لالئ خالدة غالية الثمن في دنيا الأدب العربي و لا أظن ابن المقرب يشذ عن مخط تلك القلادة في جيد الحضارة العربية 0
ما حقيقة نسخ ديوانه التي يقال انها زادت مع مقتطفات اشعاره المتناثرة الى 35 وثيقة و مخطوطة ؟
لم يتح لي الاطلاع على مخطوطات ديوان ابن المقرب , لكن وجود هذا العدد , في تقديري , ليس بالكثير المستغرب إذا سلمنا بالقيمة الفنية لشعر الرجل , لا سيما أن ما و جد متفرقاً من مقطعات شعره و شذر قصائده داخل في هذا الرقم 0
هل حقاً أن ابن المقرب لا يمت بصلة لعبد القيس ؟ و لماذا إذن كتب قصائد افتخاراً بهذه القبيلة ؟
أخشى أن يكون هذا السؤال (طعماً ) لاصطيادي فأنت تستدرجني به لاجترار رأي السابق في هذه المسألة فقد قلت في مقال سبق لي : إن ثمة آراء ثلاثة في نسب ابن المقرب أولها : يذهب إلى أن ابن المقرب بكري اتكالاً على ما قاله معاصره أو على كثرة فخره ببكر و الثاني توهم أن ربيعة التي يتباهى بها ابن المقرب فخذ من عبد القيس فنسبه إلى عبد القيس متعمداً على هذا الوهم و الثالث لاحظ كثرة عتابه على عبد القيس , و استنهاضه لها و فخره بها فظن أنه يستنهض أو يفخر بقبيلته و قد أوغل بعضهم في الاشتباه فاحتج بقوله
لعاين دوني عصبة عبدلية تسامى فرادى للعلى و مقانبا
فظن أن ( العبدلية) نسبة إلى عبد القيس 0 و هذا و هم , فالنسبة الى عبد القيس عبدي و هي الأشهر , و يقال أيضا ً عبقسي , و قسي , و الأخيرة من النادر و ربما التبست بها النسبة الى عبد القيس 0 أما عبدلي فهي نسبة الى عبدالله , لا الى عبد القيس , و على هذا تكون العبدلية , عند ابن المقرب نسبة الى عبدالله بن علي بن محمد بن ابراهيم , مؤسس الدولة العيونية و هذا واضح من قوله في البيت الذي يتلو البيت المحتج به :
و من آل ابراهيم كل مذنب عن المجد يحتل الذرى و الغواربا
على أن هذه ليست الأولى التي استعمل فيها عبارة ( عبدلي ) إشارة لأهل بيته أبناء علي عبدالله , فقد خاطبهم في أكثر من مناسبة بمثل هذا القول
ألا يا لقومي من علي بن عبدل ألم يأن إن تعصوا النصيح المداجيا
لكنه مدح عبد القيس و افتخر بهم , حتى ظن أنهم منهم
مدحه لعبد القيس , و فخره بها أو عتابه عليها أيضاً غير مستنكر لأن كلتا القبيلتين بكر و عبد القيس تنتميان إلى أرومة واحدة إذ إن كلتيهما ربعية و الأرجح أن رعاية صلة النسب هي الدافع على هذا المدح و الفخر و هذا ما برر به ابن المقرب هذا المنحى في مدحه فهو يقول مبرراً دوافع مدحه 0
مديحي رجالاً بعضهم أتقى به أذاه و بعضاً للقرابة و الود
فأي مشاحة في أن يمدح عبدا لقيس و هم أبناء عمومته ؟ أما عن حقيقة نسبه فقد أومأ محقق ديوانه إلى أن معاصريه نقلوا عنه نسبته نفسه الى بكر بن وائل , و قد أكد هو القول مراراً و من ذلك التأكيد قوله
قومي هم القوم في بأس و في كرم إن ادعى غيـرهم ما فيهم و هما
في الجاهلية سـدنا كل ذي شـــــرف بالمأثرات و سدنا العرب و العجما
وصار كل معــــــــدي لنا تبعاً يرعـى بأسيـافنا الوســــمي حيث هما
إلى ماذا يشير شطر البيت الأخير ( يرعى بأسيافنا الوسمي ) ؟
أن رعي الوسمي بالأسياف هنا إشارة و واضحة إلى قصة اتخاذ وائل بن قاسط حمى له لا ترعاه إلا إبله أو إبل من يأذن لهم هو 0 و هو الذي و ضع جرواً في مرعاه فسمي به ( كليب ) و يلاحظ أن الشاعر استخدم في هذا الموضع ضمير المتكلم الجمعي ( سدنا ) و ( لنا ) و ( أسيافنا ) و هو ما لم نجده في افتخاره بغير قبيلته بكر أو ربيعة فمثل قوله
قومي سراة ربيعة و ملوكها و إذا نسيت و جدت في سرواتها
ليس بقليل في ديوانه 0
*-#-*-#-* *-#-*-#-* *-#-*-#-* *-#-*-#-**-#-*-#-**-#-*-#-*
الهوية المذهبية
* يحتدم الخلاف أيضاً حول للتشيع معتمدين على قصيدته العينية ز فهل كانت هذه الهوية غامضة لدى ابن المقرب و لماذا اختلف فيها ؟
ك : يثور الجدل حول شيعية ابن المقرب منذ ظهور ديوانه , و تعرضي لبحث هويته لم يأت انتصارا لفريق ضد آخر , فقد أشرت إلى أن كلا الفريقين ليس بحاجة للتكثر من الشعر و لا الاستزادة من الشعراء فان التراث الإسلامي الشيعي و السني ثري إلى حد البطر بالقامات السامقة من الشعراء و لن يزيد أو ينقص من رصيد أي من الفريقين إدخال شاعر أو إخراج آخر من حوزته لكنني و جدت خلالاً منهجياً عند دارسي الرجل في تحقيق هويته المذهبية .
* تقول خلل منهجي هل توضح بعض الصور هذا الخلل ؟
يتلخص هذا الخلل في المقدمات التي بنيت عليها تلك الأطروحات و هي :
إن الرجل سني المذهب فمن غير المعقول أن يكتب شعراء في رثاء أهل البيت , فكأن أصحاب هذا الرأي يرون أن رثاء آل البيت النبوي نبز يجب أن يتبرأ منه السنة , و هذا و همٍ , فرثاء أو مدح أهل البيت النبوي ليس و قفاً على الشيعة و هناك قائمة من الشعراء السنة نظموا في رثاء أهل البيت كالإمام الشافعي , و محمد بن طلحة و سواهم بل أننا و جدنا شعراء معدودين في النواصب رثوا الحسين كابن المعتز العباسي الذي يقول ( كما في ديوانه )
و لا عجب غير قتل الحسين ظمآن يقصى عن المشرب
لئن كان روعنــــــــــــا فقده و فاجــــأنا حيث لم نحسب
فقد كـــم بكينـــــا عليه دماً بسمر مثــــقــفة الأكـــعب؟
* نلاحظ أيضا أن القصيدة العينية التي يستدل بها الفريق من المحققين بأنها تدل على انتماء بن المقرب للتشيع و مطلعها 0
يا باكياً لدمنه و مربع ابك على آل النبي أودع
قد وردت في النسخة واحدة من الديوان كتبت سنة 1286 هـ هي نسخة دار الكتب المصرية 0 ألا يكفي ذلك دليلاً على أن هذه القصيدة أضيفت لديوان الشاعر ؟
-ربما عد البعض هذا دليلاً على نحل هذه القصيدة أو تلك لهذا الشاعر أو ذلك بيد أن الباحث الذي يروم الحقيقة لن يعدم السبل للوصول إليها و هذا ما وقع لهوية ابن المقرب و هوية الدولة العيونية ذاتها فقد بقيت تلك الدولة مغيبة عن كل أحد حتى ظهرت مخطوطة ديوان مقرب , فعرفنا أن دولة كبرى قامت في ساحلنا الشرقي , و خلصته من قبضة القرامطة , ثم ظهرت بعد ذلك قصائد أفلتت من أيدي النساخ , فبينت هوية تلك الدولة 0
( بتصرف )