عرض مشاركة واحدة
قديم 04-07-2011, 11:11 PM   رقم المشاركة : 2
منتدى السهلة الأدبي
منتدى السهلة الأدبي






افتراضي رد: الأمسية القصصية للقاص الصحفي/ جاسم علي الجاسم ـ أبي فيصل

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه .. وبعد
في هذا المساء الجميل وبين أحضان النخيل يعقد المنتدى جلسة ليست ككل الجلسات ففي العهود الأولى
للمنتدى نتذكر الأمسية القصصية التي عقدت للأديب خليل الفزيع، لتأتي الأمسية الثانية في نهاية العقد الثاني من المنتدى
لنعود إلى جماليات السرد وفتنة القص تلك التي لا تنتهي .. في هذا المساء نقترب من غرفات أبي فيصل القصصية، ليفتح
لنا الأبواب ويشرع النوافذ لنطل ويطل معنا الضوء ضوء النقد.
وقبل الإطلالة نبقى مع ورقة تقديم أمسية هذه الليلة ...


*

*

ورقة التقديم ...

* حسن مبارك الربيح



القصَّة حينما ندخل في اشتقاقها اللُّغوي نجد مَعنَى التَّتبُّع والتَّقصِّي، فالفعل (قَصَّ أَصلٌ يدلُّ عَلَى تتبُّع الشَّيءِ. مِن ذلك قولهم: اقتصصتُ الأَثرَ، إِذا تتبَّعتَه... والقِصَّة والقَصَص، كلُّ ذلك يُتَتبَّع فيذكر) ابن فارس، معجم مقاييس اللُّغة، ج5، ص 11.
إنَّ المعنَى اللُّغوي يشير إِلى عناصر هامّة في القصَّة، أَلا وهي البداية والخاتمة، وما يكون بينهما من علامات تكشف خطوط النهاية.


كان للعرب في الجاهليَّة اهتمام مبكِّر بهذا النَّوع مِن الأَدب، فقد عدَّ النُّقَّاد كتب الأَمثال كالميداني والزَّمخشـري دليلاً عَلَى معرفة العرب بالكتابة القصصيَّة، حيث تقوم هذه الكتب وما شابهها بتفسير المثل، أَو ذكر مناسبته بأُسلوب هو أَقرب إِلى الأُسلوب القصـصي، وكذلك كتب الأَخبار الأَدبيَّة الَّتي لا تخلو مِن تركيزٍ عَلَى جزء كبير من عناصر القصة في نقلها للأَخبار والحكايات والمواعظ، وعَلَى رأْس هذه الكتب تبرز مؤَلَّفات الجاحظ الَّذي امتاز بأُسلوبٍ فريد في كتابة الأَخبار الَّتي يرويها، حيث يمزج السُّخرية بالموعظة، ونلمس ذلك في «البخلاءِ»، وتشير بعض الرسائل الأدبية إلى تعاطي القصة بشكلها المبسط كـ«رسالة الغفران» لأَبي العلاءِ المعرِّي.

في بداية العصر العبَّاسي يُولي ابن المقفَّع القصَّة اهتمامًا بالغًا بكتاب مستقلٍّ «كليلة ودمنة»، وهو مجموعة قصصيَّة ذات طابع يرتبط بالحكمة والأَخلاق صِيغت عَلَى أَلسنة الحيوان مترجم عن الثَّقافة الهنديَّة، ثمَّ ظهر بعد ذلك فنٌّ جديد هو فنُّ المقامات عَلَى يد بديع الزَّمان الهمذاني، والمقامات قصص قصيرة خياليَّة تحفل بالحركات التَّمثيليَّة، وترتكز معظمها عَلَى عنصر المحاورة. ولا يمكن أَن نتجاوز في هذا الجانب مِن تراثنا قصص «أَلف ليلة وليلة»، والَّتي تمثِّل (ذروة الفنِّ القصصي العربي في القرن 14 الميلادي، وانتقلت إِلى أُوروبا، وتأَثَّر بها عشرات الكتَّاب الَّذين مضوا في تطوير هذا الفنِّ) فؤَاد قنديل، فنُّ كتابة القصَّة، ص 22.

هذه الأَمثلة وغيرها تدلُّ دلالةً واضحة عَلَى ظهور بوادر لكتابة القصَّة عند العرب، غير أَنَّ ذلك لم يطوَّر مع مجيءِ الأَجيال اللَّاحقة، فظلَّ مشتَّتًا لا يحفل باهتمامٍ نقديٍّ كما كان للشِّعر مِن تنظير ونقد، وهذا ما يجعل بعض النُّقَّاد يرفض الرَّأْي القائِل بأَنَّ القصَّة القصيرة نشأَت في الغرب.
فهذا الدُّكتور يوسف الشَّاروني يردُّ عَلَى مَن يقول بأَنَّها غربيَّة النَّشأَة: (فلستُ مِن أَنصار القول: إِنَّ القصَّة القصيرة ولدت في الغرب عندما قدَّم «إِدجار أَلان بو» الأَمريكي أَفضل محاولاتها المبكِّرة في النِّصف الأَوَّل مِنَ القرن التَّاسع عشر، ثمَّ أَرسَى دعائِمها وطوَّرها «دي موباسان» الفرنسي في النِّصف الثَّاني مِن ذلك القرن نفسه... فالقصَّة القصيرة بهذا المَعنَى الغربي ليست إِلَّا مرحلةً مِن مراحل تطوُّرها كما أَوضحنا) القصَّة تطوُّرًا وتمرُّدًا، ص 48.
ورأْي الشَّاروني فيه الكثير مِنَ الإِنصاف، فهو لم ينكر أَنَّ القصَّة القصيرة نشأَت في الغرب كمصطلح وتنظير، كما أَنَّه لم يدَّعِ أَنَّ العرب القدامَى هم مَن نظَّروا لها، بل كان دقيقًا في رأْيه حينما اعتبر القصَّة القصيرة بالمفهوم الغربي طورًا آخر، ومرحلةً أُخرَى للمفهوم العربي القديم الَّذي لم يخضع للتَّطوير والتَّنظير.
أَخذت القصَّة القصيرة عند الأَدباءِ العرب بعد ذلك في الظُّهور والتَّطوُّر بدايةً مِن محمَّد تيمور، وميخائِيل نعيمة، ومحمود تيمور، وعيسَى عبيد، وشحاتة عبيد، وتوفيق يوسف عوَّاد، ويوسف إِدريس، وصولًا ـ وليس انتهاءً ـ إِلى زكريَّا تامر.

ومن الدِّراسات النَّقديَّة الحديثة، نذكر: «فنُّ القصص» لمحمود تيمور، و«فنُّ القصَّة» للدُّكتور محمَّد نجم، و«القصَّة تطوُّرًا وتمرُّدًا» ليوسف الشَّاروني، و«فنُّ كتابة القصَّة» لفؤَاد قنديل.
وقد عرَّفها فؤَاد قنديل بأَنَّها: (نصٌّ أَدبي نثري يصوِّر موقفًا أَو شعورًا تصويرًا مكثَّفًا له أَثر ومغزًى) فؤَاد قنديل، فنُّ كتابة القصَّة، ص 24، ويضع الدُّكتور محمَّد التُّونجي تعريفًا للقصَّة القصيرة جدًّا، يقول فيه بأَنَّها: (حكاية مختصرة نثريَّة، تمتاز بكثافتها وقصرها، وقد لا تَتعدَّى أَلفًا وخمسَ مئَةِ كلمةٍ. وتحتاج كتابتُها إِلى براعة فائِقةٍ لمعالجة الصِّـراع والتَّشخيص وعرض المشاهد بحذق وتدبُّر. وفيها كلُّ مقوِّمات القصَّة القصيرة ولكنْ بشكلٍ مكثَّف) التُّنوجي، المعجم المفصَّل في الأَدب، ج 2، ص 710.
فهي بهذا التَّعريف تُحدُّ كتابيًّا في أَهمِّ عنصرين فنِّيِّين هما: الاختصار غير المخلِّ، والتَّكثيف الهادف.


ظهرت كتابة القصَّة القصيرة بالمفهوم السَّابق عند الأَدباءِ السُّعوديِّين في وقتٍ ليس بالبعيد، في أَعمال وقصص منشورة في الصَّحافة، ويذهب سحمي الهاجري في دراسته القيِّمة: (القصَّة القصيرة في المملكة العربيَّة السعوديَّة) إِلى أَنَّ مِن أَوائِل القصص القصيرة في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة، قصَّة «الابن العاقُّ» لعزيز ضياء المنشورة في صحيفة صوت الحجاز عام 1357هـ، ثمَّ يذكر مجموعة قصص أُخرَى، ومِنها: «مرهم التَّناسي» لعبدالقدُّوس الأَنصاري، و«حياة ميت» لحسين سرحان، و«رامز»، و«الميراث» لمحمَّد سعيد العامودي، هذه المجموعة القصصيَّة يعتبرها الهاجري مِنَ المحاولات الأُولَى لكتابة القصَّة القصيرة، ثمَّ بعد ذلك يسمِّي مرحلة أُولَى هي مرحلة النَّشأَة ويمثِّل لها بـ: محمَّد أَمين يحيَى، ومحمَّد علي مغربي، وإِبراهيم هاشم فلالي، وطاهر زمخشري، ثمَّ يسمِّي مرحلة ثانية، وهي الفترة الانتقاليَّة ممثِّلًا لها بـ: حسن القرشي، وسعد البواردي، وبعد ذلك يصل إِلى مرحلة التَّطوُّر نحو الصِّياغة الفنِّيَّة ممثِّلاً لها بـ: حمزة بوقرِّي، وعبدالرَّحمن الشَّاعر، وإِبراهيم النَّاصر، ومحمود عيسَى المشهدي.

ومؤخَّرًا صدر كتاب: (أُنطولوجيا القصَّة القصيرة في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة ـ نصوص وسيرة)، وهو أَوَّل دراسة أُنطولوجيَّة جامعة كلَّ الأَجيال القصصيَّة السُّعوديَّة، للباحث المعروف خالد أَحمد اليوسف، ولا تكمن أَهمِّيَّة هذه الدِّراسة في التَّوثيق والجمع فقط، بل تتعدَّى ذلك إِلى أَنَّها رصدت مسيرة القصَّة القصيرة في المملكة، وسهَّلت عَلَى الباحثين في هذا المجال متابعة تطوُّر ونموِّ هذا الفنِّ الجديد، ووفَّرت لهم مِنَ الوقت الكثير في سرعة الوصول إِلى بعض الأَسماءِ والأَعمال القصصيِّة.



27/7/1432هـ



 

 

منتدى السهلة الأدبي غير متصل   رد مع اقتباس