الحلقة 11
التوحيد وأقسامه
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم
الإخوة والأخوات أواصل معكم ما ابتدأته من حديث حول التوحيد الواحدي.
2-الأدلة الروائية:-
أ-قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" الله واحد واحدي المعنى، والإنسان واحد ثنوي المعنى، جسم وعرض،وبدن وروح". ( بحار الأنوار ج3 – العلامة المجلسي).
ب-حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار رضي الله عنه،بنيسابور سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: سمعت الفضل بن شاذان يقول: سأل رجل من الثنوية أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام، وأنا حاضر فقال له: إني أقول: إن صانع العالم اثنان، فما الدليل على أنه واحد؟ فقال: قولك: إنه اثنان دليل على أنه واحد لأنك لم تدَّعِ الثاني إلا بعد إثباتك الواحد، فالواحد مجمع عليه وأكثر من واحد مختلف فيه ( التوحيد- الشيخ الصدوق).
ت-عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم " فقال، "هو واحد واحدي الذات، بائن من خلقه" (الكافي ج1 – الشيخ الكليني).
ث-قال الإمام الرضا عليه السلام:" إن الله المبدئ الواحد الكائن الأول لم يزل واحداً لا شئ معه فرداً لا ثانى معه" ( عيون أخبار الرضا ج2 – الشيخ الصدوق).
تعليق: يُستنتج من الروايات السابقة التأكيد على وحدانية الله عز وجل وأنه ليس بالواحد العددي وإنما هو الواحد الذي لا ثاني له ولا نظير.
3-أدلة الفلاسفة الإسلاميين على التوحيد الواحدي:-
يقول الشيخ جعفر السبحاني في كتابه :" مفاهيم القرآن ج1 ":-
من الأدلة التي استدل الفلاسفة الإسلاميون على وحدانية الذات الإلهية المقدسة عن طريقها هو أن :
الوجود « غير المتناهي » لا يقبل التعدّد.
يجب علينا إثبات أمرين (لا محدودية اللّه ، واستلزام ذلك ، لتوحيده تعالى) بأوضح دليل وبرهان.
أ.وجود اللّه غير متناه
إنّ محدودية الموجود ملازمة للتلبس بالعدم.
لنفترض كتاباً طبع بحجم خاص ثم لننظر إلى كل طرف من أطرافه الأربعة ، فإنّا نرى أنّه ينتهي ـ ولا شك ـ إلى حد معين ينتهي إليه وجود الكتاب ، وحدود حجمه ، ولا شيء وراء ذلك.
ولنفترض جبال الهملايا فهي مع عظمتها محدودة أيضاً ، ولذلك لا نجد بين كل جبلين من جبال الهملايا أي أثر للجبل وذلك دال على أنّ كلاًّ من الجبلين محدود.
من هذا البيان نستنتج أنّ « محدودية » أية حادثة من حيث « الزمان » أو محدودية أي جسم من حيث « المكان » هي أن يكون وجوده مزيجاً بالعدم ، وأنّ المحدودية والتلبس بالعدم متلازمان.
ولذلك فإنّ جميع الظواهر والأجسام المحدودة « زماناً ومكاناً » مزيجة بالعدم ، ويصح لذلك أن نقول في حقّها بأنّ الحادثة الفلانية ، لم تتحقق في الزمان الفلاني أو أنّ الجسم الفلاني لا يوجد في المكان الفلاني.
على هذا الأساس لا يمكن اعتبار ذات « اللّه » محدودة ، لأنّ لازم المحدودية هو الامتزاج بالعدم ، والشيء الموجود الممزوج بالعدم موجود باطل لا يليق للمقام الربوبي الذي يجب كونه حقاً ثابتاً مائة بالمائة كما هو منطق القرآن الكريم والعقل حول اللّه سبحانه.
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ }الحج62.
ب.اللامحدود لا يتعدّد
هذا أمر يتضح بأدنى تأمل ، لأنّنا إذا اعتبرنا « اللامحدود » متعدداً فإنّنا نضطر حينئذ ـ لإثبات الاثنينية ـ إلى أن نعتبر كل واحد منهما « متناهياً » من جهة أو جهات ، ليمكن أن نقول : هذا غير هذا.
لأنّ ذينك الشيئين إذا كان أحدهما عين الآخر من كل الجهات لم يصدق ـ حينئذ ـ كونهما اثنين ، أي لم تصح الاثنينية.
وبعبارة أُخرى : إنّ نتيجة قولنا : هذا غير ذاك. هي أنّ وجود كل واحد منهما خارج عن وجود الآخر ، وإنّ الثاني يوجد حيث لا يوجد الأوّل ويوجد الأوّل حيث لا يوجد الثاني ، وهذه هي « المحدودية » و « التناهي » ، في حين أنّنا أثبتنا في الأصل الأوّل : « عدم محدودية اللّه وعدم تناهيه ».
ومن باب المثال نقول : إنّما يمكن افتراض خطين غير متناهيين في الطول إذا كانا متوازيين (أي كانا بحيث لا يشغل الأوّل مكان الثاني) ، ففي مثل هذه الصورة فقط يمكن افتراض اللانهائية واللامحدودية في كل من الخطين.
أمّا عندما نفترض جسماً غير متناه في الكبر والسعة في جميع أبعاده فإنّه لا يمكن ـ حينئذ ـ أن نفترض وجود جسم آخر غير متناه في الكبر والسعة في جميع أبعاده على غرار الجسم الأوّل.
لأنّ المفروض أنّ الجسم الأوّل لكونه « غير محدود » في الكبر والسعة ، شغل كل الفضاء ، وبهذا لم يترك أي مجال لجسم آخر ، وإلاّ لعاد الجسم الأوّل « محدوداً » وهو خلاف ما افترضناه.
وحينئذ إمّا أن يكون الجسم الثاني عين الجسم الأوّل قطعاً ، وإمّا أن يكون الجسم الأوّل محدوداً من جهة أو من جهات.
وهكذا الأمر في الحقيقة الإلهية التي لا حد لها ولا نهاية.
بقي لي معكم في موضوع التوحيد الواحدي نقطتان هما:-
1-الحديث حول شبهة الثنوية ( وجود إلهين للكون ) والرد عليها.
2-الحديث حول شبهة التثليث ( الآلهة الثلاثة) والرد عليها.
وفقكم الله لكل خير