ودخل رجل من أولاد طلحة على بقية آل محمد وسأل شامتاً:
ـ مَن الغالب ؟
فأجاب الفتى وهو يزيح عن العيون حجب الزمان:
ـ إذا دخل وقت الصلاة فأذّنْ وأقِمْ تَعرف الغالب.
اهتز الأشدق شماتة وهو يصغي تشفياً إلى مناحة بني هاشم، وتمتم:
ـ واعية بواعية عثمان!
والتفت إلى قبر النبي وأردف:
ـ يا محمد، يوم بيوم بدر!
واتجه الأشدق إلى المنبر، وراحت كلماته تخرج شظايا يتهدّد أهل المدينة بالويل والثبور، ثمّ أصدر أمره إلى قائد
شرطته بهدم دُور بني هاشم، فهرول الشرطة يحملون آلات الدمار، فأمعنوا في خرابها حتّى غادروها أطلالاً
أو خرائب خلّفها الزمن الراحل.
ولاذت بنات محمد بالقبر الشريف، وهي تستصرخ الضمير النائم:
ماذا تقولـون إن قـال النـبيّ لكم:
مـاذا فـعـلتم وانتم آخـر الأمـمِ
بعـتـرتـي وبـأهلي بعد مُفتقَدي
منهم أسارى ومنهم ضُرِّجوا بدمِ ؟!
ما كان هذا جزائي إذ نصحتُ لكم
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحِمي
كان الحزن يطوف بيوت يثرب، كغيوم رمادية مثقلة بدموع السماء، وكانت عجائز المدينة يحدّثن حفيداتهن
عن أحزان قديمة لأمّ الحسين يوم ودّع أبوها الدنيا إلى الرفيق الأعلى.
وتهامسنَ عن حزن جديد.. حزن زينب.
ـ إن القدر لن يمهلها كما لم يمهل أمها من قبل.
ـ سرعان ما رحلت الزهراء.... التحقت بأبيها..
ـ لن تعيش زينب أكثر من عام.
إنها تذوي لحظة بعد أخرى، كشمعة تذوب في قلب الظلام.