،
مضى يومان والقافلة التي غادرت الشام وما تزال في كربلاء تسقي رمالها دموعاً ساخنة بعد
أن ارتوت من دماء الحسين وسبعين من حواريّيه.
انطلق الأطفال إلى الفرات، وقد بدا.. والنخيل تحفّ شاطئيه: حورّية نهضت لتوِّها من النوم.
غمس الصغار أرجلهم في المياه، وكانت الأمواج تغسل أقدامهم برفق... كأنّ النهر يعتذر إليهم
عن يوم حرَمهم فيه من قطرة ماء.
تذكّروا أيّام العطش. كانوا ينظرون جهة النهر... وكان النهر أسيراً تحرسه رماح وسهام.
تذكروا صرخاتهم.. بكاءهم وهم يصيحون:
ـ العطش.. العطش!
وعادت صورة عمّهم «أبي الفضل» وقد اعتلى صهوة جواده.. حمَلَ القِربة واتّجه صوب الفرات..
كانوا يترقّبون عودته يحمل إليهم الماء.. ولكن عمَّهم ذهب ولم يَعُد... وظلّوا ينتظرون.
وبدت السماء في أعينهم صحراء ملتهبة، فلا مُزنة تحمل إليهم الوَدْق. وكانت نُتَف الغيوم تعبر
السماء كسفنٍ تائهة.
وقفت زينب تتأمّل الفرات وقد بدا مرثية غارقة في الحزن.. وكانت الشواطئ تبكي.. تسحّ دموعاً
فوق الرمال، وحفيف النخيل يردّد صوت امرأة تنوح بصمت.
استند طفل إلى جذع نخلة سمراء بلون الصحراء.
كان يصغي إلى نشيج الفرات وبكاء النخيل.. ينظر إلى المياه المتألّقة، فيشاهد نجوماً وقمراً منيراً.
هوّمت عيناه فرأى حصاناً أبيض ينبثق من النهر.. ينقل خطاه، والمياه تنثال منه.. ترسم درباً نديّاً..
ورأى الحصان يضرب الأرض.
عمّه «أبو الفضل» يعتلي صهوة الحصان، وينطلق صوب الفرات والقِربة على كتفه.. كان الحصان
يصهل، وعمّه يبتسم، وقد عاد يحمل الماء... راح يعبّ منه دون ارتواء.. وعندما فتح الطفل عينيه،
وجد زينب أمامه، وفي يديها قربة تموج بمياه الفرات.
هَوَت الشمس باتّجاه المغيب.. جمرة متّقدة.. جرح راعف....
لحظات، وحلّ الظلام، فتصاعد الأنين.. أنين النهر.. النخيل.. الرمال..
وذهب الطفل يتلمّس طريقه بين نخيل الشاطئ. بدا القمر جميلاً في أحضان الماء.
رأى وجه أبيه الشهيد منعكساً فيه كمرآة صافية.. ودّ في أعماقه لو يحمله النهر بعيداً إلى عالمٍ جميل..
إلى مدينة ترقد في أحضان النهر؛ وهناك يلتقي أباه، ثمّ ينطلقان معاً إلى البحر الكبير.
استيقظ الطفل على صوت من وراء النخيل يناديه:
ـ أين أنتَ يا بقية أخي ؟
ونهض الصغير مسرعاً نحو جهة الصوت. إنها عمّته زينب.
ارتمى في أحضانها، وكان القمر يغمر الرمال بلونه الفضّي المتألّق.
العيون الساهرة تراقب نجوم السماء، والأطفال يناغون القمر.. وتألّقت في الرمال سبعون نجمة أو تزيد..
وانطوى الليل على جراحٍ روّت الأرض.وخُيِّل للقلوب الكسيرة أن قلباً كبيراً ينبض في أعماق
الأرض فاهتزّت ورَبَتْ، وكان صدى صهيلٍ يأتي من جهة الفرات.
وفي قلب الظلام، كان الحسين على فرسه يتألّق في وجهه نور النبوّات.. يحمل في يديه الورد والزيتون
والماء، ويحمل القرآن.
بدت كربلاء ـ تلك الليلة ـ مسرحاً كبيراً يستوعب الحياة... وظهر التاريخ يئنّ من عواء الذئاب..
يستنجد بجواد الحسين. وكان الجواد يصهل، فتفرّ الذئاب مذعورة.
وينطلق التاريخ..
يعتلي صهوة الجواد.. يسابق الزمن. وكانت الذئاب تطارده لاهثة.