،
رأس الحسين في طبق من ذهب بين يدَي يزيد... وكان ابن معاوية ينكت ثغر السبط بقضيب في يده.
التفتَ إلى ابن بشير، وكان يوماً ما أميراً على الكوفة:
ـ الحمدلله الّذي قتله.
قال الأنصاري بحزن:
ـ قد كان أبوك يكره قَتْلَه.
ـ قد كان ذلك قبل أن يشهر سيفه، ولو شهر سيفه على أبي لقتله.
وقال رجل رأى النبيّ وسمع حديثه:
ـ أشهد لقد رأيتُ النبيّ يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن، ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنّة. قَتلَ اللهُ قاتلكما.
استشاط سليل آكلة الأكباد. وما أسرع أن تناوشته الجلاوزة، وسُحل الى خارج القيصر.
وكان رسول القصير يتأمّل رأس الحسين، وفي أعماقه تموج تساؤلات:
ـ إنّ عندنا في بعض الجزر حافِرَ حمارِ عيسى، ونحن نحجّ اليه في كل عام ونهدي اليه النذور،
وأنتم تقتلون ابن نبيّكم ؟!
نهض النصراني، وتقدّم بخشوع ليقبّل رأس الحسين.
تخيّل نفسه يعانق يحيى بن زكريا، أو المسيح بن مريم.
استشاط ابن معاوية غضباً، فتدحرج رأس النصراني الى جانب رأس الحسين،
وسمع مَن له أذن واعية رأس السبط يتمتم:
ـ لا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
والتفت يزيد إلى فتى الحسين:
ـ أرأيت صُنع الله بأبيك ؟!
قال الفتى:
ـ رأيتُ قضاءَ الله.
تمتم يزيد بنفاق:
ـ ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم.
قال سليل الأنبياء:
ـ
ما أصابَ مِن مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسِكُم إلاّ في كتابٍ مِن قبلِ أن نبرأها إنّ ذلكَ على الله يَسير.
لكي لا تأسَوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم
.
وبدا الفتى ـ وهو في الأغلال ـ كأسد أوثقه الصيادون، فخاطب يزيدَ:
ـ ما ظنُّكَ برسول الله لو يراني على هذه الحال !
ونهض خطيب السلاطين، وأمعن في مدح معاوية ويزيد وسبِّ عليّ والحسين، فصاح به الفتى:
ـ لقد اشتريت مرضاةَ المخلوق بسخطِ الخالق، فتبوّأْ مَقعدكَ من النار.
وكان رجل شامي ما برِح يتطلّع الى بنات محمّد، فنظر إلى فاطمة بنت الحسين، وتمنّى أن يهبها له الخليفة
جاريةً تخدمه.
تعلّقت الفتاة بعمّتها زينب كغريق يتشبّث بعمود من أعمدة سفينة محطّمة تتقاذفها أمواج الطوفان.
قالت زينب بثبات:
ـ لا تخافي. لن يكون ذلك أبداً.
ردّ يزيد متغطرساً:
ـ لو شئتُ لفعلت.
ـ فقالت ابنة علي:
ـ الاّ أن تخرج من ديننا.
ـ إنّما خرج من الدين أبوكِ وأخوك!
ـ بدِينِ الله ودين جدّي وأبي وأخي اهتديتَ أنت وأبوك، إنْ كنتَ مسلماً.
ـ كذبتِ يا عدوّة الله.
ـ أنت أمير مسلّط تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك.
عاود الشامي الأحمق:
ـ هَبْها لي يا أميرالمؤمنين.
ودّ يزيد لو يُسحق هذا الأحمق، فنهره بشدّة:
ـ وَهبَ الله لك حتفاً قاضياً!
أطبق الصمت على المكان، وكان التاريخ يتساءل عن المنتصر في كربلاء؛ يزيد أم الحسين.؟
فنهضت امرأة رافقت الحسين على قدر تقول كلمتها معبّرة خالدة:
ـ صدق الله سبحانه حيث يقول:
ثمّ كان عاقبةَ الّذين أساؤوا السُّوأى أنْ كذّبوا بآيات الله و كانوا بها
يستهزئون
...أظننتَ يا يزيد ـ حيث أخذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نُساق كما تُساق
الأسارى ـ أنّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة ؟!... فمهلاً مهلاً! أنسِيتَ قول الله تعالى:
ولا تَحسبنّ الّذين كفروا أنّما نُملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنّما نُملي لهم ليزدادوا إثماً و لهم عذابٌ مُهين
،
فو الله ما فَرَيتَ إلاّ جِلدَك، ولا حَزَزتَ إلاّ لحمَك.ولَترِدَنّ على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بما
تحمّلتَ من سفك دماء ذريّته، وانتهكتَ حُرمتَه في عترته... وحسْبُك بالله حاكماً، وبمحمّدٍ خصيماً،
وبجبريلَ ظهيراً، وسيعلم مَن سوَّل لك ومكَّنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بَدَلاً. وأيّكم شرٌّ مكاناً
وأضعف جُنداً.ولئن جَرَّتْ عليَّ الدواهي ـ يا يزيد ـ مُخاطبتَك، إنّي لاَستصغِرُ قَدْرك. فكِدْ كيدَك، واسعَ
سَعْيك، فو اللهِ لا تمحو ذِكرنا ولا تُميت وحيَنا، ولا يرحض عنك عارُها.وهل رأيُكَ إلاّ فنَد،
وأيامك إلاّ عَدَد، وجمعك الاّ بَدَد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنةُ الله على الظّالمين.
تضاءل يزيد حتّى أصبح كذبابة أو يكاد؛ وربّما لأوّل مرّة أيقن أن الحسين لم يُقتل بعدُ وأنه ما يزال يقاتل في كربلاء،
وها هو الآن على أبواب دمشق. فلعن في نفسه ذلك الأرقطَ الأحمق لأنّه لم يقتلهم جميعاً،
ها هي زينب تحمل قلب الحسين وفصاحة عليّ وهيبة محمّد.
وها هي الشام تتساءل عن رجل اسمه الحسين وعن امرأة اسمها زينب....