كاد قصر الخضراء يهتزّ طرباً، فيزيد بدا ذلك اليوم يطير فرحاً، كان يلاعب قِردَه باستمرار...
ينظر من نوافذ قصره المنيف الى باب الساعات، فأسراه سيدخلون دمشقَ بين لحظة وأخرى.
لم يتمالك نفسه فراح يتغنّى بصوتٍ عال:
لـيـت أشياخـي ببدر شهدوا
جَزَعَ الخزرجِ مِن وَقْعِ الأسَلْ
لأَهـلّـوا واستـهـلّوا فرَحاً
ثـمّ قـالـوا: يا يزيد لا تُشَلّ!
قـد قَتَـلنا القَرمَ مِن ساداتِهم
وعَـدَلنـاهُ بـبـدرٍ فـاعتدلْ
لَـعِبَـت هـاشمُ بالمُلكِ، فلا
خبرٌ جاء ولا وحـيٌ نَـزَلْ!
لستُ مِن خِندفَ إنْ لم أنتـقِمْ
منْ بني أحمَدَ ما كان فعَل ,!
ولمعت عيناه وهو ينظر إلى ثمالة كأس فكرعها. ودبّت النشوة في رأسه كطوابير النمل.
بدت دمشق في يوم الزينة كمومس تَعْرض بضاعتها على قارعة الطريق، ولَغطُ الشاميين يرتفع كطنين الذباب،
والذباب لا يفرّق بين العسل والنفايات.
أطلّ شهر «صَفَر» بوجهه الكئيب، وكانت القافلة قد توقّفت في «باب الساعات»،
ونَعبَ غراب قبل أن يخفق بحناحَيه السوادوَين.
تمتم يزيد متشفّياً وهو يطّلع الى ثارات بدر، واجتاحته رغبة عارمة بالغناء، فأطلق عقيرته:
لـمّا بَـدَتْ تـلك الحُمولُ وأشرقَتْ
تـلـك الـرؤوسُ على شفا جَيرونِ
نَعبَ الغرابُ فقلتُ: صِحْ أو لاتَصِحْ
فـلقـد قَضـَيـتُ من النبيِّ دُيوني
كانت دمشق ترقص على دفوف أهلها، والأبواق تدوّي في الفضاء، وتَذكّر يزيدُ جدَّته (هند)،
وهي تصدح غداة «أُحُد»:
إن تُقبِـلوا نُعانقْ
ونَفرش النَّمارقْ
أو تُدبِروا نُفارقْ
فِراقَ غيرِ وامِقْ
القافلة المقهورة تشقّ طريقها كسفينة تعصف بها ريح مجنونة... يتقدّمها رأسُ آخرِ الأسباط على رمح طويل،
فبدا كعملاق من عمالقة التاريخ.
ودنا شيخ من فتىً في العشرين من عمره... كان ينوء بثقل سلاسل القهر. هتف الشيخ:
ـ الحمدلله الّذي أهلككم، وأمكنَ الأميرَ منكم!
نظر الفتى اليه، وخاطبه بإشفاق:
ـ أقرأت القرآنَ يا شيخ ؟
قال الشيخ مأخوذاً:
ـ بلى.
ـ أقرأتَ:
قل لا أسألُكم عليه أجراً إلاّ المودّةَ في القربى
؟
ـ نعم قرأت ذلك. ما ذا تعني ؟
ـ نحن القربى يا شيخ... أقرأت:
إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّرَكم تطهيراً
؟
ـ نعم قرأت ذلك.
ـ نحن أهل البيت يا شيخ.
ـ بالله عليك، أنتم هُم ؟!
ـ نعم، وحقِّ جدِّنا رسولِ الله، إنّا لَنحن هم.
وقع الشيخ... كأنّ الأرض تهتزّ تحت قدميه... كان ينتحب ويُوَلوِل:
ـ أبرأ الى الله ممّن قتلكم...
وما أسرع أن احتوشته الجلاوزة، كحَمل سقط بين مخالب قطيع من الذئاب.
وتساءلت امرأة دمشقية:
ـ مِن أيّ السبايا أنتم ؟
فقالت سكينة بحزن:
ـ نحن سبايا آل محمّد.
ومضت القافلة في طريقها الى قصرٍ بُني على الظلم ما له من قرار.
وفي باب القصر توقّفت القافلة، وجيء بالحبال، فرُبِّق بها آل الرسول، وَضعوا طرَفه في رقبة فتىً في العشرين؛
أنهكته السلاسل والقيود، ثمّ في رقبة زينب بنت علي! ثمّ باقي بنات محمّد! وكلّما تعثّر الأسرى في طريقهم انهالَتْ
عليهم السياط من كل جانب.
وتذكّرت زينبُ عِزّاً قديماً بدّدته أيام الزمن الخالي... يوم كانت تخرج يحفّ بها فتية بني هاشم. وها هي الآن تُساق أسيرةً
الى أولاد الطلقاء. لَشدّ ما يقسو الدّهر... ولكن كل شيء في عَين الله، ولقد أوتيَتْ زينب صبراً دونه صبر أيّوب.
وأُدخلت الرؤوس، وكان رأسُ الحسين على رمح طويل.
وفي تلك الليلة ضاعت آياتُ القرآن وسط دفوف مجنونة تحتفل بنصر الخليفة الجديد.
الّذي زيّن قِرْده الأثير قلادةً جديدة من الذهب المرصّع بالياقوت الأحمر