.
تناول المعلق كل شيء عن ايطاليا ومطاعمها وعن فلاسفتها وما كتبوا وعن افلامها ولكنه نسي ان يخبرنا بشيء حول المباراة التي نتابعها
بقلم: يمان زيتوني
جلست قبل أيام لمتابعة مباراة قمة انتظرتها طويلاً تجمع فريقين أوروبيين عريقين في إحدى بطولتي القارة العجوز. وكما عودتنا قنواتنا الرياضية الكريمة، فقد اختير معلقٌ ذو شعبية كبيرة للتعليق على اللقاء الذي يجمع فريقاً إنكليزياً عريقاً بآخر إيطالي... وهنا كانت المفاجأة!!
ففي الدقائق العشرين الأولى من الشوط الأول، تحدث صاحبنا بإسهاب عن الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي وكتابه "الأمير"، كما سرد لنا شطراً من تاريخ شبه الجزيرة المتوسطية التي ترعرع فيها ابن فلورنسا، قبل أن يعرّج على أطيب الأكلات الإيطالية وينصح المشاهدين بتناولها، وينتقل فجأة للحديث عن الفيلم العربي الوحيد الفائز بجائزة السعفة الذهبية في سبعينيات القرن المنصرم!
ومع هذا الكم الهائل من المعلومات البعيدة كل البعد عن أجواء اللقاء والتي شعرت بأنها "استعراض عضلات" لمعلومات المعلق الثقافية، اضطررت لتغيير اللغة إلى الإنكليزية التي لم تسعفني بمعلقها البارد، فعدت صاغراً إلى صاحبنا الذي فعل كل ما بوسعه لإيهام المشاهد بأن المباراة غاية في الروعة من خلال صرخاته المتواصلة والألقاب الرنانة - والفارغة - التي يطلقها على اللاعبين، رغم أن النقاد أجمعوا أن الفريقين قدموا لقاءً غايةً في السلبية فشلوا فيه في هزّ الشباك.
أما زميله الآخر الذي علق على مباراة أخرى جمعت أعتى أندية أحد الدوريات الأوروبية المحلية، فقضى بدوره دقائق اللقاء كلها في الحديث عن أعمار لاعبي الفريقين ومقاسات أحذيتهم والسنوات المتبقية في عقودهم، قبل أن يقدم لنا وجبة دسمة عن تواريخ ميلادهم والأندية التي تنقّلوا بينها وعدد المباريات الدولية التي خاضوها، ثم ختم اللقاء بكشف معلومات "سرية للغاية" عن عدد مرات فوز الناديين بلقب الدوري!!!!
مع الأسف، أثرت كثرة القنوات الفضائية وتزايد عدد المباريات المنقولة بشكلٍ سلبي على نوعية المعلقين الذين لم يفهموا بعد أن مهنتهم لا تكمن في سرد المعلومات التي يعرفها الجميع، أو الحديث دون توقف على مدى 90 دقيقة وكأن إداراتهم تدفع مرتباتهم "على الكلمة"، بغض النظر عن علاقتها بالمباراة، بل وبالرياضة أحياناً.
نسي الكثيرون أن مهمة المعلق تتمثل في تسلية المشاهد من خلال تقديم جرعة من التحليل والمعلومات والتصريحات والأخبار والإحصائيات والطرائف أحياناً، شريطة أن تتعلق بالمباراة من قريبٍ أو بعيد.
أما الهذيان الذي تشهده كثيرٌ من الشاشات، فبرأيي المتواضع، ما هو إلا استخفافٌ بالمشاهد الرياضي العربي الذي يُنظر إليه على أنه ضحلٌ سطحيٌ يسهل "الضحك عليه" بصرختين ليقتنع بأن المباراةمثيرة وأن المعلق الذي "يتحفنا" بمعلوماته "بيتكلم صح" على قولة عادل إمام.
أطلب من مسؤولي فضائياتنا الكريمة أن يعيدوا النظر في أهلية الكثير من معلقيهم لتأدية هذه المهنة، من خلال مواصلة الجهود التي بدأتها قناة الجزيرة الرياضية لاكتشاف معلقين جدد على شاكلة علي سعيد الكعبي ورؤوف خليف الذي بات عليه أن "يوزززززززززع" خبراته على المواهب الواعدة.
.