الحلقة الأولى
إثبات وجود الله
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم
قبل الخوض في الأدلة التي تثبت وحدانية الله عز وجل ، وقبل الخوض في أقسام التوحيد،لابد من الإجابة عن سؤالين مهمين ألا وهما:
أولاً: لماذا نبحث عن وجود الله؟
بمعنى آخر: ماهي الحاجة التي تحتم علينا معرفة الخالق جل وعلا؟
ثانياً: ماهي الأدلة والبراهين التي تثبت وجود الله؟
جواب السؤال الأول:
يذكر علماؤنا الأجلاء عدة عوامل تحتم علينا السعي للبحث عن خالق الكون ومعرفته، وهي :-
1-حبّ الاستطلاع و التعرف على عالم الوجود:
حول هذه النقطة يقول آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه : ( دروسٌ في العقائد الإسلاميّة ) :" إنَّنا نريد أنْ نعرف حقّاً: هل هذه السّماء الرفيعة بنجومها الجميلة، وهذه الأرض المنبسطة بمناظرها الأخّاذة، و هذه الكائنات المتنوعة، و الطيور الجميلة، والأسماك الملونة في البحار، والزهور، و البراعم و النّباتات، و أنواع الأشجار السّامقة، هل هي كلّها قد وجدت في هذا الكون لوحدها، أم أنَّ هذه الصور العجيبة قد رُسمت بيد ماهرة قادرة مدبّرة؟
ثمّ إنَّنا إذا تجاوزنا ذلك كلّه، فإنَّ الأسئلة الأولى التي تراود خواطرنا في الحياة هي:
من أين جئنا؟ أين نحن الآن؟ وإلى أين سائرون؟
إنَّ روح حبّ الاستطلاع فينا تفرض علينا أنْ لا نجلس دون حراك حتى نعثر على أجوبة هذه الأسئلة ".
تعليق: لعلنا نلحظ أن هذا التوجه – حب الإستطلاع – واضح وجلي في حياتنا العملية في أمور كثيرة، فعندما نرى سيارةً مقلوبة على وجهها ، فإننا وبدون تردد سوف نحاول معرفة سبب انقلابها، وعندما نرى إنساناً مكسور الرجل ، فإن الفضول يدفعنا إلى التساؤل عن سبب الكسر ، ولعل الكثير من الإكتشافات التي توصل لها العقل البشري منذ القدم وحتى الآن وليدة حب الاستطلاع لمعرفة أسرار الكون.
2-عرفان الجميل أو شكر المنعم:
يُعتبر هذا العمل من الدوافع العاطفية التي تحث على البحث عن الخالق، وبهذا الصدد يقول آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه: ( نفحات القرآن ، الجزء الثاني ) : "هنالك حقيقة تقول: إنَّ الذي يسدي خدمة لشخص آخر أو ينعم عليه نعمة فسيكون محطاً لعواطفه، ويكون هذا الآخر محباً لصاحب الخدمة والنعمة، يحب أن يتعرف عليه تماماً ويشكره، وكلما كانت هذه النعمة أهم وأوسع، كان تحريك العواطف نحو «المنعم» و «معرفته» أكثر.
ولهذا جعل علماء علم الكلام (العقائد) مسألة «شكر المنعم» - ومنذ القِدَم - إحدى المحفزات على التحقيق حول الدين ومعرفة الله ".
-جاء في حديث عن أمير المؤمنين علي((عليه السلام)): «لو لم يتوعد الله على معصيته لكان يجب ألاّ يُعصى شكراً لنعمته» (نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 290 نقلاً عن الكتاب الآنف الذكر).
-نقرأ في حديث آخر عن الاِمام الباقر((عليه السلام)) أنه قال: «كان النبي ذات ليلة عند عائشة فسألته: لماذا ترهق نفسك كل هذا الإِرهاق بالعبادة في حين قد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟».
فقال ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «ألا أكون عبداً شكوراً؟». ( أصول الكافي المجلد 2 باب الشكر، الحديث 6 نقلاً عن الكتاب الآنف الذكر).
3- حساب الرّبح و الخسارة في هذا البحث و دفع الضرر المحتمل أو المظنون:
حول هذه النقطة يقول آية الشيخ جعفر السبحاني في كتابه: ( الإلهيات على هدى الكتاب والسنة، الجزء الأول): " إنَّ هناك مجموعة كبيرة من رجالات الإِصلاح و الأخلاق الذين فدوا أنفسهم في طريق إصلاح المجتمع و تهذيبه، وراحوا ضحية رقيّه، توالوا على مدى القرون و الأعصار و دعوا المجتمعات البشرية إلى الإعتقاد بالله سبحانه و صفاته الكمالية، و ادَّعوا أنَّ له تكاليف على عباده و وظائف وضعها عليهم، و أنَّ الحياة لا تنقطع بالموت و ليس الموت آخرها و آخر مقطع منها، و إنما هو جسر يعبر به الإِنسان من دار إلى دار، و من حياة ناقصة إلى حياة كاملة، و أنَّ من قام بتكاليفه و وظائفه فله الجزاء الأوفى، و أمّا من خالف واستكبر فله النكاية الكبرى.
هذا ما سمعته آذان أهل الدنيا من رجالات الوحي و الإِصلاح، ولم يكن هؤلاء متهمين بالكذب و الإِختلاق، بل كانت علائم الصدق لائحة من خلال حياتهم و أفعالهم و أذكارهم. عند ذاك يدفع العقل الإِنسان المفكر إلى البحث عن صحة مقالتهم دفعاً للضرر المحتمل أو المظنون الذي يورثه مقالة هؤلاء. و ليس إخبار هؤلاء بأقل من إخبار إنسان عادي عن الضرر العاجل أو الآجل في الحياة الإنسانية، فترى الإنسان العاقل يهتمّ بإخباره و يتفحص عن وجوده حتى يستريح من الضرر المخبر عنه ".
توضيح: كمثال على ذلك : لو أن شخصاً ما أخبرك بأن خلف جبل ما أفعى ضخمة تأكل كل من يمر بها ، وأنت تعلم بصدق ذلك الرجل ولم تعهده كاذباً يوماً ما، فإنه ومن الطبيعي أنك سوف تأخذ أقصى درجات الحذر وسوف لن تحاول التوجه إلى ذلك الموقع أبداً، وكل ذلك حتى تدفع الضرر عن نفسك، فكيف بمن يخبرك بالمصير النهائي الذي ينتظرك وما ستئول إليه ، وأن هناك ثواباً وعقاباً على كل حركة وسكون قد يصدران منك، أوليس ذلك مدعاة لأخذ الحذر والحيطة أكثر فأكثر؟
إلى هنا وصلتُ معكم إلى ختام الحديث حول إجابة السؤال الأول ، ، وسوف أوافيكم بإجابة السؤال الثاني في الحلقات التالية.
وفقكم الله