الجزء الثامن
كان جالس في الزاوية.. في نفس المكان اللي كان أبوه جالس فيه، لما بلغ جواهر بروحته للجبهة
لما شاف جواهر وأمها دخلوا، قام وقف
انصدمت جواهر صدمة عمرها من شكله.. كان أخر شيء تتوقعه أنه يكون تغير كذا
شعره طويل ولحيته طويلة غير مشذبة.. وإزداد نحافة، عظام وجهه بتبرز من خدوده.. شكله مريض ومريض جدا.. كأنه شخص ثاني، غير اللي راح
حست جواهر بألم عميق يحفر في قلبها من شكله.. باس رأس أمها، وحط يده على رأس جواهر، كأنه يداعب طفلة صديقه: وسألها بحنان متعب: تعبانة جواهر من الحمل؟؟
جواهر بكذب: لا الحمدلله، كل شيء تمام (وهي تتمنى لو أنه حضنها، حسسها بالحنان اللي هي محتاجته، وبتموت عطش له)
(هو) بحنان بالغ: لا تخافين من شيء، أنا باكون جنبج على طول...
وجه كلامه لأبو فهد: يا عمي، أنا بأخلي جواهر عندكم الحين، لين أرتب وضعي، أنا توني جيت قبل يومين وانفجعت بموت أبوي..اليوم توني قدرت أمسك وعيي وجيتكم..بس فيه أشياء وايد تبي اهتمام.. أبوي ترك حلال وايد.. ومو عارف لحد الحين اشلون أتصرف...
أبوفهد بتفهم: أكيد يا ولدي أنا فاهم كل شيء، والأحسن أنك تخلي جواهر عندنا وعند أمها لين تولد..
(هو) يتنفس بارتياح، وكأن اقتراح أبوفهد أنقذه من حمل ثقيل
طلع من عندهم، بعد ما حط في يد أم جواهر ظرف كبير فيه فلوس
*************
(هو) كعادته كل ما تضيق به الحال، وما يعرف لمين يشكي بعد ربه.. اتصل بخالته عائشة، اللي كانت مبسوطة جدا من رجعته، وكانت خايفة عليه كثير من معرفته بخبر وفاة أبوه، اللي كانوا أخوانها بلغوها فيها.
(هو) بحزن: خالتي، جواهر حامل..
عائشة بفرح: زين وشفيك تقولها وأنت محزن، أعرفك تموت في الأطفال.. المفروض أنك الحين أسعد واحد..
(هو) بحزن أكبر: شفتي أنه ربي زعلان علي..
عائشة بهلع: استغفر ربك.. وش هالكلام؟؟
- أستغفر الله.. بس ربي راد يعاقبني على غلطتي بحقها، عشان أتعذب لما أشوف عذابها..
- وش هالكلام يا قلبي.. الأطفال نعمة..
- بس هي بروحها طفلة.. طفلة.. لو شفتي أشلون شكلها مع بطنها، صارت هيكل عظمي جلد على عظم، بس البطن اللي كأنه كورة صغيرة هو الشيء الوحيد البارز فيها.. حاس بذنب ما تتخيلنه.. خايف يصير لها شيء في الولادة..
- لا تفاول عليها..
- أنا ما أفاول أنا رحت لدكتورتها، واستفسرت منها عن وضعها الصحي بالتفصيل، لو شفتي أشلون الدكتورة تطالعني كأني مجرم، تمنيت لو الأرض تنشق وتبلعني..
- خلك من حركات الدكتورة البايخة، أنت اللي حساس بزيادة، قل لي وش قالت لك؟؟
- قالت لي أنه وضعها صعب، ومستحيل تولد طبيعي، لأنها مابعد استكملت نموها الطبيعي، والحوض عندها صغير، عدا أنه عندها فقر دم حاد.. وطبعا عطتني الدكتورة محاضرة.. أنه ياليت لو الله قوم المدام بالسلامة، أنه نأجل أي حمل جاي لحد ما تكمل 18 سنة وخصوصا أنها بتجيب لي تؤام، يعني يترسون عيني اللي ما يملاها التراب، عشان أرحمها وأعتقها من شري..
- عائشة بانفعال: لا تتضايق من كلام الدكتورة..
- (هو) بحزن حاد: أنا موب مهم، المهم هالمسيكينة الله يقومها بالسلامة..
- إن شاء الله أنت بس لا تحاتي وطمني عليك
- إن شاء الله..
***************
في بيت نجلاء صلاة العصر باقي عليها شوي
وجواهر مازالت مسترسلة في سرد حكايتها:
كنت تعبانة وايد وايد، ماعدت قادرة أمشي، ودخلت المستشفى من بداية السابع.. وقررت الدكتورة أنه لازم أبقى تحت الملاحظة، ولو كل شيء مشى طبيعي راح تولدني قيصيرية بعد أسبوع أو أسبوعين من الثامن..
وهو كان يجي يزورني كل يوم.. كان حنون جدا.. بس كنت حاسته بعيد بعيد.. وفي عيونه حزن كل ماله يزيد ويتجذر ويتعمق..
أمي كانت عندي على طول، وعزوز كان عند مرت خالي وعيالها اللي كانوا يزوروني كل يوم... عزوز كان يلزم يجي عشان يشوفه (هو)... عزوز كان يحبه وايد.. ولحد الحين أحس أن عزوز موب قادر يكرهه مثلي.. هو كان يمثل لعزوز أب وأخ وصديق، بس (هو) غدر بكل شيء حلو مثله لنا..
المهم.. من الأشياء الطريفة اللي أتذكرها وقت قعدتي في المستشفى، أنه جاء مرة يزورني الصبح، وكانت أمي تعبانة، فأصر عليها أنها تروح للبيت مع خالي اللي كان موجود عندنا، وهو بيقعد عندي لحد العصر..
وحتى لما قعد عندي ماكان طايق يكلمني حتى، قعد يقرأ في جريدة جايبها معاه، شافني قاعدة أطالعه، فسألني سؤال سخيف
قال شنو : تعرفين تقرين؟؟؟ بلفيت يعني يفتح حوار هو ووجهه..
يسألني أعرف أقرأ؟؟!!!
أنا من عباطة السؤال كان ودي أخبطه بكأس الماي اللي جنبي، يعني شنو شايفني، عايشين في القرن التاسع عشر، يعني لو سألني أي صف كان السؤال أكثر واقعية..
المهم أنا رديت عليه باستهبال: لا ما أعرف أقرأ بس أشوف الصور، ممكن تعلمني أقرأ؟؟
ما أدري ليش حسيت وقته أنه ردي اللي كنت أعتقد أنه مضحك، جرحه.. حسسه بحزن..
هو هذاك الوقت، كنت أحس أنه كل شيء يحيب له حزن.. تدرين أني عرفته وراح.. وأنا عمري ما شفت له ابتسامة، والله العظيم شكل أسنانه ما أعرفها..
نجلاء باستغراب: جد؟؟
جواهر بهدوء: والله العظيم..
نجلاء باستفهام: وهو صدّق حكاية إنج ما تعرفين تقرين ذي؟؟
جواهر: ما أدري.. يمكن صدّق الأهبل..
المهم: بعد أسبوع ونص من الثامن ولدتني الدكتورة.. ولدت بعملية قيصرية طبعا
كنت تعبانة كثير.. وبموت.. قعدت في العناية المركزة يمكن أسبوعين بعد الولادة
الضغط نازل كثير، ومعاي نزيف، وكنت محتاجة نقل دم على طول..
وهو تبرع لي مرتين، مع أنه وزنه ما يسمح بالتبرع، بس أمي قالت لي أنه تخانق مع كل اللي في المستشفى، لما عرف أنه الدم في بنك الدم قليل، وهم موب راضيين يأخذون منه دم للمرة الثانية عشان وضعه الصحي.. ودخل هو المستشفى يومين بعد..
نجلاء بإعجاب غلفته بالسخرية: يا أختي يا أختي على فرسان العصور الوسطى..
جواهر بحزن: تدرين أني أكره دمه اللي يجري بعروقي، ليته خلاني أموت وقتها.. ليش يتبرع لي بدمه، إذا كان ناوي ينتزع قلبي مني..
نجلاء بحزن: أذكري الله يا جواهر أذكري الله..
جواهر بإيمان: لا إله إلا الله..
نجلاء باستفهام: والتوأم..أشلون وضعهم الصحي كان؟؟
جواهر بحب وعيونها تلمع: عبدالعزيز ونوف..كان وضعهم مستقر، صحيح وزنهم قليل.. بس صحتهم كانت زينة.. قعدوا في الحضانة أسبوعين، لحد ما طلعت أنا من العناية..
نجلاء باستفسار: إلا اشمعنى اخترتو اسم نوف وعبدالعزيز؟؟
جواهر بتأمل: أخوي عزوز بهباله وطفولته قال لأبو العيال، تكفى وطالبك تسمي الولد باسمي، مع أني كنت عارفة أنه كان يبي يسميه محمد على اسم عمي، وعنده حق، بس ماحب يكسر بخاطر هاليتيم.. ونوف أنا سميتها، كنت حابة الأسم ومعناه وايد.
*************