عرض مشاركة واحدة
قديم 26-07-2010, 10:55 PM   رقم المشاركة : 5
سلمان الفارسي
شاعر وكاتب وباحث قرآني قدير






افتراضي رد: ( ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب )

بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين وبعد
فإن استعمال لفظ {أنفسكم}في الآية قد وقع موقعه الذ ي يليق به ولاغرو فإن القرآن الكريم كتاب قد أحكمت آياته ،وهاهنا مقدمة يجدر بي أن أذكرها وهي أن الأفعال على نحوين ،نحو لايتعدى أثره فاعله فلا ينهى إلا فاعله إن كان الفعل مما ينهى عنه كمن يشرب مايضره ،ونحو يتعدى أثره فاعله فيقع الفعل عليه وعلى غيره وهذا أشد خطرا لأنه أعم أثرا وإن يكن وقع من فرد واحد فالحال أحيانا كما يقول الشاعر:
ومعظم النار من مستصغر الشرر
واللمز الوارد في الآية من هذا القبيل فإن أثره يقع على فاعله وعلى غير فاعله وأثره الذي على غير فاعله لايستثني فاعله من التأثير فيه فمن يقع منه اللمز فإنما يصيب مقتلا في مجتمع هو أحد أفراده فإذا تمزق المجتمع ونزل به البلاء فهو أحد من ينزل به البلاء وعلى هذا فمن يلمز الآخرين كان في الحقيقة لامزا لنفسه أيضا .
وقال الأستاذ عبدالرحمن الميداني:
واللّمُزُ يَغْلِبُ فيه الْعَمَلُ الفرديّ الخفيُّ، الّذي يُدْرِكُهُ أهْلُ الفطانةِ والنَّباهة، فجاء التعبير بأسلوب: {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} وللدّلاَلَةِ أَيْضاً عَلى أنَّ مَنْ لَمَزَ أخاهُ المؤمِنَ فكأنّما لَمَز نَفْسه، لأن المؤمنين هم بمثابة الجسَدِ الواحد.انظر:البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها
وقال الشيخ الطوسي في التبيان في تفسير الآية: وقال ابن عباس وقتادة: معناه لا يطعن بعضكم على بعض كما قال (ولا تقتلوا أنفسكم) لأن المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه بقتله أخاه قتل نفسه.
وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في الأمثل في تفسير الآية:
الطريف أنّ القرآن في تعبير «بأنفسكم» يُشير إلى وحدة المؤمنين وأنّهم نسيجٌ واحد، ويبيّن هنا بأنّ جميع المؤمنين بمثابة النفس الواحدة فمن عاب غيره فإنّما عاب نفسه في الواقع!.
وقال الرضي في حقائق التأويل معلقا على قوله تعالى {وأنفسنا وأنفسكم}:
وقال بعض العلماء: إن للعرب في لسانها أن تخبر عن ابن العم اللاصق والقريب المقارب: بأنه نفس ابن عمه، وأن الحميم نفس حميمه، ومن الشاهد على ذلك قول الله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب..) [ 1 ]، أراد تعالى: ولا تعيبوا إخوانكم المؤمنين، فأجرى الأخوة بالديانة مجرى الأخوة في القرابة، وإذا وقعت النفس عندهم على البعيد النسب كانت أخلق أن تقع على القريب السبب، وقال الشاعر [ 2 ]: كأنا يوم قرى إن‍.. ما نقتل إيانا أراد: كأنما نقتل أنفسنا بقتلنا إخواننا، فأجرى نفوس أقاربه مجرى نفسه، لشوابك العصم [ 3 ] ونوائط اللحم..إلخ
وقال الراغب في المفردات مادة لمز:
اللمز: الاغتياب وتتبع المعاب. يقال: لمزه يلمزه ويلمزه. قال تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} [التوبة/58]، {الذين يلمزون المطوعين} [التوبة/79]، {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات/11] أي: لا تلمزوا الناس فيلمزونكم، فتكونوا في حكم من لمز نفسه، ورجل لماز ولمزة: كثير اللمز، قال تعالى: {ويل لكل همزة لمزة} [الهمزة/1].
وقد فسر الشيخ الطبرسي قوله تعالى:{أنفسكم}بأمثالكم ،قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }الروم28:
و معنى أنفسكم هاهنا أمثالكم من الأحرار كقوله « و لا تلمزوا أنفسكم » و كقوله « ظن المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيرا » أي بأمثالهم من المؤمنين و المؤمنات.
وقال العلامة الطباطبائي في الميزان في تفسير الآية:
و قوله: "و لا تلمزوا أنفسكم" اللمز - على ما قيل - التنبيه على المعايب، و تعليق اللمز بقوله: "أنفسكم" للإشارة إلى أنهم مجتمع واحد بعضهم من بعض فلمز الواحد منهم غيره في الحقيقة لمز نفسه فليجتنب من أن يلمز غيره كما يكره أن يلمزه غيره، ففي قوله: "أنفسكم" إشارة إلى حكمة النهي.
أقول :أما الكلام على سبب نزول الآية وتفسيرها فلم يسأل السائل عنه وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
والحمد لله رب العالمين.

 

 

سلمان الفارسي غير متصل   رد مع اقتباس