عرض مشاركة واحدة
قديم 05-07-2010, 08:40 AM   رقم المشاركة : 10
زهرة اللوتس
مشرفة عالم المرأة
 
الصورة الرمزية زهرة اللوتس
 






افتراضي رد: امرأة.. اسمها زينب



،

بدا الجامع الأعظم مكتئباً، كناسكٍ حزين. ورغم الضجة المتصاعدة، فقد بدا مقفراً،

وضاعت آيات القرآن بين لغط الكوفيّين الذين تجمهروا في الظهيرة المحرقة.

نزا الأرقط على المنبر، وراح ينظر الى الناس باستعلاء. الشرر يتطاير من عينيه كشظايا

جحيم مستعرة. هتف بغطرسة وقد فقد السيطرة على لثغة لسانه:ـ

الهمد... الحمدلله الّذي أظهر الحق وأهله... نَسرَ اميرالمؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب

الحسين بن علي وشيعته.


ضحك أحدهم بمرارة، وهو ينظر الى هذا الألكن الّذي نزى على منبر عليّ.

لقد مضت أيام البلاغة والفصاحة. مضت دون عودة، وورث المنبر قردةٌ وخنازير يسومون الناس سوءَ

العذاب.


كان الصمت يخيّم فوق الرؤوس الّتي أطرقت ذلاًّ...

فجأة هبَّ رجل مكفوف البصر:

ـ يابن مرجانة! الكذّاب أنت وأبوك والّذي ولاّك وأبوه...

أتقتلون أبناء النبيّين وتتكلّمون بكلام الصدّيقين ؟!


فُوجئ الأرقط، فصرخ بغيظ:

ـ مَن المتكلّم؟!

ـ أنا المتكلّم يا عدوّ الله! تقتلون الذرية الطاهرة الّتي أذهب الله عنهم الرجس، وتزعم أنّك على دين

الاسلام... واغوثاه! أين أولاد المهاجرين والأنصار ؟!


استشاط الأرقط، وهتف بجلاوزته كأفعى حانقة:

ـ عَلَيَّ به!

هتف الرجل المكفوف البصر بشعار الأزد:

ـ يا مَبرور!

وتواثب الرجال من هنا وهناك، وانتزعوه من بين أنياب الكلاب.

وقال رجل أزديّ بإشفاق:

ـ لقد أهلكتَ نفسك و عشيرتك!


مضت الساعات ثقيلة، وباتت الكوفة تترقب حادثة ما، وبدا قصر الإمارة كوحشٍ رابض في الظلام.

كسرت حوافرُ الخيل هدأة الليل... كانت تندفع نحو منزل رجل مكفوف البصر... بصير القلب.

واقتحمت الذئاب داره بعد أن حطّمت الباب، وكانت له صَبيّة فصاحت:

ـ وا أبتاه!

ـ لاعليكِ، ناوِليني سيفي.

ـ ليتني كنتُ رجلاً أذبّ بين يديك.

كان الرجل يقاتل في الظلام؛ وأحاطت به الذئاب، فسقط أسيراً بين الأنياب.

وهتفت ابنته:

ـ وا ذلاّه! يحاط بأبي وليس له ناصر!

وفي القصر، فرك الأرقط يديه جَذلاً، وقال بشماتة:

ـ الحمدلله الّذي أخزاك.

ـ وبما ذا أخزاني يابن مرجانة ؟

قال الأرقط بنفاق:

ـ ما تقول في عثمان ؟

ـ ما أنت وعثمان، أساءَ أم أحسَن، أصلَح أم أفسَد؟ ولكن سَلْني عنك وعن أبيك وعن يزيد وأبيه

ـ لأَذيقنّك الموت.

فقال الأزديّ بطمأنينة:

ـ لقد كنتُ أسأل ربّي الشهادة مِن قبل أن تلدك أمُّك، وسألتُه أن يجعلها على يدَي ألعنِ خلقه وأبغضهم اليه.

جحظت عينا الأرقط غيظاً، وأشار الى جلاوزته، وسرعان ما تدحرج رأس الشيخ؛ وكانت ابتسامة تلوح

على وجهه.

ودعا ابن زياد بأزديّ آخر، كان في الطامورة، فجيء به، يخطو على وهن... أثقلته السنون والسلاسل

والقيود.

قال الأرقط بصفاقة، وقد اجتاحته رغبة في سفك الدم:

ـ ألستَ صاحِبَ أبي ترابٍ في صِفّين ؟!

ـ نعم و إنّي لأُحبّه، وأفتخر به، وأمقتك وأباك، لاسيّما الآن وقد قتلتَ سِبط الرسول.

أجاب الأرقط باستهتار:

ـ إنّك لأَقلّ حياء من ذلك الأعمى.

وهمّ الأرقط بقتله، فحدّق به ثم تمتم في نفسه:

ـ إن هي إلاّ أيام وينفق...

وأردف وهو يصرّ على أسنانه:

ـ لولا أنّك شيخ قد ذهب عقلك لَقتلتك.

وتساقطت السلاسل من بين يديه. وعندما خطا باتجاه الحرّية كانت عيناه تفيضان من الدمع حزناً.

وغبط في نفسه صاحبَه الّذي رُزق الشهادة بعد أمدٍ طويل.

وعندما غادر الشيخُ القصر كان الأمل يكبر في قلبه الواهن بأن يلتحق بصاحبه ولو بعد حين.

 

 

 توقيع زهرة اللوتس :
يوسُف الضائع لابد أن يعودَ إلى كنعان
زهرة اللوتس غير متصل   رد مع اقتباس