عرض مشاركة واحدة
قديم 28-06-2010, 03:09 AM   رقم المشاركة : 9
زهرة اللوتس
مشرفة عالم المرأة
 
الصورة الرمزية زهرة اللوتس
 






افتراضي رد: امرأة.. اسمها زينب


،

الليل يغمر الأرض بظلمة حالكة. وبدت الصحراء المترامية امرأة متّشحة بالسواد حزناً على أبنائها.

النخيل الذي يحفّ بشطآن الفرات بدا كرماح مركوزة في الرمال.

خُيِّل إليه أنّه يسمع صهيلاً ينبعث من أعماق المياه المتدفّقة...

اقترب أكثر فأكثر... فكاد يسقط دهشة... مواكب من شموع تتألّق وأصوات تشبه البكاء.

كان الرجل الأسدي يحدّ النظر... يريد أن يتعرّف أحدهم، لكنّ بصره ارتدّ حسيراً ...

تقهقر إلى الوراء... سيطرت عليه رهبة المكان.


خُيّل اليه أنه يرى جواداً ينبعث من نهر الفرات. كان الجواد يشبه غيمةً بيضاء تنساب فوق

الرمال الناعمة.

ورأى رجلاً يستيقظ... راح الجواد يمرّغ ناصيته يشمّه ويحمحم بحزن.

نهض الرجل النائم... مسَح على رقبة جواده، ثمّ راح يوقِظ النائمين واحداً بعد الآخر.

استيقطوا جميعاً. كانوا سبعين أو يزيدون.

وهتف الرجل الذي أيقظهم:

أنا الحسين بن علي

آليـت ألاّ أنـثـني



انتبه الرجل الأسدي... فرك عينيه.

كان الفجر قد لاح من وراء النخيل... فجر يشبه الرماد.


وشيئاً فشيئاً تبدّدت الظلمة، ولاحت له أجساد القتلى مقطّعة الرؤوس...

متناثرة هنا وهناك، كنجوم منطفئة.


حلّ اليوم الثالث عشر من محرّم. شمسه كئيبة حزينة. ترسل أنواراً باهتة.

تلفح أجساداً مقطّعة الرؤوس، وكانت الريح تعدو كذئبة مجنونة تثير غباراً كدخان الحرائق.

وجاءت نسوة أسديات، ورجال كانوا يبكون بحرقة. وتعالت في الفضاء تأوّهات هابيل،

وهو يشكو ظلم أخيه.

وقف بنو أسد حيارى لا يدرون ما يصنعون!

حاول بعضهم أن يتعرّف القتلى ولكن لا جدوى. حتّى «ابن مظاهر» ضاع عليهم.

كانت الأجساد مضرّجة مزّقتها حوافر خيل قاسية.

وجاء فتى يسعى... عليه سيماء النبوّات. ووقف بنو أسد مدهوشين، وهو يشير الى الأجسام المجهولة.

ـ هذا جسد أبي...

وتمتم وهو يواريه الثرى:

ـ طوبى لأرض تضمّنت جسدك الطّاهر... الدنيا بعدك مظلمة والآخرة بنورك مشرقة.

أمّا الليل فمُسهَّد، وأمّا الحزن فسرمد.



ومشى الفتى الى جسدٍ آخر كان مقطوع الرأس واليدين.

فاعتنقه وراح يبكي:

ـ على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم... سلام عليك من شهيد محتسب ورحمة الله.

ومرّ النهار، ونكت الفتى يديه من التراب، ونظر الى الفرات. كان يشعر بظمأ شديد...

اغترف من الماء، وهمّ أن يشرب، ولكنه رماه بعنف كما لو كان سماً. تذكّر كلّ تفاصيل ملحمة الظمأ،

وهي تجري على شواطئ نهر يموج بالمياه.

نهض الفتى وألقى نظرة احتقار على الفرات، وطفرت من عينيه الدموع وهو يولي ظهره للشواطئ.

وبدا النهر كئيباً كخيط من الملح. وشيئاً فشيئاً كانت أصوات مناحة بني أسد تخبو في أُذنَيه،

وهو يتّخذ طريقه نحو مدينة غَدرَتْ بأبيه.

 

 

 توقيع زهرة اللوتس :
يوسُف الضائع لابد أن يعودَ إلى كنعان
زهرة اللوتس غير متصل   رد مع اقتباس