،
بدا قصر الإمارة وسط الظلمة كغرابٍ يبحث في الأرض... يريد نبش قبر قديمٍ عفّى عليه الزمن.
وصمتٌ رهيب يسيطر على زوايا القصر ما خلا صوت بومة ترسل هأهأتها متقطّعة.
كان الأرقط يذرع البهو وبيده كأس. وبدا مخموراً بعضَ الشيء.
وكان «الأبرص» منسحباً إلى نفسه، والرجل الّذي قاد القبائل على شاطئ الفرات يداعب لحيته الشعثاء،
وهو يحملق في الفراغ... ينظر إلى أحلامه تتبدّد... تتبخّر... وصبايا الري وجرجان تفرّ مذعورة بين يديه.
منذ «عاشوراء» والأرقطُ تعصف به الهواجس... ينتابه القلق... يهبّ من نومه مذعوراً، تطارده الأشباح...
أشباح لايعرفها... يتقدّمها رأسُ الحسين على رمحٍ طويل. أمّا هو فكان يلهث مبهور الأنفاس تائهاً في
صحراء مترامية مليئة بالأفاعي؛ تمتم بحقد:
ـ ما ذا لقيتُ من الحسين ؟!
دون شعور سقطت الكأس من يده.
رفع الأبرص عينه. كان ينظر بحقد. واستيقظ الرجل الذي كان يحلم بالري وجرجان.
شعر الأبرص بحرقة في نحره. منذ أيام وهي تلسعه بنار.
ركض الى بِركة الماء. بلّل نحره، ولكن بلا فائدة.
هتف الأرقط ساخراً:
ـ ما تزال تحرقك... أعني قطرات الدم.
صوّب الأبرص عينين متأرجحتين:
ـ لماذا تسخر منّي ؟ إنها قطرات من نار لا من دماء... صدِّقني أنّني أخلط خمرتي بدماء قتلاي.
ولكن هذا الدم كان يختلف. إنّه اللهيب بعينه.
قهقه الرجل الحالم:
ـ ولكنك جثمت على صدره كغراب أبقع.
ردّ الأبرص منتشياً.
ـ أنت لا تدرك اللذّة التي شعرتُ بها وأنا أعلو صدر الحسين. كان ربوة من ربيع تفوح منه
روائح أطيب من المسك.
يابن سعد! لقد ارتقيتُ قمّة المجد.
الأبرص ما يزال منتشياً، أسكرته لحظة الانقضاض.
الرجل الحالم قطع قهقهته فجأة. زاد اتساع عينيه كأنّما ما يزال يراقب مشهداً مثيراً على شاطئ
الفرات.
الحسين ما يزال يقاتل الألوف غير عابئ بالسهام والرماح، وسيوف القبائل تحاول أن تتخطفه.
اندفع نحو الفرات كزوبعة غاضبة. وبدا الفرات تحت حوافر جواده كأفعى ذليلة
لشدّما هزّه منظر الحسين. أيّ رجل هذا ؟!
غطّى وجهه بكفّيه.
أراد أن يطفئ اشتعالات مشاهد مضيئةٍ كبروق سماوية.
ما تزال الخيول المجنونة تركض بعنف، فيتردّد صداها في أعماقه هزّات عنيفة مدمرِّة تعصف
بأحلامه فتتبدّد.
كان الأرقط يراقب صاحبيه من طَرْف خفيّ. أدرك ما يعتمل فيهما. لوّح بسوطه في الهواء،
وصرخ:
ـ إنّني أُنفّذ أمر الخليفة.