جاسم محمد الصحيّح - بايعت ذكراك
قد اصْطَفاَكَ السَّناَ واختارَكَ الأَلَقُ
فكيف يسمو إلـى تكوينِكَ، العَلَقُ!
يا بصمةَ اللهِ في أبعادِ كوكبِهِ
حيث الفضاءُ كتابٌ والـمَدَى وَرَقُ
ما كنتَ في العُمْقِ من أحشاءِ (آمنةٍ)
لَحْماً على عَظْمِهِ ينمو ويَتَّسِقُ
بَلْ كنتَ أعمقَ أسراراً مُقَدَّسَةً
من نطفةٍ بمياهِ الـخَلْقِ تَصْطَفِقُ
سِرٌّ يَلُفُّكَ في سِرٍّ، وما بَرِحَتْ
عليكَ دائرةُ الأسرارِ تنغلقُ
فافتحْ فإِنِّي (صحابـيٌّ)، بِـمنزلةٍ
كفؤ (الصحابةِ) إلاَّ أَنَّهُمْ سَبَقوا!
بايعتُ ذكراكَ فانْساَبَتْ لـها عُنُقي..
والبيعةُ الحقُّ لا تُلْوَى لـها عُنُقُ!
هُنا مدائحُ (حَسَّانٍ) على شفتي
تزهو، وفي الرُّوحِ من أرماقِهِ رَمَقُ
يا صاعداً (جَبَلَ النُّورِ) الذي نَزَلَتْ
منه الحقيقةُ عبر الأرضِ تنطلقُ
عُدْناَ إليكَ من التاريخِ نسلكُهُ
حتَّى (حراءَ) فلم تسلكْ بنا الطُرُقُ
أين الطريقُ الذي سالَتْ خُطاَكَ بِهِ
نَهْراً على كَبِدِ الصحراءِ يندفقُ؟!
أيَّامَ ضَيَّعَتِ الأيَّامُ رحلتَها
فلم تَعُدْ خطوةٌ في نَفْسِها تَثِقُ
تبكي التضاريسُ.. لا روحٌ تـهدهدُها
غير الرياحِ التي في التيهِ تنزلقُ!
والوقتُ جَفَّ من المعنَى، فلا هَدَفٌ
في الوقتِ من أجلهِ الساعاتُ تستبقُ
كُلٌّ يُفَتِّشُ عن مجلَى حقيقتِهِ
وليسَ في الأُفْقِ إلاَّ الخوفُ والقَلَقُ
رملُ (الجزيرةِ) ما غنَّى الـحُداةُ بهِ
إلاَّ وأَوْشَكَ بالأصداءِ يختنقُ :
مَنْ ذا يُطَبِّبُ في الإنسانِ جوهرَهُ ؟
كاد السؤالُ على الصحراءِ يحترقُ!
وأَوْتَرَتْ قوسَها الأنباءُ عن نَبَأٍ
في فرحةِ السَّهم حين السَّهم ينعتقُ:
مِنْ خارج الأرضِ مَدَّ اللهُ راحتَهُ
نحو الحياةِ ففاضَ البِشْرُ والأَلَقُ
واختارَ (مَكَّةَ) ماعوناً لرحمتِهِ
لا يشتفي طَبَقٌ إلاَّ اشتهَى طَبَقُ
فيضٌ من اللُّطفِ لم يُدْرِكْ حقيقتَهُ
قومٌ بِما فاضَ من أوهامِهِمْ شَرِقُوا!
حتَّى إذا الغيبُ جَلَّى سِرَّهُ.. وإذا
صوتُ الحقيقةِ في الآفاقِ منبثقُ:
بُشرَى الحياةِ برُبَّانٍ.. قد اتَّحَدَتْ
بِهِ الخرائطُ وانقادَتْ لهُ الطُرُقُ
(طهَ).. ومَنْ غيرُ (طهَ) حين تندبُهُ
سفينةُ الخلقِ لا يُخشَى لـها الغَرَقُ؟!
يا وردةَ الحقِّ ما زلنا نشاركُها
سِرَّ الشَّذَى فيُحَنِّي روحَنا، العَبَقُ
حَيَّتْكَ في العُمْقِ من أصلابِنا نُطَفٌ
جذلَى تَرَنَّحَ فيها الماءُ والعَلَقُ
واقتادَنا مركبُ الذكرى إلى زَمَنٍ
رَبَّاكَ في شاطِئَيْهِ، الحبُّ والـخُلُقُ
تدري (حليمةُ) إذْ دَرَّتْ محالبُها
يوماً سـيُشْرِقُ من أثدائِها، الفَلَقُ
في مُرْضِعاَتِ (بني سعدٍ) مَشَتْ قُدُماً..
يمشي وراء خُطاها الحقدُ والـحَنَقُ!
ماذا عليها وقد أهدَى الخلودُ لـها
نَهْراً تفيضُ بهِ النُّعمَى وتندلقُ!!
يا منكرَ الذاتِ حتَّى آثَرَتْ أَرَقاً
كي يستريحَ عبيدٌ شَفَّهُمْ أَرَقُ
جرحُ النُبُوَّةِ جرحُ الشمسِ.. تسكنُهُ
روحُ الجمالِ.. ومن أسمائِهِ الشَّفَقُ
مِنْ عُزلةٍ لَكَ.. مِنْ حُزْنٍ خَلَوْتَ بهِ
في (الغارِ)..مِنْ هاجسٍ ثارَتْ بهِ الحُرَقُ!
مِنْ (بئرِ ماءٍ) ذوَى حُلْمُ الرُّعاةِ بـها..
مِنْ خيمةٍ عاث فيها الطيشُ والنَّزَقُ!
مِنْ كلِّ ذاكَ الدُّجَى.. شَعَّتْ بثورتِها
عيناكَ.. وابتدأَ التاريخُ يأتلقُ!
تَزَوَّجَتْ في يديكَ الأرضُ معولَها
حتَّى تناسلَ منها الوَردُ والـحَبَقُ
فاستيقظَ الحُلْمُ مزهوًّا بفارسِهِ
تَضُمُّهُ مقلةُ الدنيا، وتعتنقُ
ولُـحْتَ في موكب التوحيدِ ممتشقاً
سيفاً لغير الـهُدَى ما كنتَ تمتشقُ
تتلو مزاميرَكَ الغرَّاءَ فانبعثَتْ
على الصدَى ضابحاتُ الحقِّ تستبقُ
وتحملُ المشعلَ الأسنَى بحالكةٍ
ظلماءَ.. يخبطُ في أبعادِها الغَسَقُ
يكفي حصانَكَ من ماءٍ ومن عَلَفٍ
نَفْحُ اللهاثِ على شِدْقَيهِ، والعَرَقُ
عفواً نبيَّ الـهُدَى.. عفواً إذا عَبَرَتْ
جسرَ القوافي إلى فردوسِكَ، الـحُرَقُ
واعذرْ بيانـي إذا أبصرتَ بَذْرَتَهُ
تنشقُّ عن نبتةِ الشَّكوَى، وتنفلقُ:
ذكراكَ تُوشِكُ بالأضواءِ تختنقُ..
شمسٌ وليس لها في حَجْمِهاَ أُفُقُ!
أسطولُ فجرٍ وراءَ الغيبِ مُحْتَجِبٌ
ضاقَتْ بمينائِهِ الأرواحُ والـحَدَقُ!
مَنْ لـي بنجواكَ والنجوَى تُؤَرِّقُني
حَدَّ العذابِ، وحولـي أُفْقُها نَفَقُ
أُنْبِيكَ : ما زال هذا الكونُ محكمةً
تقضي بتقطيعِ أيدي غير مَنْ سَرَقوا !
والجرحُ في جوهرِ الإنسانِ ما بَرِحَتْ
دماؤُهُ باتِّساعِ الأرضِ تندفقُ
هَوِّنْ عليكَ فكمْ حاولتَ ترتقُهُ
بالمعجزاتِ ولكنْ ليسَ ينـرتقُ
ما ارتابَ خيطُكَ في إيـمانِ إبرتِهِ
مُذْ وَسَّعَ الجرحَ مَنْ شَقُّوا ومَنْ فَتَقُوا !