بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم
بعد أن تم توضيح عدم صحة الإستناد للرواية المذكورة ، وذلك من خلال تعليقات الشيخ السبحاني حفظه الله ورعاه، حان الوقت للحديث عن معنى الأمية المذكورة في كتاب الله عز وجل .
يقول شيخنا السبحاني: لم يختلف اثنان من الأمة الإسلامية في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أمياً لا يُحسن القراءة والكتابة قبل بزوغ دعوته لمصلحة صرح الله بها في الكتاب العزيز.
استدل شيخنا السبحاني على كلامه هذا بنصين من كتاب الله عز وجل وهما:-
أولاً: قوله تعالى: { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)} سورة العنكبوت.
تعليقه على الآية دام ظله: هل تجد من نفسك ريباً في أنّه بصدد نفي تلاوة أي كتاب عن نبيّه الأكرم قبل نزول الوحي عليه، وكتابة أي صحيفة عنه، أوليس من القواعد الدارجة بين أئمّة الأدب، أنّ النكرة في سياق النفي تفيد انتفاء الحكم عن كل أفرادها وتعطي شمول السلب كقوله سبحانه: (وَمَنْ يُهِنِ اللّهُ فَمالَهُ مِنْ مُكْرِم) (الحج ـ 18) وقد قال سبحانه: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب) فأدخل النفي على النكرة وجعلها في سياقه، فإذن المراد من التلاوة المنفية تلاوة مطلق الكتاب كما أنّ المراد من الخط المنفى عنه تسطير أي كتاب وترسيم أي صحيفة تقع في ذهن السامع، فالضمير المتصل بالفعل (لاتخطه) عائد إلى (كتاب) وكأنّه جل شأنه قال وما كنت تخط كتاباً. وقد وافاك أنّ مثل هذا الكلام لوقوع النكرة في سياق النفي يفيد عموم النفي فاللّه سبحانه نفى عن نبيه، مطلق التلاوة والكتابة قبل بعثته.
ثم إنّه عزّ اسمه، علّل سلب هذا الأمر عن نبيّه بمصلحة أولى وألزم، وهي نفي ريب المبطلين وشك المشككين، إذ لو كان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في برهة من عمره تالياً للكتب، وممارساً للصحف، لساغ للبسطاء من اُمّته والمعاندين منهم أن يرتابوا في رسالته وقرآنه، ويلوكوا في أشداقهم بأنّ ما جاء به من الصحف والزبر والسور والآيات، إنّما تلقّاها من الصحف الدينية وقد صاغها وسبكها في قوالب فصيحة ، تهتز منها النفوس وترتاحإليها القلوب، فليست لما يدّعيه من نزول الوحي على قلبه، مسحة حق أو لمسة صدق.
فلو لم يكن النبي اُمّياً لا يحسن القراءة والكتابة بل كان قارئاً وكاتباً وممارساً لهما على رؤوس الأشهاد، لما أمكن له أن يتحدى الاُمّة العربية وفي مقدمتهم صناديد قريش بقوله: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان ـ 6). فلأجل تحقيق هذه المصلحة المهمة، نشأ النبي في أحضان قومه وشب وترعرع إلى أن ناهز الأربعين وهو اُمّي لا يحسن القراءة والكتابة، ولو كان وقتئذ قارئاً وكاتباً وهم اُمّيون لراجت شبهتهم في أنّ ما جاء به نتيجة اطلاع ودرس وأثر نظر في الكتب.