السنن في القرآن الكريم
هذا باب واسع لايكاد يفضي إلى نهاية ،وهذا بحث قصير أتفيأفيه ظلال بعض الآيات ،وأصدر عنها بشيء من المعرفة القرآنية ،وإن شيئا من الحسن يطل عليك لزعيم بأن يحملك على طلبه كله ،على أنك لاسبيل لك إلى بلوغ أربك لأن القرآن الكريم بعيد الغور ،فخذ منه بحسبك .
السنة في اللغة:
قال السيدمحمد تقي الحكيم:
لكلمة (السنة) تحديدات تختلف باختلاف المصطلحين، فهي في عرف أهل اللغة «الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم سننت الشيء بالمسن اذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا أي طريقا».
«وقال الكسائي: معناها الدوام، فقولنا: سنة، معناها الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه».
«وقال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فاذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة، كقوله: من سن سنة سيئة».
«وقيل: هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة...».انظر :السنة في الشريعة الإسلامية ص7
من حديث السنن في القرآن الكريم :
تحدث القرآن الكريم عن السنن في مواضع منها:
قال تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ }الأنفال38،وقال تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ }الحجر13،وقال تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً }الإسراء77،وقال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الأحزاب62،وقال تعالى: {اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً }فاطر43
نموذجان من السنن القرآنية:
وهذان نموذجان من السنن القرآنية ،وإنما اخترت هاتين السنتين لما لهمامن أثر في تغيير الواقع .
السنة الأولى:
إن مايحدث للإنسان إنما هو بسبب كسبه :
قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }آل عمران165وقال تعالى: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ }التوبة35وقال تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً }النساء79وقال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }الأنعام70وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }الشورى30
فليتأمل الذين تنزل بهم النوازل وليعلموا أن ما يصيب الإنسان إنما يقدم أسبابه هو فتكون النتيجة ،وإذا تمت العلة لم يتخلف المعلول كما هو ثابت في محله
السنة الثانية:
الاستغفار طريق للثروة والإنجاب والسعادة الدنيوية والأخروية بنحو عام:
قال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ }هود3،وقال تعالى: { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً{11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً{12}نوح،وقال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ }هود52
أقول :وقد ورد الحديث عن هاتين السنتين في المروي عن أهل البيت عليهم السلام وإليك شيئا مما روي عنهم:
في تفسيرعلى بن إبراهيم وقوله عزوجل : ظهر الفساد في البر والبحر بما
كسبت أيدى الناس قال : في البر فساد الحيوان إذا لم تمطر ، وكذلك هلاك دواب البحر بذلك ، وقال الصادق عليه السلام : حياة دواب البحر بالمطر ، فإذا كف المطر ظهر الفساد في البر والبحر ، وذلك إذا كثرت الذنوب والمعاصي.
تفسير نور الثقلين ج5ص405
وفي أصول الكافى عنه عن أبيه عن النضر بن سويد عن هشام بن
سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال ، أما إنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب وذلك قول الله عزوجل في كتابه : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ) قال : ثم قال : وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به .
نور الثقلين ج6ص406
وعنه صلى الله عليه وآله : من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا .وعن الإمام علي عليه السلام قال:الاستغفار يزيد في الرزق.انظر :ميزان الحكمة مادة غفر
هذا غيض من فيض.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.