 |
اقتباس |
 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
حامل المسك: الأخ العزيز باقر
س. تطرقت في تقديمك للشيخ الأكرف في حسينية السبطين بالبلد قبل حضوره للحسينية بأن حمزة الصغير يمثل نوعا في اللطم الذي يعتبر في القمة ممثلا فيه العاطفة والمصيبة وهذه المدرسة تميزت عن غيرها في تلك الحقبة التاريخية التي مر بها اللطم والعزاء أما الشيخ حسين مثل الجديد والتحول في العزاء فما الذي تقصده من ذلك ؟. |
|
 |
|
 |
|
بلغني ذلك منذ أن ألقيت الكلمة بعد مدة.. وكنت أتمنى أن تفضل صاحب الملاحظة أو أصحاب الملاحظة، للسؤال، وهذا أفضل من أن تترك هكذا وتتضخم، لتأتي إليها قضية أخرى بنفس حالتها، لتتراكم القراءات غير الإيجابية، عندها تتضخم السلبية، لتكون معالجتها حينئذٍ من أصعب الأمور.
وقد رأيت هذا الرأي في إحدى المشاركات لأحد الأعضاء، ولكن تم التعديل عليها، فتم حذف الرأي المتعلق بهذا الشأن.
وصارحني بعضهم، وتصور البعض أن الرأي انطلق من حماسة وانفعال، مع أنني لا أنزه نفسي عن ذلك، ولكن ما حصل هو في الحقيقة من رؤية واضحة.. وجدتُ مناسبة التقديم للشيخ حسين الأكرف(وفقه الله تعالى) فرصة سانحة جداً لإبدائها، وكنتُ أشرتُ إلى هذا النحو في محاضرة طلبت حضور الرواديد آنذاك إليها قبل وفاة الرادود المرحوم جاسم السعيد(رحمة الله عليه)، وقد طبعتها آنذاك ومقالين في أبي عبدالله الحسين(ع) في كراس باسم عاشورائيات.
متابعتي لأداء الرادود الملا حمزة الصغير أو (الزغير)، والرواديد المعاصرين له أمثال ملا وطن، والحاج ياسين الرميثي، وآخرون أن حمزة ثري في عطائه.. تعدد العطاء.. تميزه.. بل هو جديدٌ من خلاله.. إذ قدم الحاج حمزة (الزغير) لطميات وأساليب لا نقول عنها أنها على نحو اللطمية ولا على نحو النعي.. غاية في الإبداع.. وكان إبداعه في الواقع فوق طاقة من حوله.. إلى حد أن تجد الرواديد بعده يرددون ألحانه.. أساليبه إلى ما بعد ثلاثة عقود، ومع ذلك تشعر بجدتها وحيويتها واكتنازها الإبداع والنضج.. من جانبٍ آخر تجد ما قدمه كثيراً جداً، ونادراً ما تجده يتشابه، في اللحن.. في المواضيع.. بل تجد فيها مواضيع مرتبطة بالأمة، وإن لم تكن حسب استماعي لها وفق استراتيجية لها، وإنما بناءً لما يعيشه العراق من وقائع وأحداث وإسهامات الشاعر والرادود في أحداثها لصالح المرجعية الكبرى حينها، والمتمثلة في آية الله السيد محسن الحكيم، خاصة وأنه لم يمكث بعد السيد محسن الحكيم كثيراً.. إذ وافته المنية رحمة الله عليه عام 1395هـ.
الآخرون من الرواديد على ما قدموه إلا أن ما قدموه لا يضاهي ما قدمه الملا حمزة.. إذ تجد لأحدهم شريطاً أو شريطين لهذا، أو ذاك، وقد لا تجد ما قدمه بذلك التميز الذي قدمه الملا حمزة.. لذلك فإنني مع تقديري لما قدمه الشيخ حسين فإنه لم يبلغ في نظري ما بلغه الملا حمزة.
وفي الواقع أن الملا حمزة يحتاج إلى قراءة أكثر من هذه لمن تابع النقلة الحقيقة التي قدمها للقصيدة الحسينية، ولمفهوم الإبكاء في إنشاده.. إلا أن عطاؤه كان أكثر إثماراً وقيمة هو ما كان في الجانب العاطفي.
ولكن هناك شيء لاحظته لم يكن وقفاً في الملا حمزة، وإنما انسحب إلى الشيخ حسين الأكرف على ما يبدو في الآونة الأخيرة، وهو التعاطي ومع قضية الإمام الحسين(ع) بأقل ما تستحق.. وقد تكون مسؤولية الشيخ حسين الأكرف أكبر من مسؤولية الملا حمزة.. إذ أن مستوى وعيه ومستوى علمه يتقدم على الملا حمزة، إذ أنه لم يكن فقط حوزوياً، وإنما تجاوزت دراسته لبحث الخارج الست أو السبع سنوات.. ما أوجد لديه ذائقة فقهية جيدة، قد تسعفه حتى على استنباط الحكم الشرعي إن كان دقيق التتبع للآراء الفقهية ومعرفة مواطن الاختلاف فيها والقوة والضعف، وكيفية استيلاد الحكم الشرعي..
وملاحظتي التي أتمنى الاهتمام بها كثيراً من قبل الخطباء والرواديد، هي أنه لا يمكن تجاهل معاناة أسرة رسول الله(ص) وإحساسهم بالألم والمعاناة لأبشع جريمة في تاريخ أولياء الله، وقد تحمل الإمام الحسين(ع) وأهل ذلك من أجل الله عندما قال(( هون ما نزل بي أنه بعين الله))، ولكن علينا ألا نجعل هذا الاهتمام يلغي تماماً اهتمامنا بقضية الإمام الحسين(ع) وجهاده ونضاله ونضال النبي(ص) والمعصومين(صلى الله عليهم أجمعين وسلم).
ويجب أن يحظى منا هذا الجانب بذات الاهتمام الذي حظي به الإمام الحسين(ع) والأئمة المعصومين(ع) الذين آلمتهم مصيبة الحسين(ع) واهتموا بقضية الحسين(ع) كما هو اهتمامهم بالمحافظة على حرارة تلك الفاجعة، والذي ينتهي في الأساس إلى إحياء قيم هذا الدين العزيز.
لذلك أتمنى أن نواكب اهتمامنا بهذه القضية بأي درجة، ليقرأ الناس الإمام الحسين(ع)، وكل المعصومين عند الحديث عن فاجعة ارتحالهم إلى الملأ الأعلى قضاياهم التي ناضلوا من أجلها بأسلوب دعوي، يدفع الناس أن يستلهموا منها، خاصة عندما تكون بالأسلوب الخطابي والمهيج للأحاسيس والمشاعر النبيلة لدى الناس الطيببي، والذي يقدمه الخطباء والرواديد..
ولكن صراحة شيئاً من هذا وجدته في الرادود المبدع الشيخ حسين الأكرف.. وخاصة في قصائد المسيرات، والتي هي أيضاً المسار الذي عليه أغلب رواديد البحرين، إلا أن الشيخ حسين تميز بشكلٍ ملحوظ في ألحانه المتميزة والفذة.
الشيخ حسين الأكرف توفر على شعراء حسينيين- كما هو أغلب رواديد البحرين- كانوا مطواعين لرؤاه، وكانت قابلياتهم مفتوحة، وشهيتهم لا حد لها، ومستوى عالٍ من المخيال الشعري المتألق.. حتى لتجدهم يقتحمون العقول المغلقة في تبليغ رسائلهم، وعلى رأسهم الأستاذ العزيز عبدالله القرمزي والأستاذ نادر التتان، وعبدالجليل البلادي.
وإلى أولئك الشعراء الذين يشبعون أطروحات الشيخ الأكرف في العزاء قابلياته الفذة والمنقطعة النظير في توليد الألحان بشكل ملفت، إلى الحد الذي تراه غير راضٍ عندما يتشابه لحنان في عطاءاته.. وإن كان ذلك مما لا مفر منه في كثيرٍ من الأحيان.. ولكن أن تشغله هذه المسألة فهذا يعني أنه يعنيه أن يكون متميزاً جداً في كل أدائه، خاصة وأنه يعنيه أن يكون ذلك اللحن حتى المشتق من هنا أو هناك جديداً في إبرازه.. هذا ما لفت نظري في الشيخ حسين، وهو نفسه ما يبلور المدرسة التي كنت أقصدها.. فهو أدخل الشأن العام والأمة بطريقة ملفتةً والمقاربات في هذه العملية قوية وملفتةً بشكل لا يمكن أن يتجاهلها المهتمون.. طبعاً قد تكون الأطروحة للشيخ حسين الأكرف، ولكن المنتج هو الشاعر الذي صاغ هذه النقلة.. فإذن اشترك المبدعون في إنجاز الإبداع.
المراقبون، وقد اجتهدت أن انتبه مثلهم إلى أن الشيخ حسين الأكرف لا يمكن تصنيف أدائه إلى المدرسة البحرانية الجديدة، وإنما خرج عن ذلك بقوة، دفع كثيرين من الرواديد في المنطقة لاقتفاء أثره.. ما جعله مدرسة متميزة بجدارة، دفعني ذلك إلى تلك المقاربة بين الملا حمزة والشيخ حسين.
هنا نأتي للملا باسم الكربلائي، والذي كان أول رادود جديد تنفتح عليه نفسي بعد الملا حمزة، وكان مبدعاً ورائعاً في بداياته، إلا أنه مر بمرحلة مراوحة لا يتجاوز فيها المكان لا أدري ما سببها، إلا أنه عاد للتألق من جديد، وبتميز ملفت أيضاً.
وقد توفر للملا باسم شاعر مبدع هو الأستاذ جابر الكاظمي، وهو كالأستاذ عبدالله القرمزي والتتان، إلا أن ما يميزهما عنه أنهما يمدان الرواديد بالقصيدة الفصحى بلا نضوب ولا كلل، في حين أن الحاج جابر الكاظمي كان وقفاً عند القصيدة بالدارج العراقي، وإن قرأت في بعض قصائده نتاجاً بالفصحى، ولكن لا يمكن أن ينافس عطاء القرمزي والتتان، فيما هو قد يتفوق في مواضع كثيرة عليهم في الدارج العراقي..
إلا أن ما لاحظته على الملا باسم على الكثير من إبداعاته الرائعة هي أنها لم تخرج عن خصوصية وخصائص مدرسة الملا حمزة.. وإن كانت له ألحاناً جديدة كثيرة، إلا أنها أيضاً تظل تحمل سمات مدرسة الملا حمزة.. وهذا ما كنتُ أقصده..
ولا يعيب الملا باسم أن يُنسب إلى مدرسة الملا حمزة، ولا يقلل من قيمة الإبداع الذي استطاع تقديمه في الكثير من عطاءاته.. فالملا حمزة كما قلتُ كان عطاءً مبدعاً متجدداً، ولا زال من يقدم لطمية لحمزة بحاجة إلى خاصية متميزة كما هو المبدع الملا محمد الحجيرات، ولكن ذلك لا يعني أن نعتبر عطاءه مدرسة، بالطريقة التي يريدها مني بعض المؤمنين، وإن كنتُ غير راضٍ عن استجابته لبعضهم في مسألة التطبير، إلا أنه لا أحد يستطيع تصنيفه كمدرسة تنفصل عن الملا حمزة.
إلا أن بعض الأخوة كان يتصور أن مسألة التطبير هو الذي دفعني إلى عدم ذكره بمفهوم التميز الذي كنتُ أقصده في كلمتي حسينية السبطين(ع)، في حين أن ما كنتُ أقصده هو ما وسعتُ الكلام بشأنه هنا.
وأتمنى من الملا باسم في أن يسمع كلمتي في عدم الخوض في القضايا التي تدفع بكثيرٍ من جمهوره الذين يحترمونه ويقدرونه بالتخلي عنه مع حبهم لأدائه..
 |
اقتباس |
 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
س. من يستمع لك أو يقرأ ما كتبت يجد أنك تتكلم في العقيدة تارة وتتكلم في التاريخ تارة اخرى وتتكلم في الفكر، بل وفي السياسة.
فلماذا لا تحدد نوع الاتجاه الذي تخوضه؟ اي بمعنى اصح لماذا تعمل في كل تلك الحقول ولا تتخصص في أحدها مثلاً؟. |
|
 |
|
 |
|
في الواقع أن لكل موضوعٍ من هذه القضايا قصة تتحدث عن طبيعة تعاملي معها، إما أنها فرضت نفسها علي لبعض الوقائع والدوافع، أو أنني أجد نفسي مندفعاً للتعامل معها دون معاناة.. فمثلاً في العقائد والفقه.. كنتُ قد قرأتُ كتاباً للرد على الشيعة والطعن على عقائدهم للكاتب المثير والمتشدد إحسان إلهي ظهير، ورأيته يتناول العقائد الشيعية بطريقة غير أمينة وخارج كل السياقات العلمية والمهنية، ولكنها بطريقة التفافية خادعة عجيبة، حتى تكاد أن تجد نفسك بلا خليفة ولا تاريخ.. هذه الحالة دفعتني لحركة كبرى في تقصي الحقائق وطريقة استفادة ظهير من النصوص، لأكتشف أنه يقوم بعملية تزوير كبرى، وممارسة القص واللصق والتقطيع في النصوص، وتوليف حالة من الغوغائية والطوباوية والجهل والعدائية، ونسبتها إلى الشيعة والتشيع، لتظهر لك على أنها أبعد ما تكون عن العقل السليم أو حتى قريبة منه، ومن ذلك ما نقله عن كتاب(( فرق الشيعة)) للنوبختي، في رواية عن الإمام الصادق(ع) في أن الشيعة لا علاقة لهم بأهل البيت(ع).. فبحثتُ عن الكتاب، فحصلتُ عليه، فرأيت النص الشاهد، فإذا به قد وقع تحت طائلة التوجيه الفاسد.. إذ هو فعلاً كلام الإمام الصادق(ع)، وكان الإمام الصادق(ع) يخاطب جهة شيعية تدعي الانتساب إلى أهل البيت(ع).. ولكن تلك الجماعة من المنحرفين عن أهل البيت(ع) ومعروفون عندنا بانحرافهم، فاستعان بالنص ليوجهه ضدنا.. وهو نفس محاولة الاستفادة من عبارة(( تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً)) عن أبي عبدالله الحسين(ع) الذي يقصد أولئك الجماعة الذين دعوه إليهم فخذلوه. .. وهكذا كان منهجه في كل كتابه، ما جعلني اتتبع كتبه واحداً تلو الآخر، وأقرأها كلها، لألاحظ هذه السمة هي الأبرز فيه، ومن ذلك كتابه ((الشيعة وأهل البيت)) و((الشيعة والقرآن))، ولشدة عداوته ذهبت مرة لمكتبة المتنبي بالدمام، ورأيت كتابه(( الشيعة والقرآن)) فرأيتُ عشرين صفحة قد تم شقها من النصف من عرض الكتاب.. ولكنها لا زالت في الكتاب، فطلبتُ شراء الكتاب بـ(5) ريالات، فقبل، فقط لأقرأ ماذا في الكتاب.. فرايته ما شاء الله في العمل العبثي والتحريضي..
وأتذكر أنني كتبت في بداياتي حينها أكثر من 300 صفحة بحجم ورق دفاتر المدرسة بقصد الرد عليه.. ولا زلتُ احتفظ بتلك الدفاتر، وقد دفعتني هذه القراءات والمتابعات لشراء الكثير من الكتب العقائدية والتتبع الشديد للروايات، وأيضاً للقراءة في كتب الاستدلال بحماسة وبكثافة أيضاً، وكتب الاستدلال فتحتني بذاتها على نظائرها.
وأما في التاريخ، فإن قصتي معه بدأت من تأليفي لكتاب مالك الأشتر القائد القدوة، ثم أحداث فتوى التنباك، وتشعبت كثيراً.. وكانت قراءاتي قراءات تتبع ومناقشة للرواية والأخرى التي تعارضها، وليست لمجرد للنقل، واستمرت هذه العملية في قراءة الواقعة وقراءة أناسها وتداعياتها عليهم، ومن خلالها ثقافتهم، ومستوى الرشد ومفهومه عندهم في أحداث فاجعة كربلاء.. وهكذا.
وأما في السياسة، فمن منا لا يتابع ولا يقرأ الأخبار والشؤون السياسية هذه الأيام؟! ولا تكاد فضائية تخلو من البرامج السياسية واستضافة الضيوف.. الجيد منهم والنطيحة والمتردية.. وكل متابعٍ لهذه الشؤون تجد أثر هذا الاتجاه أو ذاك عليه، ناهيك عن الاحداث المتسارعة والمثيرة التي تدفع المرء للمتابعة.. ولم أكن بدعاً من الناس في هذه الشأن، ومن يتابع المنتديات يجد نفسه أنه لم يستثنِ أحدٌ نفسه من ادعاء معرفة السياسة، بل بعضهم بالغ في نفسه، ليضع نفسه في مقام الملهم للجميع، ليكون عمر قراءاتي ومتابعاتي ما يزيد على الـ25 سنة، في الصحف والمجلات المحلية والخليجية، بالإضافة إلى الحياة والوسط والشراع.. وقد تكوَّن من ذلك أرشيف كبيرٍ عندي، حتى ضاقت عائلتي به، فتخلصتُ منها بكل أسف..
وأما في الشعر والأدب والنقد.. فهل يخفى على أحدٍ اهتماماتي في هذا الشأن.. وكيف يخفى هذا على من عرف منتدى السهلة الأدبي، وتسامرنا هناك، وقول الشعر والأدب.. وأتذكر أنني كثيراً ما كنتُ أتناول هذه المسائل مع شباب المنتدى، ولم يضع أحد على نفسه فيتو ولم يستطع أن يضعه على غيره أيضاً، ولي مجالس سمر حافلة مع عديدٍ من الأدباء والمثقفين في البلد والمنطقة.. بعضهم كان ينضح تواضعاً، وبعضهم كان ينضح نرجسية انتهت به إلى التيه.
هذه الحصيلة وقراءات أخرى بالتأكيد تصقل القابليات الظاهرة والكامنة لدى المرء وتنميها، وما كنتُ لأنسى أي استفادة، مهما صغرت أو استهان بها بعضهم، إلا أنه مع مرور الوقت برزت ظاهرة التحليل والمناقشة التي يعرفها بعض المتابعين أنها طريقتي.. ولكن المثقف إذا ما اشتغل لتنمية قابليته فإنه يمكنه أن ينفتح على كل الواقع الذي يكون حاضراً فيه، ولكن ستجد أداءه وفقاً لوعيه واستيعابه لذلك الواقع.
نعم.. لدي بعض الاهتمامات ما أثر على اهتمامات أخرى، إذ اهتمامي بالبحث والكتابة على أدائي في الشعر، إذ بالكاد أتمكن من توليد قصيدة في السنة والسنتين، في حين أنني من قبل أكثر قدرة على ذلك.. بل أثر حتى على تمكني من أخذ القصيدة بناصيتها..
وأثر علي أيضاً في الرسم، والتي كنت التزم بفتوى مرجعي آية الله السيد أبي القاسم الخوئي في رسم ذوات الأرواح حينها، بالرغم من أنني قلدتُ السيد الكلبيكاني فيما بعد، إلا أن النفس لا تجد نفسها راغبة للعودة للرسم إلا لبعض الأعمال العادية جداً.. والتي لا تصلح أن يوسم صاحبها بالرسام.
عندما تمر بي بعض الأمور فإن انفعالي معها هو بحجم جاذبيتها إلى نفسي، ووجود قابلية لدي للاستجابة لها.. وعندما أشعر بقوة جاذبيتها إلى نفسي فإنني اشتغل على تنمية وعي وفهمي لها بكثافة، لأجد نفسي ومن يتعاطاها بتخصص نفهم خطابها، وأرى أن فهمه لها باعتباره المتخصص ليس أكثر قدرة مني في تعاطيه معها.
هكذا الأمور بالنسبة لي..
وأتذكر هنا أنني كنتُ في مركز النسخ والتصوير في عملي، وكنتُ قد أخذتُ دورةً في(معالجة الكلمات) في معهد الإدارة، على نظام كمبيوتر (الماكنتوش)، وكان معقداً.. إذ لا تشبه لوحة مفاتيحه أي لوحة مفاتيح أخرى.. لا نظام البانتيوم، ولا نظام الآلة الكاتبة، ولا حتى المعالج الصغير.. ما جعلني لا أتمكن من التدرب عليه إلا في المعهد فقط.. ومدته كانت ثلاثة أسابيع فقط..
من قبل كنت لا أتمكن من كتابة كلمة واحدة من دون النظر إلى لوحة المفاتيح.. ولكن آليتُ على نفسي ألا أنهي البرنامج التدريبي إلا بنتيجة مثمرةٍ لي..
كان الأستاذ المحاضر رائعاً جداً، واسمه الدكتور عبدالله نصيف.. قال في أول حصة حضور عنده: لو تمكنت من كتابة أربعين كلمة في الدقيقة فإنني لا أعتبرك ناجحاً ما لم تكتبها بالطريقة التي يعتمدها البرنامج، وهي ((طريقة اللمس))، أي الكتابة دون النظر إلى الحروف في لوحة المفاتيح، وبتشدد الدكتور وعزيمتي في المسألة تمكنت من النجاح مبدئياً بتقدير (جيد) من خلال كتابة(23) كلمة في الدقيقة.. بعد الحصول على شهادة المعهد رجعتُ إلى العمل.. وقمت بالتدرب لمدة أسبوع أو أسبوعين على نظام البانتيوم.. وهو موجود في العمل وفي البيت.. ونجحتُ في كتابة(34)كلمة في الدقيقة.
بعضهم لعله يبلغ الخمسين كلمة في الدقيقة، وأما الذين يبلغون 80 أو90 كلمة في الدقيقة، فهؤلاء لا قدرة لي على منافستهم، ولكن الذي أختلف فيه عن بعضهم أنه يكتب من دون العناية بالهمزة، ولا بعلامات الترقيم، والكتابة الفنية، ولا بأي شيء.. تجد كتابته أشبه بالكتابة قبل عصر التشكيل، ونظام إعداد الكتب الأكثر روعة وفناً.. وهذا طبعاً يفقد هذا الكاتب خاصية مهمة في إنجازه، وهو معرفة طبيعة النص الذي يكتبه، في حين أن أكثرهم يكتب النصوص بطريقة هي أشبه بطريقة الرسم.
هذا البرنامج مع خبراتي التي سبقته في هذا الشأن جعلني بفضل الله أكثر من اهتمتْ به الإدارة لبروز استفادته من البرنامج، وقد تركتُ آثاراً بهذه الخبرة، ومنها كتابة دليل الهاتف لكل إدارات المؤسسة، ولا زالت العديد من الإدارات تستفيد منه إلى الآن.
تلك كانت المقدمة.. وبتلك الدراسة التي لم تبلغ الشهر رشحني مدير القسم للإشراف على اختبار بعض الشباب المتقدمين لوظيفة ناسخ للمؤسسة وقد أحيلوا لاختبارهم عندنا، وكان بعضهم خريج معاهد خاصة لسنوات، وواحدهم كان صاحب شهادة جامعية في الحاسب الآلي وكتابة النصوص على ما أظن،.. لا أعرف تسميتها، ولكنها على هذا النحو، ولعله أخذ دورة خاصة، وقد اختبرته فرأيته أنه بحاجة إلى تنمية مهاراته، ولم يأخذ الدرجة التي يتجاوزها المبتدأ في النسخ.. وبالمناسبة فإن برنامج(معالجة الكلمات) خدمني كثيراً جداً.. إذ أنه ساعدني على كتابة كل بحوثي المنسوخة بالكمبيوتر.. إذ لم يكتب لي أحدٌ نصاً سوى ما كتبه الخال العزيز صالح الرستم والشيخ العزيز حسين الطريبيلي والأستاذ حسين الشملان.. وذاك كان في بداياتي قبل امتلاكي لجهاز الكمبيوتر.. أي قبل 14 عاماً.. وهذه إضافة جديدة لعل أكثر من حولي يعرفني، ولا يبخس حقي فيها..
وهذا ما يجعلني التفتُ إلى أنه لا يمكن لشخصٍ أن يكون فقط صاحب قابلية واحدةٍ أبداً، أو صاحب مهارة واحدة فقط، ومن كان كذلك فهو بالتأكيد قليل حظٍ في المعرفة والنجاح والتوفيق في التعاطي مع هذا التنوع الذي تزخر به ذاته، حتى تلك التي في متناول الجميع.
ولدينا مثلاً الأستاذ جاسم الصحيح، شاعر مبدع لا تضاهيه شاعرية معاصرة كما أحسب، ومع ذلك هو مهندس في شركة آرامكو، ولا وجه للمقاربة بين الأمرين.. الدكتور غازي القصيبي.. شخصية سياسية بارزة.. ومع ذلك هو شاعرٌ وقاصٌ وأديبٌ وباحثٌ وناقدٌ وإداريٌ أيضاً، هذا ما لمسته أنا من قراءتي لبحوثه وكتاباته وبعض دواوينه.. ومما لا شك فيه أنه لديه أشياء أخرى.. وللإثارة فإن هتلر الدموي كان رساماً مبدعاً!!..
وهنا أقف عند نقطة مهمة وحساسة، وهي أنني عندما أخوض شأناً ما، فإنه لن يقبل الآخرون المتخصصون أو ذوو العلاقة أن أكون عابثاً أو مهرجاً في أي تعاطٍ لي مع الشأن الذي يرون أنفسهم فيه، وما كنتُ كذلك بحمد الله، وإذا رأيت أنه من العسير عليه التعامل معه فإنني لا أقحم نفسي فيه، بل لا أجد نفسي تحفل به.
الله تعالى حين خلق المرء جعله يملك قابلية التعاطي مع كل واقعه، دون أن يكون بحاجة إلى أن يذهب إلى جامعة ليستجيب لمفروضاته واستحقاقاته.. إلا أن هناك مسائل لا يمكن الخوض فيها إلا باطلاعٍ يناسب وحاجة الخوض فيه، فيما هناك قضايا لا يمكن الخوض فيها إلا بتخصص دقيق كالطب والهندسة والكثير من الملفات التي يطلق على واحدها بالعلم.. ولكن يمكن للمرء أن يتخصص في أكثر من موضوع..
كثير من القضايا التي تؤخذ بالجهود الذاتية ولا تحتاج أكثر من الاستعداد والقابلية والتنمية الذاتية وفق حاجة تلك القضايا من الإشباع.. وما لدي من حاجة إلى دراسته فقد أخذته عن طريقه القانوني، وهو الكتابة بطريقة اللمس مثلاً، وما أستطيع الحصول عليه عن طريق الجهود الذاتية فالرغبة والاستعداد هو ما ساعدني عليه بعون الله.. وإلا هل سمعتم أن شاعراً حمل شهادة دكتوراة في الشعر؟!.. لو قبلنا بذلك فإننا سنرفض شاعرية الأستاذ جاسم الصحيح.. وهل سمعتم أن الشيخ علي آل محسن تخرج من جامعة ما في المسألة العقائدية.. أو أن الشهيد الصدر مر بسنوات الدراسة ليفوز بشهادة جامعية في الاقتصاد الإسلامي؟!! والتفسير التجزيئي؟!.. كيف يكون ذلك وهو مؤسس هذه النظريات، ولكن بجهوده الذاتية.. فلم يدرس الاقتصاد الإسلامي ولا التفسير التجزيئي في الحوزة..
العمل العبثي هنا وهناك هو عندما تدخل في شأنٍ ما وتخرج إلى آخر، ثم إلى ثالثٍ وإلى رابعٍ، وأنت لا تعرف إن كنت تريد هذه الانتقالات أم لا تدري إن كنت تتنقل أم لا؟! ودون بصيرة أو روية.. أما استخدام معرفتك المتنوعة هذه في هذا الحقل وهذا الحقل وهذا الحقل لصياغة قراءة متميزة وفذةٍ، وبانتقالات مدروسة وصحيحة فإنك بلا شك ستقدم الأفضل والأروع.. وقد رأيتُ هذه الظاهرة في الإمام الراحل(قده).. فإنك عندما تقرأ له في العرفان، تتصور أنه ابن الاصطلاحات العرفانية فحسب.. وعندما تقرأ له في الفقه تتصور أنه لا شيء يربطه بغير الفقه والأصول، وهكذا عندما تقرأ له في السياسة.. ذلك لأن كل موضوع لا علاقة له بالآخر، ولكن عندما ترتبط الفلسفة بالمنطق، فإنك تجد تأثيرات أحدهما على الآخر، ونظراً لأن الشعر مجرد قالبٍ لفظي يمكن أن يتعاطاه العاشق، والمقاتل و..و.. فإنك تجد أثر ذلك في قصيدته، وهكذا ظاهرة العرفان في شعر الإمام الراحل(قده)؛ لأن الإمام كان شاعراً فذاً، وقد أثرى العرفان تلك الشاعرية، وأنضجها لعدم حاجتها للتملق والاستجداء.. وما كان الإمام يدخل بقصائده في المحافل ولا المنتديات الشعرية.. ما يجعل القصيدة أبعد عن الخضوع لمفروضات تلك المحافل والمنتديات.. وبالتالي فإن خصوصيتها وقيمتها الفنية لم تكن لإثارة انتباه جمهور ما، وإنما لأنها خلجات روحٍ تنفست أغنية العاشق والواله..
فإذن أنا أتعاطى ما أشعر بجاذبيته إلى نفسي، وما أشعر أنني أجيد الخوض فيه، ولا أجد محرمات في ذلك إلا ما حرمه المرء على نفسه، أو لعدم وجود قابلية لدي تستوعبه، وهنا أتذكر الآية الشريفة(( كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه)).