عرض مشاركة واحدة
قديم 14-04-2010, 09:42 PM   رقم المشاركة : 5
الساعي
مشرف زوايا عامة
 
الصورة الرمزية الساعي
 







افتراضي رد: الأنسان والأوهام والشيطان

مرحباُ بك عزيزنا الغالي ..... طالب الغفران

يسعدني تواجدك .... جل جلال الله أن يكون صاحب شر فهو جل علاه يريد الخير للناس

أخي الكريم .... إليك هذا الإضاح في شأن الخير والشر .

من اصول الكافي، ج 1، ص 154، باب الخير والشر، ح

وردت هاتان الكلمتان في الروايات الإسلامية الواردة عن الرسول(صلى الله عليه وآله)، والأئمّة المعصومين(عليه السلام)، بشكل واسع وفي صَيغ مُختلفة.

ما يتناسب مع موضوع بحثنا أولا هو تصريح الكثير من الروايات بكون الخير والشر مخلوقين إلهيّين، من جملتها:

ورد عن الإمام الباقر،(عليه السلام): «إنّ الله يقول أنا الله لا إله إلاّ أنا، خالق الخير والشّر، وهما خلقان من خلقي...»(1).

وقد ورد نفس هذا المعنى في حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام)، حيث قال: «إنّي أنا الله لاإله إلاّ أنا، خلقت الخلق، وخلقت الخير وأجريته على يدي من أُحبّ، فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلاّ أنا، خلقت الخلق وخلقت الشّر وأجريته على يدي من أريده، فويلُ لمن أجريتهُ على يديه»( 2).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام)، أيضاً: «الخير والشّر كُلّه من الله»(3) وهنالك أحاديث عديدة اُخرى في المصادر الإسلامية، وذكرها بأجمعها يخرجنا عن صُلب الموضوع(4).

وقد طُرحَتْ أسئلة مختلفة بصدد هذه الأحاديث أهمها السؤال التالي:

أولا: إذا كان الشر أمراً عدميّاً فكيف عُبّر عنه بالخلق هنا؟

يمُكن العثور على جواب هذا السؤال في البحوث السابقة، وهو كثيراً ما يحدث أن تُطلق لفظه الشّر على الأمور الوجوديّة التي تُسبب العدم، كأنواع المكروبات والمواد السّامة والأسلحة المخرّبة والتي تعتبر جميعها أموراً وجودية لكنها مصدر «الأمراض» و«الموت» و«الخراب»، التي هي أمور عدميّة، «دقق جيّداً».

علاوةً على هذا فإنّه يُحتمل أن يكون التعبير الوارد يشير إلى الشرور النسبية ذات الصبغة الوجوديّة والتي يغلب خيرها على الرغم من تركها أثاراً سلبيّة لبعض الأفراد.

يقول العلاّمة المرحوم المجلسي (رضوان الله تعالى عليه) في «مرآة العقول» عن المحقق الشيخ الطوسي، في شرح أمثال هذه الروايات: المقصود من الشّر هو الأمور التي لا تناسب طبع الإنسان على الرغم من وجود مصلحة معينة فيها.

ثم أضاف في توضيحه عن كلام المحقق: «للشر معنيان».

1 ـ الشيء الذي يخالف الطبع ولا يتناسب معه كالحيوانات المؤذية.

2ـ الشيء المؤدي إلى الفساد وليس فيه مصلحة ما.

وما يُنفى عن الله سبحانه هو الشّر بالمعنى الثاني لا الأول، ثم أضاف قائلا: يعتقد الفلاسفة بأنّ الأمور على خمسة أنواع: الأشياء التامّة الخير والتي يُستلزم صدورها من الله عزّوجل، والأشياء التامّة الشر التي يستحيل صدورها من الله عزّوجل، والأشياء التي يغلب خيرها وهي ضرورية الصدور من الله أيضاً، والأشياء الغالبة الشّر أو التي تساوى خيرها وشرّها، فكلاهما لا يصدران من الله تعالى، وما نراه من الحيوانات المؤذية في عالمنا فانَّ فوائده الوجوديّة أكثر من شره، «ولذلك خُلقوا»(5). لذا يُحتمل أن يكون المقصود من خلق الشّر من قبل الله تعالى هو الأمور التي فيها نسبة من الشّر، لكن خيرها غالب في المجموع.

والسؤال الآخر المطروح بصدد هذه الرواية هو: أنّ الرواية تقول بأنّ الله يجري الخير والشّر على يد فئات مُختلفة من الناس، أفلا تُعطي هذه المسألة رائحة الجبر؟ وكيف يمكن للخالق الحكيم أن يجعل أفراداً وسيلة للشرّ والفساد؟ والجواب على هذا السؤال أيضاً، بالنظر لما مضى سابقاً، ليس بأمر مُعقّد، لأنّ هذه التعابير تُشير إلى التوحيد الأفعالي الإلهي، أي أنّ ذاته منتهى كُلّ شيء ولكن الله قد منح الإنسان حرّية الإرادة وخيارها ومكّنه من أسباب الخير والشّر والصلاح والفساد ليبتليه، فالبشر هم الذين يُصمِّمون التصميم النهائي في انتخاب نوع الطريق، ونوع البرنامج السلوكي، ومُسلّماً أنّ الله يجري أنواع الخير على يد الذين ينتهجون طريق الإيمان والعمل الصالح.

ومن هنا يتضح تفسير الآيات التي تقول: (فَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّة خَيراً يَرَهُ * وَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ). (الزلزال / 7 ـ 8)

وخلاصة الكلام هو أنّ الشر بمفهومه العدمي ليس بمخلوق إلهيّ، وما هو مخلوق شيئان:

1 ـ الأمور الوجوديّة الأصل لكنها أسباب الأمور العدميّة، وقد ذكرنا أمثلتها.

2 ـ الأمور التي خيرها يغلب شرّها، أو بتعبير أخر شرها نِسْبي، كالكثير من سموم الحيوانات التي تؤدي إلى موت وهلاك الإنسان في حالات معينة، لكنها وكما نعلم مادّة صناعة الكثير من العقاقير الشافية من جهة اُخرى، ويوجد في مراكز صناعة الأدوية أقسام لحفظ الثعابين الخطرة وذلك للاستفادة من سمومها، علاوةً على هذا فإنّ أنياب وسُمّ هذه الحيوانات هي وسيلتها الدفاعية لمواجهة الأعداء، أو جمع الغذاء من أجل البقاء.

وكذا المكروبات المعروفة بالشّر هي امور وجوديّة، فبالإضافة إلى آثارها السلبية فانَّ لها أثاراً إيجابية أيضاً، وتعمل الكثير من هذه الموجودات المجهرّية على تفسيخ أجساد الموتى وجثث الحيوانات، ولولاها لما مضت إلاّ مدّة وجيزة حتْى تمتلىء الأرض بالأجساد المتعفّنة وتتلّوث بسببها، وَلَحَلَّ الدمار الشديد بالبيئة الإنسانية.

وأيضاً تعمل مجموعة منها على إحداث افعال وانفعالات معينة داخل التربة لتهيّأها للزرع.

وحتى المكروبات المؤذية المسببة للأمراض فإنّ هجماتها المستمرة على بدن الأنسان، عن طريق الغذاء والماء والهواء، تُنشّط جميع خلاياه وتجعلها في حالة دفاعية دائماً وتكون سبباً في اقتدارها، إلى الدرجة التي يعتقد البعض بأنّه لو لم تكن هذه المكروبات الهجوميّة لكان بدن الإنسان ضعيفاً جدّاً ولكان أطول إنسان لا يتجاوز طول قامته الثمانين سنتمتراً!

والسؤال الأخير المطروح بصدد خلق الشّر هو: لم لا تنحصر مخلوقات الله بالخير المحض؟ وتوجد أشياء غالبة الخير، فمثلا نجد أنّ النار مادّة حارقة ينتج منها الكثير من شؤون الحضارة الإنسانية، والمواد الحياتية والأشياء المفيدة، لكنها أحياناً قد تُحرق أفراداً، أو تحول بيتاً بأكمله إلى رماد بسبب سوء استخدامها.

ولكن يجب الإنتباه في مثل هذه الموارد إلى أنّها لو جُرّدت عن صيغة الشّر فقدت محتواها، أي أن لا يخلق الله ناراً، لأنّ النار التي تُحرق أحياناً ولا تُحرق أحياناً اُخرى ليست بنار.

وبتعبير آخر: يحتوي عالم المادّة بطبيعته على مثل هذه النقائص إلى جنب كمالاته، وإذا كان من المقرر حذف هذه النقائص لصار معناه نقض خلق عالم المادّة أساساً، «أي أن لا يُخلَقْ»، في حين أنّه ذو خير غالب وكمال نسْبي، وخلقه عين الحكمة .

دمتم في حفظ الله

 

 

الساعي غير متصل   رد مع اقتباس