في الفصل الثَّالث تناول الكاتب أَنماط استدعاءِ الشَّخصيَّة، فمن ذلك استخدام الاستعارة ومثَّل لها بقصيدة الشَّاعر السُّوري إِبراهيم عبَّاس ياسين:
تقولُ المجازر:
إِنَّ الدَّمَ الكانَ جَمرًا
تحوَّل في غربةِ الوقتِ ماءْ
قتيلًا يعود ( الحسينُ ) وتلفظُ..
في آخر اللَّيلِ أمواتَها ( كربلاءْ )
ومن شرفةِ القصرِ..
يستعرضُ العاهلُ الملكيُّ السَّبايا ويغرقُ في نشوةٍ ما لها، كالزَّمانِ، انتهاءْأو استخدام الصُّورة البصريَّة، باستخدام تقنية مونتاج الصُّور ( إِعادة ترتيبها وفق رؤْية الشَّاعر )، ومثَّل لها بالشَّاعر أَمل دنقل:
الأَرضُ تُطوَى في بساط "النِّفطِ"، تحملُها السَّفائِنُ نحو "قيصرَ" كي تكونَ إِذا تفتَّحتِ اللَّفائِفُ:
رقصةً.. وهديةً للنَّارِ في أَرضِ الخطاةْ.
دينارُها القصديرُ مصهورٌ على وجناتها.
زُنَّارُها المحلولُ يسأَلُ عن زُناة التُّركِ،
والسَّيَّافُ يجلدُها ! وماذا ؟ بعد أَن فقدت بكارتَها.
وصارت حاملًا في عامها الأَلفيِّ من أَلفَينِ من عشَّاقِها!
لا النِّيلُ يغسلُ عارَها القاسي.. ولا ماءُ الفُرات!
حتَّى لزوجةِ نهرِها الدَّمويِّ، والأُمويُّ يُقعي في طريق النَّبع:
".. دون الماءِ رأْسُكَ يَا حسينُ .. "
وبعدَها يتملَّكون، يضاجعونَ أَراملَ الشُّهدا،
ولا يتورَّعونَ، يؤَذِّنون الفجرَ.. لم يتطهَّروا من رجسهم، فالحقُّ ماتْ!
وقد علَّق الكاتب: يلجأُ الشَّاعر هنا إِلَى تكنيك الارتداد الرُّوائِي.. حيث قطع التَّسلسل الزَّمني للأَحداث، والعودة من اللَّحظة الحاضرة إِلَى بعض الأَحداث الَّتي وقعت في الماضي.. فاللَّقطات الأَربع كما يوضِّحها الكاتب هي: ( الأَرض تطوَى في بساط النِّفط )، ثمَّ الثَّانية ( السَّيَّاف يجلدها... إلخ )، ثمَّ اللَّقطة التُّراثيَّة ( الأُموي المتربِّص بالحسين )، ثمَّ العودة إِلَى اللَّحظة الحاضرة مرةً أُخرَى ( الأَعداءُ يملكون.. إلخ ).
ويتناول شخصيَّة الحسين من خلال الشِّعر المسرحي عند الشَّرقاوي: "الحسين ثائِرًا"، و "الحسين شهيدًا"، ومحمَّد عفيفي مطر: "هكذا تكلَّم الحسين"، مشيرًا إِلَى تفوُّق عفيفي في التِّركيز على حدِّة الصِّراع في المسرحيَّة بين رموز الحقِّ، ورموز الباطل، بالإِضافة إِلَى الاختصار والابتعاد عن النَّزعة التَّسجيليَّة للأَحداث.
ويأْتي الفصل الرَّابع لدراسة مستويات الأَداءِ الفنِّي في الشِّعر العربي الحديث متمثِّلًا في الإِيقاع واللُّغة والصُّورة، وربط ذلك بمحور الدِّراسة، وهو استدعاءُ شخصيَّة الحسين في تحليل رائِع، ومن ذلك رسم صورة الحسين الرَّامز للثَّورة، المنتصر رغم قتله، بكثافة وعمق ينطوي على إِشارات لواقع الأُمَّة الرَّاهن عند الشَّاعر السُّوداني إِلياس فتح الرَّحمن من قصيدة "قراءَة قَبْليَّة لموت جديد":
أَنا ابنُ الحسين
أَنا مكمنُ اللَّونِ في العلمِ الهاشميِّ
وسرُّ النَّجابةِ في الشَّارتينْ
وُعِدتُ بجيشِ المريدينَ في المرَّتين
وها أَنذا ..
عيوني على مكَّةَ الأَجنبيَّةِ كلَّ صباحٍ
وقلبي يحدِّثُ قيثارةَ اللهِ في صمتها
وكفَّارتي بينَ بينْ
أَنا ..
أَنا ابنُ الحسينْ
ويعلِّق الكاتب: لكنَّ الرَّغبة الجامحة في التَّغيير تدفع ابن الحسين/العربي في نهاية الصُّورة إِلَى إِعلان التَّحدِّي سبيلًا "أَنا ابن الحسين". صورة رسمها الشَّاعر للحسين الرَّمز، وصورة رسمها لواقع العروبة، وصورة رسمها للعربي، تتكاتف لتبرز التَّحدِّي والرَّفض الحسيني الواجب تفعيله في واقع معاصر سيِّئ.
وفي نهاية الدِّراسة يضع الكاتب خاتمةً توجز كلَّ ما جاء في البحث في حدود ( 6 ) صفحات، بحيث يعطي للقارِئ صورة مجملةً عمَّا تناوله في دراسته.
من المآخذ الَّتي خرجت بها من خلال قراءَتي للكتاب ما يلي:
1. أنَّه لم يحدِّد المدَّة الزَّمنيَّة حينما خصَّص الدِّراسة في الشِّعر الحديث، وعليه تنصرف المدَّة الَّتي حددَّها أَستاذة الأَدب والَّتي تبدأُ في حدود 1213هـ، حتى يومنا هذا، والكاتب يعتمد ـ متوهِّمًا لا مُتحقِّقًا ـ وفاة الشَّيخ الدِّمستاني 1281هـ في ترجمته له، والصَّحيح أَنَّه توفي في1181هـ بحسب تحقيق الدُّكتور الفضلي لسنة وفاته (8)، وعليه فإنَّ الكاتب وقع في خلل منهجي حينما أَدخل الشَّيخ الدِّمستاني ضمن الدِّراسة، وهو شاعر توفِّي قبل العصر الحديث.
2. الدِّراسة في مجملها تدور حول فكرة استدعاءِ شخصيَّة الحسين في الشِّعر الحديث، إِلَّا أَنَّ الكاتب لم يحدِّد مفهوم الاستدعاءِ في الأَدب على طول صفحات البحث، واكتفى بإِيراد أَمثلة وتقسيمات لمفردة الاستدعاءِ، وتحديد المصطلح ضروريٌّ لعدم الوقوع في الخلط أَو اللَّبس.
3. كثيرًا ما يصادفنا بعد كلِّ بيت أَو قطعة شعريَّة يوردها الكاتب في بحثه شرحًا مفصَّلًا، مع أَنَّ بعض الأَبيات لا تحتاج إِلى شرح مفصَّل لوضوح معانيها للقارئِ المتابع للشِّعر، فكأَنَّ هذا الـشَّرح المفصَّل الَّذي التزم به الكاتب يسيءُ الظَّنَّ بقدرة القارئِ على فهم الأَبيات، إِلَّا إِذا التمسنا العذر للكاتب في توضيح ما له علاقة بالدِّراسة.
4. استشهاده ببعض القصائِد الَّتي تنوءُ ببعض الضَّرورات الشِّعريَّة غير المستساغة، إِضافة إِلَى ليِّ بعض المفردات وتطويعها على حساب الشِّعر، كاستشهاده بقصائِد الشَّاعر اللِّيبي محمَّد حامد الحضيري من ( ص: 51، إِلى ص: 58 )، وقد أَقرَّ الكاتب بهذا الأَمر في شعر الحضيري، إِلَّا أَنَّه فضَّل الإِبقاءَ على تلك الأَبيات المتكلَّفة ضمن الدِّراسة، وكذلك في ( ص: 57 ) استشهاده بقصيدة للشَّاعر علي عبدالرَّحمن جحاف وفيها بيت مكسور، وهو:
على ترابك يا لبنان لي وطنٌ
..................وإخوةٌ ليس ينسيهمُ الزَّمنُ
ففي كلمة ( ينسيهمُ ) حدث فيها ما يسمَّى بالاصطلاح العروضي قَطْعًا (9)، وهذا غير جائِز في حشو البسيط. نعم يصحُّ إِتيانه فقط في ضرب البسيط وعروضه في بعض الحالات.
وفي ( ص:70، 71 ) تصادفنا قطعة للشَّاعر أَحمد الشَّهاوي لا تخلو من اضطراب جليٍّ في الإِيقاع وتداخل تفعيلات في التَّفعيلة الأَساسية للقطعة، ولا ندري أَهو خلل مطبعيٌّ في صفِّ الكلمات، أَم أَنَّه تسامح من الكاتب بأَن يستشهد بنصٍّ مضطرب ؟، من هذه القطعة:
ونخيلنا وجعٌ يؤَرِّقه الحسين
سمواتنا أَرضٌ
ونار الماءِ لا تفضي إِلَى غدنا
وفراتنا يصعدُ الآن منكسرًا كسنبلةٍ
يكلِّم النَّاس من على جبلٍ
ويأْوي للتخومْ
ويشعل الأَحجار نارًا تغسل النفْس
ويبقَى رمادٌ من عروبتهِ ... إلخ.