ثمَّ يتحدَّث عن المرحلة الثَّالثة وهي مرحلة التَّوظيف ويقصد بها تجاوز الشُّعراءِ في تأْويل ملامح شخصيَّة الحسين والتَّعبير بها عن بعد أَو أَكثر من تجاربهم المعاصرة من خلال استغلال طاقاتها.. فهي تفريغ أَحداث الشَّخصيَّة لتصبح رمزًا على واقعة معاصرة، وممَّا مثَّل له من قصائِد قصيدة للشَّاعر السُّوري محمَّد صالح الأَصيل:
ويلوحُ جبينُ حسينٍ جدِّي
بدرًا فيهِ سيوفُ يزيدْ
فأُنادي:
جدِّي أَنقذني
من هذا اليمِّ الظَّالمِ عَتمتُهُ...
فبدا قمرًا
يبكي دمعًا ودمًا
ألمًا... حزنًا
فأُنادي:
جدِّي أَنقذني من هذا اليمِّ، ومن أيَّامي
أنقذني..
فيقولُ:
غدًا ولدي..
فاصبرْ يومًا،
تظفرْ دهرًا؛
هذا عنقي قد طالَ على أسيافِ يزيدْ
ويزيدُ مَضَى تذروهُ الرِّيحُ هباءً منثورا
ونقف إِزاءَ قصيدة أُخرَى بعنوان: ( مرآة الشَّاهد ) لأَدونيس كمثال آخر على التَّوظيف الفنِّي:
وحينما استقرَّتِ الرِّماحُ في حُشاشةِ الحسينْ
وازَّيَّنت بجسدِ الحسينْ
وداستِ الخيولُ كلَّ نقطةٍ في جسدِ الحسينْ
واستُلبتْ وقُسِّمت ملابسُ الحسينْ
رأَيتُ كلَّ حجرٍ يحنو على الحسينْ
رأيتُ كلَّ زهرةٍ تنامُ عندَ كتفِ الحسينْ
رأيتُ كلَّ نَهَرٍ يسيرُ في جنازةِ الحسينْ
ويعلِّق الكاتب: لقد استطاع الشَّاعر تحويل تجربة الحسين الخاصَّة إِلَى تجربة عامَّة ممتدَّة.. فاستشهاده قد أَحدث أَثرًا في كلِّ مظاهر الوجود الَّتي أَصبحت ترنو إِليه وتتطلَّع حنوًّا عليه، وحبًّا له، وطلبًا للرَّاحة عنده، وسلوكًا لنهجهِ.
في الفصل الثَّاني من الدِّراسة تناول وسائِل استدعاءِ الشُّعراءِ لشخصيَّة الحسين فذكر من تلك الوسائِل الاستدعاءَ بالعلم ( الاسم أَو اللَّقب أَو الكنية )، والاستدعاءَ بالمكان ( كربلاءَ ـ الطَّفِّ.. إلخ )، وهاتان الوسيلتان هما الأَبرز في الإِشارة إِلَى شخصيَّة الحسين، وقد لاحظ الكاتب بأَنَّ وسيلةَ الاستدعاءِ بالابن هي الأَكثر تردُّدًا ( يا ابن النَّبي، يا ابن الأَمين المؤْتمن، يا ابن عليٍّ، يا ابن حامي الدِّين، يا ابن الزَّهراءِ... إلخ )، وقد استنتج من ذلك السَّبب الَّذي دفع الشُّعراءَ إِلَى الاتِّكاءِ على مفردة ( الابن ) في بناءِ صيغة الكنية أَكثر من مفردة ( الأَب )، أَنَّ الأُولَى تعود بالشَّخصيَّة إِلَى الأَصل.. وما مِن شكٍّ في أَنَّ أَصل الحسين أَفضل من فرعه؛ إِذ أَصله النَّبي الكريم محمَّد أَشرف خلق الله، وابنته فاطمة الزَّهراء، وعليُّ بن أَبي طالبٍ.. ومن ثمَّ فالعود بالشَّخصيَّة إِلَى الأَصل يحقِّق للشُّعراءِ ما يبغونه من إِبراز مكانة الحسين ومنزلته.. وممَّا استشهد به من قصائِد قصيدة للشَّاعر اللِّيبي عبدالحميد بطاو، وقد استدعَى شخصيَّة الحسين بابن عليٍّ، وسبط رسول الله، يقول:
حدَّقتُ بقاعِ الكأسِ البلُّوريَّةْ
فاجأَني وجهُ يزيدْ
يسَّاكبُ من عينيه الدَّمعْ
ويقطرُ من كفَّيه الدَّمُّ
النَّازفُ من رأْسِ ابنِ عليٍّ
يا سبطَ رسولِ اللهِ لماذا لم تمنحْني البيعةَ؟
كي ترتاحَ، وتنقذني من هذا النَّدمِ
الموغلِ كالسَّرطانْ
يا سبطَ رسولِ اللهِ
لماذا خضتَ غمارَ الرَّفضِ؟
وأَعلنتَ العصيانْ؟
يا سبطَ رسولِ اللهِ
ابتسمتْ رأْسُكَ فوقَ الرُّمحِ
اشتعلتْ كلُّ دروبِ الثَّورةْ
في كلِّ مكانٍ وزمانْ
ويضيف الكاتب وسيلةً أُخرَى لاستدعاءِ الشَّخصيَّة، وهي وسيلة الاستدعاءِ بالدَّور، ويورد لها تعريفًا مفاده: ذكر الدَّور الَّذي لعبته الشَّخصيَّة، دون التَّصريح باسمها داخل النَّص؛ حيث يمثِّل الدَّور المذكور إِشارةً تستحضر الشَّخصيَّة غير المذكورة في ذهن المتلقي، والسِّياق هو الفيصل الوحيد في تحديد الدَّور المقصود.
ولكنِّي أَقف هنا وِقفةَ المتأَمِّل أَمام هذه الوسيلة وأَسأَل: هل يشير الاستدعاءُ بالدُّور إِلَى الشَّخصيَّة بشكل قطعيٍّ دون تداخل مع شخصيَّات ثوريَّة أُخرَى تلعب الدَّور نفسَه ؟.
إِنَّ الدَّور الَّذي قام به الحسين والمتمثِّل في التَّصدِّي للطُّغيان والصُّمود على المبدأِ والتَّضحية والفداءِ من أَجل الإِصلاح وإِقامة العدالة، لهو دورٌ يشترك معه كلُّ الثَّائِرين الأَحرار على مرِّ التَّاريخ، ولا ينفرد به الحسين وحده كي يكون خاصيَّة تدلُّ عليه حينما يُستدَعى بدوره الَّذي تحرَّك به، كما في الاستدعاءِ بالاسمِ أَو المكانِ الخاصَّين به، وفي هذا يقول مظفَّر النَّواب:
واحتشد الفلَّاحون عليَّ
وبينهمُ كانَ عليٌّ وأَبو ذرٍّ..
والأَهوازيُّ ولوممبا
أَو جيفارا أَو ماركس أَو ماو لا أَتذكَّرُ
فالثُّوَّارُ لهم وجهٌ واحدُ في روحي
بمعنَى أَنَّهم يشتركون في مبدأِ الرَّفض ومقاومة الظُّلم مع الأَخذ في الاعتبار الاختلاف في طبيعة الثَّورة والثَّائِر.
وبالوقوف على جميع الاستشهادات الَّتي ذكرها الكاتب لتكون مثالًا للاستدعاءِ بالدَّور، نلاحظ أَنَّها لم تكن تدلُّ عَلَى هذا المعنَى، ففيها استدعاءٌ بالعلم داخل النَّص كما عند عبدالرَّحمن الشَّرقاوي: ( عهدٌ عليَّ إِلى أَبي وإِلَى النَّبي.. )، أَو في عنوان العمل الشِّعري كما عند الشَّرقاوي أَيضًا ( الحسين ثائِرًا )، ومحمَّد عفيفي ( هكذا تكلَّم الحسين )، وقاسم حدَّاد ( خروج رأْس الحسين من المدن الخائِنة )، وهذا كفيلٌ باستبعاد الاستدعاءِ بالدَّور كتقنية تدلُّ عَلَى شخصيَّة الحسين، وأَنَّ الدَّور وحدَه لا يمكن أَن يحدِّد ملامح الشَّخصيَّة المطلوب استدعاؤُها، وإِذا كان السِّياق هو الفيصل في التَّحديد كما جاءَ في التَّعريف، فلا قيمة للدَّور من غير السِّياق.