الثورات السياسيّة في عصر الإمام الرضا عليه السّلام
مقدّمة
من أهمّ المخاطر التي واجهت الدولةَ العبّاسية وهددت وجودها بشكل أو بآخر: الثورات التي كانت تشتعل هنا وهناك من أرجاء تلك الدولة، وقد تفاقم هذا الوضع في أوائل حكم المأمون العبّاسي حتّى عَدّ المؤرّخون ما يقرب من ثلاثين ثورة للعلويّين وقعت بين أيّام السفّاح وأوائل أيّام المأمون ( سنة 200 هـ )، أي في فترة لا تتعدى سبعين عاماً. وهذا الرقم لا يشمل الثورات والانتفاضات التي قام بها غير العلويّين، وإنْ كانت تلك الثورات ربّما تصبّ في نفع العلويّين.
لقد أشبه الجوّ السياسيّ للدولة العبّاسية في عصر المأمون إلى درجة كبيرة الجوَّ السياسي الغالب في عصر الأمويّين، وكان الفارق الوحيد بينهما هو أنّ عدداً كبيراً من الناس كانوا مخدوعين بالإعلام العبّاسي، وكانوا ـ لهذا السبب ـ يعتبرون هذه الثورات أمراً يقوم به الساعون إلى السلطة والمطالبون بها.
العوامل التي مهّدت للثورات
إن استقراءً سريعاً للوضع العام للدولة الأموية بعد توطيد معاوية حكومته وإرسائه دعائم مملكته الظالمة التي دامت ثمانية وأربعين عاماً ( سواءً داخل الشام أو في أرجاء البلدان الإسلاميّة ) يظهر بجلاء أنّ عامّة الناس، والطالبيين والعلويين على الخصوص، وحتّى العبّاسيين.. كانوا ساخطين على تلك الحكومة، وأنّ نار الحقد على الأمويين ما فتئت تشتعل في صدورهم، حتّى إذا استعر أوارها في لحظة مناسبة، اشترك جميع هؤلاء الناقمين في إسقاط تلك الدولة.
متى بدأ العبّاسيّون دعوتهم
يمكن القول أنّ العلويّين هم الذين بدأوا بالدعوة أوّلاً، فقد نظّم أبو هاشم عبدالله بن محمّد بن الحنفيّة الدعاةَ ورتّبهم، ثمّ انضوى تحت لوائه محمّد بن علي بن عبدالله بن العبّاس، ومعاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطّلب، وغيرهم. ثمّ إنّ محمّد بن علي بن عبدالله بن العبّاس ـ الذي كان داهيةً محنّكاً ـ تعرّف على الدعاة، واستطاع بعد موت أبي هاشم أن يُسيطر عليهم ويستقلّ بهم (1).
واختار محمّد بن عليّ العبّاسي خراسانَ ليُرسل إليها دعاته، وأمرهم أن يتحاشوا العلويّين، لكنّه ظلّ يتظاهر ـ ومن معه من العبّاسيين الذين استنّوا بسنّته ـ أنّه يدعو للعلويّين، ورَفَع شعارات مُبهمة انطلت على غالبيّة الناس، فتبعوه أملاً في إسقاط الأمويّين وإعادة القيادة إلى أصحابها الشرعيّين: أهل البيت عليهم السّلام. ومن تلك الشعارات شعار « الرضا من آل محمّد ».
ورأينا خطيبَ العبّاسيين الأوّل يقول على منبر مسجد الكوفة: «... وإنّما أخَرَجَنا الأنفةُ من ابتزازهِم حقَّنا، والغضبُ لبني عمّنا.. » (2).
وشاهدناهم يلقبّون أبا سَلَمة الخلاّل أوّلَ وزير في الدولة العبّاسية بلقب « وزيرآل محمّد »، ويلقبّون أبا مسلم الخراساني « أمير آل محمّد »، ورأيناهم يدّعون الخلافة بالإرث عن طريق الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ومحمّد بن الحنفيّة، ويحتجّون بقرباهم النسبيّة من رسول الله صلّى الله عليه وآله، وانتمائهم إلى العبّاس عمّ النبيّ صلّى الله عليه وآله.
ومع أنّ العبّاسيّين وصلوا إلى مقاصدهم في الخلافة من خلال ادّعائهم أنّهم يَدعُون للعلويّين، إلاّ أنّهم سُرعان ما تنكّروا للعلويّين والطالبيّين لما شاهدوا فيهم المنافسَ القويّ، ولمّا رأوا التأييد الواسع الذي حظي به العلويّون والطالبيّون من قِبل أهل الحجاز والعراق، فقلبوا لهم ظهر المِجنّ، وصمّموا على استئصالهم، لذا شاهدنا العبّاسيّين يتعقّبون العلويين والطالبيين تحت كلّ حجر ومدر، وقد سجّل التاريخ ـ خاصّة في كتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصفهاني ـ نماذج مروّعة من الوحشيّة والقسوة التي صبّها حكّام بني العبّاس على بني عمومتهم من الطالبيين والعلويين.
ثورات الطالبيّين
تصدّى الطالبيّون ـ وعلى الأخصّ من انحدر من نسل الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام ـ لحكّام بني العبّاس، ونهضوا لمقارعة ظلمهم، وكان لهم اليد الطولى في إثارة أطراف البلاد الإسلاميّة ضد حكومة بني العبّاس.
وكان من جملتهم: محمّد بن عبدالله بن الحسن المثنّى المعروف بـ « النفس الزكيّة » الذي بايعه المنصور العبّاسي مرّتين: إحداهما بالأبواء على طريق مكّة، والأخرى بالمدينة، ثمّ بايعه مرّة ثالثة في المسجد الحرام بمكّة (3)، ثمّ حرص أشدّ الحرص على الظفر به وقتله، وكان محمّد النفس الزكيّة قد ثار في المدينة.
أمّا أخوه إبراهيم شهيد باخَمْرى، فقد ثار في البصرة.
ومن الطالبيين الذي ثاروا في وجه العبّاسيين: الحسين بن علي المشهور بـ « صاحب فَخّ » الذي ثار في الحجاز في عصر الهادي العبّاسي، ومنهم: يحيى بن عبدالله المحض المعروف بـ « صاحب الدَّيلم » الذي ثار في طبرستان زمن هارون الرشيد. ومع أنّ هذه الثورات قد قُمعت بوحشيّة، وقُتل القائمون بها شرّ قتلة، إلاّ أنّ ذلك كلّه كان يؤجّج في قلوب الطالبيين السخط على النظام العبّاسي الحاكم.
ثورات العلويّين
أمّا العلويّون فقد انقسموا ـ في التعامل مع نظام الحكم العبّاسي ـ إلى طائفتين:
أولاهما الأئمّة الأطهار والمقرّبون إليهم، وقد ارتأوا ـ لظروف المرحلة التي عاصروها ـ أن ينصرفوا إلى تعريف الناس على حقائق الدين ونشر شعائره وعلومه، ولم يسلكوا مسلك الثورة المسلّحة في وجه العبّاسيين، وحذّروا أتباعهم وأقرباءهم من التصدّي لعمل عسكري لم تنضج ظروفه.
يحدّثنا التاريخ ـ كشاهدٍ على هذه المقولة ـ أنّ الإمام الصادق عليه السّلام حذّر عبدالله بن الحسن المحض من التصدّي للخلافة والدعوة إليها، فلم يقبل عبدالله كلامه (4). كما يحدّثنا أنّ الإمام الصادق عليه السّلام رفض الاستجابة لكتاب أبي مسلم الخراساني لمّا كتب إليه يُبايعه، وقال لحامل الكتاب: ليس لكتابِك جواب، أُخرج عنّا (5).
ويحدّثنا ثالثة أنّ الإمام الصادق عليه السّلام رفض طلب أبي سَلَمة الخلاّل بالقدوم عليه ليُبايعه، ثمّ أحرق الكتاب وطرد الرسول الذي جاء به (6).
أمّا الطائفة الثانية من العلويين، فقد أشبهوا الطالبيين من نسل الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام في الثورة والعمل العسكري على السلطة القائمة.
وقد تصاعدت ثورات العلويين في عصر المأمون العبّاسي، وتزايد سخطهم على نظام الحكم، فكانوا يترصّدون الفرص للثورة والتمرّد على نظام الحكم، فثار منهم محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بـ « ابن طباطبا » في الكوفة، ودعا الناس للالتحاق بالعلويّين وأوكل قيادة جيشه إلى السري بن منصور المعروف بـ « أبي السرايا » فحقّق بعض الانتصارات، ثمّ توفّي ابن طباطبا فجأة، فخلفه في الثورة محمّد بن محمّد بن زيد بن علي بن الحسين، وأعانه أبو السرايا في ثورته. واستطاع أبو السرايا أن يستقطب إليه أهل العراق، وضَربَ النقود باسمه ثمّ إنّه أرسل العبّاس بن محمّد بن عيسى بن جعفر إلى البصرة، وأرسل الحسين بن الحسن الأفطس إلى مكّة، كما أرسل إبراهيم بن موسى بن جعفر ـ وهو أخو الإمام الرضا عليه السّلام ـ إلى اليمن، وأرسل أخاه الآخر: زيد بن موسى بن جعفر إلى الأهواز، ومحمد بن سليمان بن داود إلى المدائن، وإسماعيل بن موسى بن جعفر ـ الأخ الآخر للإمام الرضا عليه السّلام ـ إلى فارس.
وقد بذل المأمون جهوداً كبيرة لقمع هذه الثورة، فتمكّن بعد مشقة من قتل أبي السرايا (7).
وقد أدّت هذه الثورات العنيفة إلى إحداث قناعة كبيرة لدى المأمون في أنّ الحلّ الأمثل لتهدئة ثورات العلويين والسيطرة على تحرّكاتهم هو أن يستقدم الإمام الرضا عليه السّلام من المدينة إلى مرو، فيعهد إليه بولاية العهد في حكومته.
الأوضاع السياسية في عصر المأمون
الأوضاع في خراسان
يحدّثنا التاريخ أنّ ثورة نشبت في خراسان في عصر المأمون العبّاسي بقيادة رجل يدعى الحسن الهرش، وأنّه دعا الناس إلى ( الرضا من آل محمّد )، فالتحق به جمع كثير وذلك في سنة 198 هـ (8)، فأفزع ذلك المأمون وخشي منه، إذ أنّ تلك الثورة هددّت مدينة « مرو » مركز حكومة المأمون آنذاك، إلا أنّ الفضل بن سهل وزير المأمون استطاع بدهائه أن يتغلّب على جيش الحسين بن هرش ويَدحَره في سنة 199 هـ، فاعتُقِل الحسين هذا ثمّ قُتل.
الأوضاع في البصرة
لم تكن الأحوال في البصرة بأحسن منها في خراسان، فقد خرج فيها زيد بن موسى بن جعفر فأحرق دُورَ العبّاسيين في البصرة بالنار، فسُمّي « زيد النار »، ولم يستطع والي العبّاسيين في البصرة الحسن بن علي المأموني مقاومته كثيراً. ثمّ أنّ الحسن بن سهل وجّه إليه جيشاً بقيادة عليّ بن سعيد، فتمكّن عليّ بعد حرب شديدة من هزيمة جيش زيد، وأخذه إلى مرو أسيراً (9).
الأوضاع في اليمن
وفي نفس هذه الفترة ثار إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد في اليمن، وكان بها إسحاق بن موسى بن عيسى عاملاً للمأمون، فلمّا بلغه اقتراب جيش إبراهيم من صنعاء، سار منها نحو مكّة خائفاً من مواجهة إبراهيم، فاستولى إبراهيم بجيشه على اليمن، ولم يجد هارون الرشيد بُدّاً من أن يُقرّ إبراهيم عليها لِما رأى من تأييد أهلها له (10).
الأوضاع في مكّة
ذكرنا أنّ محمّد بن محمد بن زيد ومعه أبو السرايا أرسلا الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي ـ ويُقال له الأفطس ـ إلى مكّة والياً عليها، فلمّا بلغ الحسين بن الحسن منطقة « شَرَف »، خرج إليه قوم فأخبروه أنّ مكّة قد خلت من بني العبّاس، فدخلها حتّى طاف بالبيت، ثمّ بقي بمكّة إلى أن انقضت السنة. ثمّ إنّ الحسين نزع كسوة الكعبة وكساها كسوة أخرى أرسلها أبو السرايا من الكوفة، وكانت من القزّ. وتتبّع ودائع بني العبّاس و أتباعهم فأخذها،ثمّ إنّ نبأ مقتل أبي السرايا بلغه، فأتى هو وأصحابه إلى محمّد بن جعفر بن عليّ بن الحسين بن علي، وكان شيخاً محبّباً إلى الناس، وكان يروي العِلم عن أبيه الإمام جعفر عليه السّلام، فطلبوا منه أن يُبايعوه بالخلافة فلا يختلف عليه اثنان، فامتنع من ذلك، فلم يزالوا به حتّى أجابهم إلى طلبهم.
خلاصة لمجمل الأوضاع السياسيّة
نصل في تقييم الثورات وحركات التمرّد التي واجهت الدولة العبّاسية، وخاصة في عصر المأمون العبّاسي، إلى أنّ العلويّين كانوا يمثّلون الخطر المهمّ الذي يهدّد أركان الدولة العبّاسية وقد أنهكتها الحرب المدمرّة التي دارت بين الأخوين المأمون والأمين، وأنّ عامّة الناس كانوا ينحازون إلى صفّ هذه الثورات ويؤيّدون القائمين بها، ويفضّلونهم على رجال الدولة من بني العبّاس، خاصّة وهم يَرَون فيهم الجدارة والعدل والزهد، ويرون ـ في الجانب المقابل ـ ظلم سلاطين بني العبّاس وولاتهم واستئثارهم بالأموال دون عامّة الناس، ويلحظون إجحافهم في حقّ العلويّين.