وإليك الآن الكلام على سورة المائدة:
قال الصابوني:
سورة المائدة من السورة المدنية الطويلة، وقد تناولت كسائر السور المدنية جانب التشريع بإسهاب، مثل سورة البقرة، والنساء، والأنفال، إلى جانب موضوع العقيدة، وقصص أهل الكتاب، قال أبو ميسرة : المائدة من آخر ما نزل من القرآن، ليس فيها منسوخ وفيها ثماني عشرة فريضة.
* نزلت هذه السورة منصرف رسول الله (ص) من الحديبية، وجماعها يتناول الأحكام الشرعية، لأن الدولة الإسلامية كانت في بداية تكوينها، وهي بحاجة إلى (المنهج الرباني) الذي يعصمها من الزلل، ويرسم لها طريق البناء والاستقرار. أقول:ليس هذا محل حديثنا فنحن ندعه لا نتكلم فيه.
* أما الأحكام التى تناولتها السورة فنلخصها فيما يلي: (أحكام العقود، الذبائح، الصيد، الإحرام، نكاح الكتابيات، الردة، أحكام الطهارة، حد السرقة، حد البغي، والإفساد في الأرض، أحكام الخمر والميسر، كفارة اليمين، قتل الصيد في الإحرام، الوصية عند الموت، البحيرة والسائبة، الحكم على من ترك العمل بشريعة الله) إلى آخر ما هنالك من الأحكام التشريعية.
أقول:كل ذلك إنما هومن باب التربية الذي ذكرناه فيما سبق من القول ،وكله أيضا من باب الرحمة كما ذكرناه سابقا أيضا ،وبعض ماذكر إنما هو من باب العبادات وقد ذكرناه فيما سبق أيضا ،وهو تفصيل للصراط المستقيم الذي يسأل المؤمنون الله{سبحانه وتعالى} أن يهديهم إليه .إن بعض ماذكر هاهنا لمن أهم الأمور لصلاح المجتمع الذي كلف بعبادة الله وأعني بذلك خاصة حد السرقة،و حد البغي، والإفساد في الأرض،و أحكام الخمر والميسر،فإن هذه الحدود إن لم تقم فإن المجتمع لن يستطيع ممارسة العبادة كما ينبغي وذلك لغياب الأمن .
ثم قال الصابوني:
* وإلى جانب التشريع قص تعالى علينا في هذه السورة، بعض القصص للعظة والعبرة، فذكر قصة بني إسرائيل مع موسى، وهى قصة ترمز إلى التمرد والطغيان، ممثلة في هذه الشرذمة الباغية من "اليهود" حين قالوا لرسولهم [اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون] وما حصل لهم من التشرد والضياع، إذ وقعوا في أرض التيه أربعين سنة [قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض..]
* ثم قصة ابني آدم وهي قصة ترمز إلى الصراع العنيف بين قوتي الخير والشر، ممثلة في قصة (قابيل وهابيل) حيث قتل قابيل أخاه هابيل، وكانت أول جريمة نكراء تحدث في الأرض، أريق فيها الدم البريء الطاهر، والقصة تعرض لنموذجين من نماذج البشرية: نموذج النفس الشريرة الأثيمة، ونموذج النفس الخيرة الكريمة [فسولت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين].
• كما ذكرت السورة قصة "المائدة" التي كانت معجزة لعيسى ابن مريم ظهرت على يديه أمام الحواريين، والسورة الكريمة تعرض أيضا لمناقشة "اليهود والنصارى" في عقائدهم الزائفة، حيث نسبوا إلى الله ما لا يليق من الذرية والبنين، ونقضوا العهود والمواثيق، وحرفوا التوراة والإنجيل، وكفروا برسالة محمد عليه السلام، إلى آخر ما هنالك من ضلالات وأباطيل، وقد ختمت السورة الكريمة بالموقف الرهيب يوم الحشر الأكبر حيث يدعى السيد المسيح "عيسى ابن مريم" على رءوس الأشهاد، ويسأله ربه تبكيتاً للنصارى الذين عبدوه من دون الله [ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق] ويا له من موقف مخز لأعداء الله، تشيب لهوله الرءوس، وتتفطر من فزعه النفوس!!.
• أقول :ماقاله الصابوني هنا قد أوجزته السورة في قول الله {تبارك وتعالى}: اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ{6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ{7}فقد عرضت السورة هنا للذين أنعم الله {عزوجل}عليهم موجزا وفصلت بعض مصاديق هذا القول سورة المائدة وذلك بذكر شيء من سيرة بعض الأنبياء{عليهم السلام}وبعض الصالحين ،ثم إنها عرضت باليهود والنصارى كما أسلفنا فيما سبق من القول،وقد فصلت المائدة شيئا من أحوالهم.
-