القرآن الكريم في سورة الفاتحة
فأول ما نبتدئ به هو الكلام على سورة البقرة في الفاتحة فأقول:قال الشيخ محمد علي الصابوني في كتابه صفوة التفاسير : سورة البقرة أطول سور القرآن على الإطلاق، وهي من السور المدنية التي تعني بجانب التشريع، شأنها كشأن سائر السور المدنية، التى تعالج النظم والقوانين التشريعية، التى يحتاج إليها المسلمون فى حياتهم الاجتماعية.
- اشتملت هذه السورة الكريمة على معظم الأحكام التشريعية: فى العقائد، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، وفى أمور الزواج، والطلاق، والعدة، وغيرها من الأحكام الشرعية.أقول :ألا ترى كيف أن سورة البقرة قد فصلت بعض قوله تعالى في سورة الفاتحة : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}وذلك باشتمالها على بعض أحكام العبادات،ثم إنها قد فصلت ما أجمل في قوله تعالى: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }الفاتحة6أوليس تبيين المعاملات ،والأخلاق،وأمور الزواج ،والطلاق ،والعدة ،وغيرها تبيينا للصراط المستقيم الذي هو : {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة7،ثم قال الصابوني:
- وقد تناولت الآيات فى البدء الحديث عن (صفات المؤمنين)، و(الكافرين)، و(المنافقين)، فوضحت حقيقة الإيمان، وحقيقة الكفر والنفاق، للمقارنة بين أهل السعادة وأهل الشقاء.أقول:وقد تناولت الفاتحة ذلك إجمالافانظر قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }الفاتحة5أوليس العبادة من صفات المؤمن ،وهي بهذا وصفت الكافر لأن النقيض يعرف بنقيضه كما قال الشاعر :وبضدها تتبين الأشياء،ثم انظر قوله تعالى: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ# صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة6-7أليس هذا سؤال للهداية إلى طريق السعادة وليس هو غير الإيمان والتقوى ،وبذلك يتبين أهل الشقاء وهم الكفار والمنافقون .
ثم قال الصابوني:
- ثم تحدثت عن بدء الخليقة فذكرت قصة أبي البشر "آدم" عليه السلام، وما جرى عند خلقه وتكوينه، من الأحداث والمفاجآت العجيبة، التى تدل على تكريم الله جل وعلا للنوع البشري. أقول:إن ذكر بدء الخليقة ، وما جرى عند خلقه وتكوينه، من الأحداث والمفاجآت العجيبة،باب من أبواب الهداية حيث تنكشف قدرة الخالق عزوجل وهذا مصداق لقوله تعالى: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }الفاتحة6فإذا عرفت قدرة الخالق بعثك ذلك على معرفته ،فإذا عرفته هديت إلى رشدك .
ثم قال الصابوني:
- ثم تناولت السورة الحديث بالإسهاب عن أهل الكتاب، وبوجه خاص بني إسرائيل "اليهود" لأنهم كانوا مجاورين للمسلمين فى المدينة المنورة، فنبهت المؤمنين إلى خبثهم ومكرهم، وما تنطوي عليه نفوسهم الشريرة من اللؤم، والغدر، والخيانة، ونقض العهود والمواثيق، إلى غير ما هنالك من القبائح والجرائم التى ارتكبها هؤلاء المفسدون، مما يوضح عظيم خطرهم، وكبير ضررهم على البشرية، وقد تناول الحديث عنهم ما يزيد على نصف السورة الكريمة، بدءاً من قوله تعالى: [يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم] إلى قوله تعالى: [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن].
أقول:ويتبن لك ذلك في قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة7فإن المفسرين أوردوا في تفسير قوله تعالى: { غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}أن المراد بالمغضوب عليهم والضالين هم اليهود والنصارى،ففي تفسير العياشي ج1 ص24:عن معاوية بن وهب ،قال سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله: { غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}؟قال :هم اليهود والنصارى .أقول :فسورة الفاتحة أجملت ذكرهم وفصلته سورة البقرة وقد ذكرواعلى نحو المصداق .
ثم قال الصابوني:
- أما بقية السورة الكريمة فقد تناولت جانب التشريع، لأن المسلمين كانوا فى بداية تكوين (الدولة الإسلامية) وهم فى أمس الحاجة إلى المنهاج الرباني، والتشريع السماوي، الذى يسيرون عليه فى حياتهم، سواء ما كان منها فى العبادات أو المعاملات، ولذا فإن جماع السورة يتناول الجانب التشريعي، وهو باختصار كما يلي:
"أحكام الصوم" مفصله بعض التفصيل، أحكام الحج والعمرة، أحكام الجهاد في سبيل الله، شؤون الأسرة، وما يتعلق بها، من (الزواج، والطلاق، والرضاعه، والعدة)، تحريم نكاح المشركات، والتحذير من معاشرة النساء فى حالة الحيض، إلى غير ما هنالك من أحكام تتعلق بالأسرة، لأنها النواة الأولى للمجتمع الأكبر، وفى صلاح الأسرة صلاح المجتمع !!.
- ثم تحدثت السورة الكريمة عن "جريمة الربا" التى تهدد كيان المجتمع وتقوض بنيانه، وحملت حملة عنيفة شديدة على المرابين، بإعلان الحرب السافرة من الله ورسوله، على كل من يتعامل بالربا أو يقدم عليه [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين – فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون].أقول:وانظر ما قلناه أول بحثنا.
ثم قال الصابوني:
- وأعقبت آيات الربا بالتحذير من ذلك اليوم الرهيب، الذى يجازى فيه الإنسان على عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر [واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون] وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم، وآخر وحي تنزل من السماء إلى الأرض، وبنزول هذه الآية انقطع الوحي، وانتقل الرسول الأعظم (ص) إلى جوار ربه، بعد أن أدى الرسالة وبلغ الأمانة ونصح الأمة، وجاهد فى الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين!. أقول :وهذا تفصيل لقوله تعالى في سورة الفاتحة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }الفاتحة4 أي يوم القيامة ،ونحن نغض النظر عن كلام الصابوني حول آخر ما نزل من القرآن الكريم فهو ليس بموضوعنا الآن.ثم قال الصابوني:
- وختمت السورة الكريمة بتوجيه المؤمنين إلى التوبة والإنابة، والتضرع إلى الله جل وعلا برفع الأغلال والآصار، وطلب النصرة على الكفار، والدعاء لما فيه سعادة الدارين [ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين] وهكذا بدأت السورة بأوصاف المؤمنين، وختمت بدعاء المؤمنين ليتناسق البدء مع الختام، ويلتئم شمل السورة أفضل التئام!!.أقول :وهذا أيضا تفصيل لقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }الفاتحة5فإن التوجه إلى التوبة والإنابة ،والتضرع إلى الله جل وعلا برفع الأغلال والآصار، وطلب النصرة على الكفار، والدعاء لما فيه سعادة الدارين ضرب من الاستعانة بالله عزوجل والعبادة وهذا بحمد الله واضح بين .