كانت أمي
تغزل حكاية ذكرياتها
تلملم بكاء بعدي عنها
ولم أدرك إنها تركت من قلبها إنحناء
وأنا والتيه يخطف نهاري
لم أدرك إن هجوعها كان ظلي
وظمأ الحقول في شفتيها اشتعال
كانت تفتح إغماضتها المنقوعة
كي لا تفترسني أشباح أدخنة
وأسمال فراغ
كانت على عتبة قريتي
تخمن لذاكرتها الطويلة هبّة هواء
فتحلم بإضاءات حول قلبي المعطوب
ما كنت أدرك بأن الفراشات تجمعها لي
وتنشد على إغفائتي لحن الحمام
أبواب جمة كانت تفتحها لي
أنفاس الصبح
وعطر الظهر
ونسيم العصر
ودفئ المساء
نعم إن لها رائحة ،
وعرشها على صهوة المنتهى
تسري عبيرا ،
وعطر الكون بين كفها
نور وماء
يا أيها الملأ هذا العزف يراودني
فمن أي الأبواب أخيط لها نبضي
لقد أدركت للتو إنني بين تأوهها
نارٌ ونار
أدركت حين كان مهدي بين كفيها أرجوحة
تطاولني السماء
كأني أراني أسبح فوق وطني
تزرع لي محطات ، وحقول عشب
وتنبت من سهرها معشوقة مائسة
ولؤلؤة من أعالي البحار
ها أنا أمضي نحو الكهولة
عيوني مجهدة وأجراس التعب تقلقلني
وبمنديلها المصحوب بأبخرة الصلاة
تلوحها فوق رأسي
تشهق بترنيمات عتيقة
وتعاويذها منذورة للسماء
أمي كانت تجيد صمتا طاهرا
وأنا منهوك من فرط توجس قلبها
تبصرني في نومها فتى يرمى ببئر المكيدة
تستفيق مذعورة
وأسماء الله تتلوها حتى ينبلج الصباح
هذه أمي ..
وكنت وحدي أعلم
بأنه كلما تأرجحت في محو لغات معتمة
وكلما احتظنت عتبات الخوف
أو طرز في سمائي الضجر
رأيتها كنبي يمشي على ماء زلال
تعيدني لحظنها ضاحكة مستبشرة
وتنبض الحياة
فمن يسجد طوعا حين ينبلج الفجر
وتبدأ الصلاة ..؟!
القلم المتأمل